مقالات الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب البصمة الوراثية وإثبات نسب الطفل الناتج عن جريمة اغتصاب – (قراءة في الحالة السودانية على ضوء النموذج المصري (قضية فتاة الدقهلية) والنموذج الإماراتي (جريمة الزنا) والاتفاقيات الدولية ذات الصلة) (1)

 

تعرض هذه المقالة إشكالية قانونية ودستورية وسياسية تثيرها واقعة سودانية محددة، تتلخص في تحوّل التكييف القانوني لواقعة اعتداء جنسي على طالبة قاصر من وصف الاغتصاب إلى وصف الزنا الرضائي، رغم بقاء الوقائع المادية على حالها، وذلك أثناء مسار التحقيق أمام الشرطة والنيابة العامة، ثم أمام المحكمة التي أعادت الأوراق إلى النيابة لإعادة النظر في التكييف بناء على طلب محامي الفتاة القاصر. وتتصل بهذه الإشكالية الإجرائية مسألة أعمق تتعلق بمدى استقلال سلطة الاتهام عن الاعتبارات السياسية والأمنية في الأفعال الجنسية خارج نطاق القانون والشرع، وبمسألة موازية تخص إثبات نسب الطفل الناتج عن الواقعة إلى أبيه البيولوجي عبر الفحص الجيني (DNA).

وتستند هذه المقالة، في تأصيلها النظري، إلى الإطار المقارن الذي تناولته سلسلة مقالات سابقة حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب، والذي ميّز بين ثلاثة مستويات مترابطة وغير متطابقة:

(الأول) الحقيقة البيولوجية التي يكشفها الفحص الجيني،

(ثانياً) الحقيقة الشرعية أو القانونية التي يحددها السبب المنشئ للنسب،

(ثالثاً) الآثار العملية والقانونية المترتبة على ثبوت ذلك النسب، من هوية ورعاية ونفقة وسائر الحقوق والالتزامات التي قد يرتبها القانون.

وتوظّف المقالة هذا الإطار في قراءة حالة سودانية مقارنةً بالنموذج المصري في قضية (فتاة الدقهلية – المنصورة)، التي صدر فيها حكم محكمة استئناف المنصورة رقم 9829 لسنة 75 قضائية بتاريخ 24 مايو 2026م، وبالنموذج الإماراتي الأكثر تحفظاً في الطعن رقم 20 لسنة 2026م أحوال شخصية أمام المحكمة الاتحادية العليا الأماراتية. ولا تستهدف هذه المقارنة نقل نموذج قانوني من دولة إلى أخرى بصورة آلية، وإنما الكشف عن كيفية تعامل كل نموذج مع العلاقة بين الواقعة الجنائية، والدليل العلمي، والسبب المنشئ للنسب، والمركز القانوني للطفل.

(أولاً) وقائع القضية محل المقالة:

——————————–

تتحصل وقائع القضية، بحسب معطيات هذه المقالة، في أن فتاة طالبة كانت في طريقها من المدرسة (ثانوية عليا) إلى منزلها، فتعرّضت لأخذها عنوة من فضاء الميدان على يد شاب من أبناء الحي، جار لمنزل الأسرة، إلى منزل أغراب في الحارة (X) بالثورات بأمدرمان، ومارس معها الجنس أكثر من مرة وفي أزمان مختلفة تحت التهديد والترهيب بالمساس بسمعتها. ونتج عن الواقعة حمل الفتاة ووضعت مولوداً ذكراً من ابن الجيران. والفتاة الضحية من أسرة فقيرة الحال.

وقد قُيّدت الواقعة ابتداءً ببلاغ اغتصاب برقم واستمارة لدى نيابة الثورات وقسم شرطة الحارة (X)، ثم حُوّلت أثناء التحري إلى بلاغ زنا برقم واستمارة جديدين، بحيث أصبحت الواقعة الواحدة، بحسب المعطيات المتاحة من ذاكرة محامي الفتاة الضحية، مقيدة باستمارتين ورقمين مختلفين وبتكييفين متعارضين.

وأحالت النيابة البلاغ إلى محكمة الجنايات بوصف الزنا، فتقدّم محامي الفتاة الضحية بطلب إلى المحكمة لإعادة الأوراق إلى النيابة لإعادة النظر في الوقائع والتهمة، فاستجابت المحكمة وأعادت الأوراق. وتقدّم المحامي كذلك أمام النيابة بطلب لأخذ عينات من الفتاة الضحية والمشتبه فيه ابن الجيران وإجراء فحص البصمة الوراثية (DNA) عبر الإدارة العامة للأدلة الجنائية؛ لإثبات الأب البيولوجي للطفل من جهة، ولإسناد إعادة النظر في تكييف الواقعة بوصفها اغتصاباً لا زنا من جهة أخرى.

(ثانياً) الإشكالية الإجرائية الأولى – ازدواجية الوصف القانوني لواقعة واحدة:

———————————

المقصود هنا هو تحويل الواقعة ذاتها بممارسة الجنس خارج إطار القانون والشرع من وصف الاغتصاب إلى وصف الزنا الرضائي، مع بقاء الوقائع المادية محل البلاغ دون تغيير (الأخذ عنوة وتهديد وترهيب الفتاة الضحية)، ومن ثم، ما يثيره ذلك من تساؤل حول الأساس القانوني والإجرائي لهذا التحويل.

(1) ازدواجية القيد الإجرائي:

——————————-

إن تسجيل الواقعة الواحدة باستمارتين ورقمي بلاغ مختلفين، أحدهما بوصف الاغتصاب والآخر بوصف الزنا، يثير من الناحية الإجرائية إشكالاً يتعلق بوحدة الواقعة الإجرائية، ويستدعي التحقق من الأساس القانوني والإجرائي الذي أوجب إنشاء قيد جديد بدلاً من تعديل الوصف القانوني داخل ملف الواقعة ذاتها.

ولا يكفي في هذا السياق مجرد اختلاف الوصف الجنائي لتبرير تعدد القيود، وإنما يتعين أن يكون لكل إجراء أساسه القانوني وأن يكون سبب التغيير مثبتاً في محاضر التحري بصورة تسمح بمراجعته لاحقاً. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يؤدي تغيير القيد إلى نقل الواقعة من جريمة يكون أحد أطرافها فيها مدعياً أو مجنياً عليه إلى جريمة يصبح فيها الطرف ذاته متهماً محلاً للمساءلة الجنائية.

(2) عدم تغير الوقائع المادية مقابل تغير التكييف:

———————————-

لم تطرأ، بحسب الوقائع المعروضة في الأوراق، تعديلات جوهرية على العناصر المادية للواقعة من حيث الأخذ عنوة من الفضاء العام، وتكرار الفعل في أزمنة مختلفة، ووجود التهديد بالمساس بالسمعة، وصغر سن الفتاة (قاصر)؛ وإنما تغير الوصف القانوني الذي أُسند إلى الواقعة.

ومن ثم، فإن معيار التحويل يظل محل تساؤل مشروع عن أساسه القانوني والواقعي، لأن الأصل أن يستمد التكييف الجنائي من الوقائع التي يكشف عنها التحقيق، لا أن يُفرض وصف مسبق ثم تُفسر الوقائع في ضوئه. فالتكييف القانوني نتيجة للتحقيق في الواقعة، وليس بديلاً عن التحقيق فيها.

(3) الفارق الجوهري بين الاغتصاب والزنا الرضائي:

——————————–

يقوم التمييز بين الاغتصاب والزنا الرضائي، في جوهره، على مسألة الرضا ومدى توافره قانوناً. فإذا ثبت أن العلاقة تمت بالإكراه أو التهديد أو في ظروف تنتفي فيها القدرة على التعبير عن إرادة حرة وواعية، فإن مجرد وقوع الاتصال الجنسي لا يكفي لافتراض الرضا.

وتتضمن الوقائع محل المقالة هذه مؤشرات على الإكراه المادي، يتمثل في الأخذ عنوة من الميدان العام، وإكراه معنوي يتمثل في التهديد بالمساس بالسمعة العامة للفتاة الضحية، فضلاً عن تكرار الفعل في ظروف تدعي فيها الشاكية (بوصفها شاك ومبلغ) استمرار حالة الترهيب، مع كونها طالبة قاصراً. وهذه العناصر تستوجب التحقيق فيها بوصفها وقائع يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في تحديد الوصف القانوني، ولا يجوز تجاوزها بمجرد إطلاق وصف (الزنا الرضائي) على الواقعة.

(4) البُعد الدستوري للتحويل من اغتصاب إلى زنا:

———————————

يبدو من ظاهر إجراءات تقييد وتدوين الوقائع، أن تكييف الزنا الرضائي قد استند إلى موجّهات صادرة عن جهات غير قضائية، أو التأثير على مجريات الإجراءات، أو إلى اعتبارات تتعلق بدواعي الأمن الاجتماعي أو ما يمكن وصفه (بالعقل السياسي) في إدارة بعض الجرائم الماسة بأمن المجتمع، دون سند قانوني يبرر العدول عن الوصف المستفاد من الوقائع الواردة في شكوى الفتاة الضحية، فإن ذلك يثير مسألة دستورية وقانونية تتعلق بحدود تأثير تلك الموجهات على عمل النيابة العامة.

فإدارة أمن الجريمة شيء، والوصف القانوني للواقعة شيء آخر. وقد تقتضي السياسة الجنائية للدولة، في بعض الجرائم الخطيرة، إجراءات خاصة في التسجيل أو الحماية أو إدارة المعلومات، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى إنشاء وصف جنائي غير مستمد من القانون، أو إلى منع جهة التحقيق من بحث الوقائع التي يمكن أن تكشف عن الوصف القانوني الصحيح.

ومن هنا – بحسب طلب محامى الفتاة المقدم للمحكمة بإعادة الأوراق للنيابة – تبرز ضرورة التحقق من مصدر أي توجيه أمني أو إداري، وطبيعته، ونطاقه، وما إذا كان توجيهاً تنظيمياً لإدارة المعلومات أم أمراً مؤثراً في التكييف الجنائي ذاته. فإذا كان الأخير، فإن مشروعيته وآثاره تصبحان مسألة قابلة للفحص أمام النيابة والمحكمة.

(ثالثاً) البُعد الدستوري لسلطة النيابة العامة في توجيه الاتهام:

———————————-

تثير هذه القضية، من زاوية أعمق، مسألة الطبيعة القانونية لسلطة النيابة العامة في توجيه الاتهام وتكييف الوقائع، وما إذا كانت هذه السلطة تمارس بوصفها سلطة قانونية مستقلة في أداء وظيفتها، أم يمكن أن تتأثر بموجهات إدارية أو أمنية أو سياسية خارجة عن مقتضيات التحقيق في الواقعة.

وفي ذلك فقد تناولت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذه المسألة في قضية Medvedyev and Others v. France لعام 2010م وقضيةMoulin v. France في العام ذاته 2010م، في سياق تفسيرها للمادة 5/(3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلق بمدى استقلال الجهة التي تتولى الرقابة على الحرمان من الحرية والحقوق عن السلطة التنفيذية.

ولا يعني ذلك أن القضاء الأوروبي قرر بصورة عامة عدم جواز اجتماع بعض وظائف التحقيق والاتهام في مؤسسة واحدة، وإنما تكمن الدلالة المقارنة في ضرورة توافر الاستقلال والحياد والرقابة القضائية الفعالة عندما تتصل ممارسة السلطة بالحقوق والحريات الأساسية.

ومن ثم، فإن القيمة المقارنة لهذه السوابق بالنسبة للحالة السودانية، لا تتمثل في نقل حكم أجنبي باعتباره قاعدة ملزمة، وإنما في الاسترشاد بالمبدأ الإجرائي الذي يقوم عليه: كلما أثرت سلطة خارجية في ممارسة وظيفة قانونية تمس حقوق الأفراد وحرياتهم، ازدادت أهمية قابلية القرار للمراجعة القضائية المستقلة، وضرورة أن يستند إلى القانون والوقائع لا إلى توجيه سابق يحدد النتيجة قبل اكتمال التحقيق.

وعليه، فإذا ثبت أن سلطة تكييف الاتهام قد مورست في ظل موجهات إدارية أو أمنية تفرض وصفاً معيناً للواقعة، أو تحت التاثير على مجريات التحري، فإن المسألة لا تنحصر في صحة التهمة ذاتها، وإنما تمتد إلى سلامة المسار الذي أنتجها، ومدى استقلال جهة الاتهام في فحص الوقائع وإعادة تكييفها وفقاً لما تكشف عنه الأدلة. ومن ثم، يمكن يمكن للمحامي إثارة هذه المسألة أمام النيابة والمحكمة كإشكال إجرائي وموضوعي مستقل عن مسألة الإثبات العلمي، ولكن بالطبع التحفظ الواجب من نقل نتيجة القضاء الأوروبي إلى البيئة الدستورية والإجرائية السودانية نقلاً آلياً، إنما الإسترشاد بها في سياق السرديات والطلبات القانونية.

(رابعاً) الإطار النظري – الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية للنسب:

———————————-

وفق مرامي طلب محامي الفتاة الضحية المقدم للمحكمة لإعادة الأوراق للنيابة، والطلب من النيابة أخذ العينات وإجراء الفحص الجيني للمولود، يقوم الفحص الجيني، متى استوفى شروطه العلمية من سلامة العينات وسلسلة الحيازة ودقة المنهج، بالإجابة بقوة عالية عن سؤال: من الأب البيولوجي؟ إلا أنه لا يجيب وحده عن سؤال: من الأب شرعاً وقانوناً؟ إذ يتوقف السؤال الأخير على السبب المنشئ للنسب وفق الفقه والتشريع والقضاء المختص. وبذلك تنتقل المسألة من ثنائية قبول الدليل العلمي أو رفضه إلى سؤال أكثر دقة، هو: كيف تنتقل الحقيقة البيولوجية إلى حقيقة قانونية، وبأي أساس، وبأي أثر؟

ويأخذ هذا الانتقال، في الإطار النظري لهذه المقالة، صورة متدرجة تبدأ من الواقعة، ثم إنتاج الدليل الجيني، ثم الحقيقة البيولوجية، ثم إثبات الأبوة البيولوجية، ثم بحث السبب الشرعي أو القانوني المنشئ للنسب، ثم تحديد المركز القانوني للطفل، وأخيراً ترتيب الآثار القانونية المترتبة على ذلك المركز.

وعلى هذا الأساس، فإن البصمة الوراثية لا تنشئ النسب بذاتها في كل نظام قانوني، كما أن عدم ترتيب أثر قانوني مباشر على النتيجة الجينية في حالة معينة لا يعني إنكار الحقيقة البيولوجية التي كشف عنها الفحص. فالحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية قد تتطابقان في بعض الحالات، وقد تفترقان في حالات أخرى بحسب القواعد التي تحكم إنشاء النسب وآثاره.

وتبرز في هذا الإطار حالة الطفل الناتج عن اغتصاب ثابت بوصفها حالة ذات خصوصية؛ إذ لا ينبغي أن تُترك الحقيقة البيولوجية بلا أثر لمجرد أن العلاقة التي نشأ عنها الحمل لم تقم على زواج، دون أن يعني ذلك في الوقت ذاته وضع قاعدة عامة تُلحق كل ولد بأبيه الجيني بمجرد ثبوت الأبوة البيولوجية. وإنما تظل المسألة مرتبطة بالأساس التشريعي والفقهي والقضائي الذي يحدد كيفية التوفيق بين حجية الحقيقة البيولوجية وأصول النسب ومصلحة الطفل الفضلى.

(خامساً) القراءة المقارنة في النماذج المصرية والإماراتية والسودانية:

———————————-

تكشف المقارنة بين النماذج الثلاثة عن اختلاف المرحلة التي يقف عندها كل نموذج، وعن اختلاف الطريقة التي انتقلت بها النتيجة البيولوجية إلى المجال القانوني.

ففي النموذج المصري، المتمثل في قضية (فتاة الدقهلية – المنصورة)، اجتمعت عناصر ثلاثة في مسار واحد. فقد قام الركن الأول على الجانب الجنائي، من خلال ثبوت واقعة الاغتصاب بحكم جنائي بات، ثم جاء الركن الثاني متمثلاً في الدليل العلمي الناتج عن الفحص الجيني الذي أثبت الأبوة البيولوجية بنسبة تطابق بلغت، بحسب المعطيات الواردة في الحكم القضائي، 99.9%. ثم برز الركن الثالث في الجانب الشرعي والقانوني، من خلال الرأي الصادر عن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في فبراير 2026م بشأن الاعتداد بالتحليل الجيني في الحالة التي تثبت فيها واقعة الاغتصاب وإدانة الجاني.

وتكشف هذه العناصر، في مجموعها، عن أن النتيجة الجينية لم تعمل في النموذج المصري بمعزل عن بقية الأدلة، وإنما جاءت داخل سياق جنائي وشرعي متكامل: ثبوت الجريمة أولاً، ثم إثبات الأبوة البيولوجية، ثم بحث أثرها الشرعي والقانوني. وبذلك تميزت الحقيقة البيولوجية عن مجرد واقعة الاتصال الجنسي، وأصبحت نتيجة الفحص جزءاً من منظومة أوسع لإنتاج الحقيقة القضائية.

أما النموذج الإماراتي، في ضوء الطعن رقم 20 لسنة 2026م أحوال شخصية أمام المحكمة الاتحادية العليا الأماراتية، فيكشف عن اتجاه أكثر تحفظاً في الانتقال من الأبوة البيولوجية إلى النسب القانوني أو الشرعي. فوفق القراءة المقارنة التي تقوم عليها هذه المقالة، لم تجعل المحكمة العليا البصمة الوراثية سبباً مستقلاً لإنشاء النسب، وإنما نظرت إليها في إطار الأدلة والقرائن المرتبطة بالقيافة، مع التمييز بين ثبوت الحقيقة البيولوجية وبين قيام السبب الشرعي المنشئ للنسب.

وتنبني أهمية النموذج الإماراتي، في هذا السياق، على إظهار أن ثبوت الأبوة البيولوجية لا يؤدي بالضرورة، في جميع النظم القانونية المستندة إلى أحكام الشريعة الإسلامية، إلى النتيجة القانونية ذاتها. فقد يمكن أن تترتب بعض الآثار المالية أو الرعائية على الأب البيولوجي في نطاق تشريعي معين، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير المركز الشرعي للنسب.

أما الحالة السودانية الراهنة، فهي تختلف عن النموذجين السابقين من حيث إنها لم تصل بعد إلى المرحلة التي تسمح بالحكم على الأثر النهائي للدليل الجيني. فلا يوجد، وفق المعطيات المتاحة، حكم جنائي بات يثبت واقعة الاغتصاب، كما أن الفحص الجيني لم يُستكمل بعد، ولا يزال طلب فحص الأم والطفل والرجل المشتبه في أبوته قيد الإجراء أمام إدارة الأدلة الجنائية، كما لم يُبحث بعد الأساس الشرعي أو القانوني الذي يمكن أن يترتب على ثبوت الأبوة البيولوجية.

ومن ثم، فإن الحالة السودانية تقع في المرحلة التأسيسية السابقة على اكتمال الأركان الثلاثة (ثبوت الجريمة أولاً، ثم ثانياً إثبات الأبوة البيولوجية، ثم (ثالثاً) بحث الأثر الشرعي والقانوني للابوة البيولوجية). فهي تحتاج أولاً إلى تثبيت المسار الجنائي للواقعة والتحقق من تكييفها، ثم إلى إنتاج الدليل العلمي والتحقق من سلامته، ثم إلى بحث الأثر الشرعي والقانوني الذي يمكن أن يترتب على النتيجة الجينية.

وعلى هذا الأساس، لا ينبغي أن يُنظر إلى طلب فحص الـ DNA باعتباره محاولة للقفز مباشرة إلى النسب، وإنما باعتباره خطوة في بناء الركن العلمي للحقيقة القضائية. فإذا أثبت الفحص الأبوة البيولوجية، فإن ذلك يفتح مرحلة جديدة من البحث القانوني حول الأثر الذي يمكن أن تمنحه القواعد التشريعية السودانية لهذه الحقيقة، ولا يحسم وحده جميع المسائل الجنائية أو الشرعية أو القانونية.

وهنا تظهر القيمة العملية للمقارنة: فالنموذج المصري يقدم مثالاً على تلاقي الركن الجنائي والعلمي والشرعي في حالة اغتصاب ثبتت قضائياً، بينما يوضح النموذج الإماراتي حدود الانتقال من الحقيقة البيولوجية إلى النسب القانوني في نظام يتمسك بدور السبب الشرعي المنشئ للنسب. أما الحالة السودانية فلا تزال في مرحلة بناء هذه الأركان، الأمر الذي يجعل سلامة الإجراءات الحالية ذات أهمية حاسمة بالنسبة إلى المراحل اللاحقة.

ونواصل، للحديث بقية.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

22 سبتمبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى