مقالات الرأي

حبكة إسرائيل في السودان .. بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

 

التاريخ : سبتمبر 30 2026

 

ليست الحروب دائماً بالدبابات بل ان أخطر الحروب كما اظهر سجل التاريخ هي التي تُشترى فيها الأرض قبل أن تُحتل والعاقل من اتعظ بغيره

 

رشحت طراطيش اخبار متداولة في المجالس السودانية، أن جهات كنسية ستدفع مبالغ طائلة جداً لشراء أكبر عدد ممكن من البيوت والأراضي ..

نحن هنا لا نثبت الخبر ولا ننفيه. لكن في علم الاستراتيجية، الخبر الكاذب أحياناً أهم من الخبر الصادق، لأنه يكشف عن طريقة تفكير.

والسؤال ليس:

– هل هذا يحدث؟

 

بل السؤال هو:

– هل يمكن أن يحدث؟

– وما هي سوابقه التاريخية؟

هل هناك اى إشارات لتغيير ديمغرافي استراتيجي فى السودان ؟

 

هنا تكمن الحبكة التي نتحدث عنها حيث نجد من خلال فذلكة تاريخية بسبطة ان إسرائيل :

– لم تحتل فلسطين أولاً ثم اشترتها،

– بل اشترتها أولاً ثم احتلتها.

منذ 1901 أنشأت الحركة الصهيونية “الصندوق القومي اليهودي – JNF”. لم يكن صندوقاً خيرياً، بل كان بنك أراضي. كان يشتري الأرض ولا يبيعها أبداً، ويؤجرها ليهود فقط كانت هذه البداية التى تلتها القوننه

حيث كان الشراء يتم بالقانون العثماني والبريطاني. عقد بيع صحيح، مالك يبيع برضاه بسبب حاجة أو إغراء مالي كبير. لا غبار قانوني عليه قانونيا لكن تحركه ulterior motive رغبات كامنه لاحداث تغيير ديمغرافى

فالأرض التي تُشترى، يُبنى عليها مستوطنة، المستوطنة تجلب مهاجرين، المهاجرون يطالبون بحماية، والحماية تتحول إلى دولة.

 

كانت المعادلة بسيطة: *المواطن مقابل الاستيطان *

– مواطن فلسطيني يبيع تحت ضغط الفقر،

– يقابله مستوطن قادم لديه تمويل دولي.

 

هل يمكن أن يتكرر هذا في السودان؟

السودان اليوم في حالة سيولة تامة:

– حرب، نزوح، حاجة ماسة للسيولة، انهيار للجنيه، وغياب للدولة المركزية التي تحمي سجل الأراضي.

وهي نفس البيئة التي تجعل فكرة “الشراء الاستراتيجي” قابلة للتنفيذ افتراضا مما يستوجب السؤال عن الآليات والأهداف من كهذا مخطط أو مشروع ..

إذا افترضنا جدلاً أن هذا المشروع موجود، فآلياته لا تخرج عن ثلاثة مستويات:

 

*1. الأديان والأعراق:* الهدف ليس نشر دين، بل صناعة جغرافيا محمية.

أن تشتري بيوتاً متجاورة في حي واحد، ثم قرية، ثم تصبح لديك جيب ديمغرافي متصل.

هذا الجيب لاحقاً يطلب كنيسة، ثم مدرسة، ثم إدارة ذاتية، ثم حماية دولية.

 

*2. المواطن مقابل الاستيطان:*

المواطن السوداني المنهك من الحرب يريد أن يبيع بيته بأعلى سعر ليخرج بأسرته. والمشتري لديه تمويل غير محدود هنا تلتقي :

– الأطماع الشخصية* للبائع المضطر،

– مع *الرؤى الكوسموبوليتانية* للمشتري الذي لا ينظر للأرض كبيت، بل كخريطة نفوذ.

 

وهنا يتصارع مفهومان:

– *الميتروبوليتانية* – أي سلطة المركز التقليدي “الخرطوم، النخبة التي كانت تملك الأرض رمزاً،

– و *الكوسموبوليتانية* – أي القوى العابرة للحدود التي تملك الأرض استثماراً استراتيجياً طويل المدى.

 

*3. تغيير العقيدة العقارية: إذا نجحت في تحويل الأرض من قيمة وطنية إلى سلعة تباع لمن يدفع أكثر، فقد كسبت المعركة.

 

هنا يبرز السؤال عن النتائج – بين الاضطرار الفوقي للنخب والضرر القاعدي على الشعوب :

– ما حكم هذا الفعل لو حدث؟

 

هنا نحتاج لنظارتين:

اولا : الفقهاء يفرقون بين البيع الصحيح والبيع الضار.

– البيع قد يكون صحيحاً فقهاً “إيجاب وقبول” لكنه محرم إذا كان يفضي إلى ضرر عام.

القاعدة تقول: “لا ضرر ولا ضرار”. وبيع الأرض الذي يؤدي إلى تغيير هوية مجتمع مسلم، أو إلى تمكين عدو محارب، يدخل في باب “سد الذرائع”.

– أي أن الدولة أو المجتمع مضطر لمنعه من فوق، حتى لو كان البائع الفرد مضطراً للبيع من تحت.

ولذلك أفتى علماء فلسطين قديماً بتحريم بيع الأرض لليهود، ليس لأن البيع باطل، بل لأن ضرره القاعدي أكبر من نفعه الفردي.

 

ثانيا : ماركس سيقوم بتسمية هذا الفعل باسم “التراكم البدائي عبر نزع الملكية”.

الرأسمال الأجنبي يستغل لحظة الأزمة – الحرب – ليشتري وسائل الإنتاج “الأرض” بأبخس ثمن من البروليتاريا المنهكة.

النتيجة هي خلق طبقتين جديدتين:

– ملاك جدد غرباء عن المجتمع،

– ومشردون جدد بلا أرض.

 

وهذا يخلق اغتراباً مزدوجاً:

– اغتراب ديني

– واغتراب طبقي،

وهو الوقود المثالي لأي حرب أهلية قادمة.

 

*الخلاصة:*

 

حنكة إسرائيل التاريخية لم تكن في قوة جيشها، بل في صبرها العقاري حيث كانت تشتري دون ضجيج لمدة 50 سنة قبل أن تطلق رصاصة واحدة.

 

والسودان اليوم، بأراضيه الشاسعة، وفراغه القانوني، وحاجة أهله، هو بيئة مثالية لمثل هذه الحبكة، سواء كان الفاعل إسرائيل أو أي قوة أخرى.

وختاما السؤال ليس من يشتري، بل هل نحن نعرف قيمة ما نبيع ام اننا أصبحنا كما يقول المثل الانجليزى

We know the price of everything and the value of nothing

زر الذهاب إلى الأعلى