تقارير

حين يبتلع الترند قضايا الناس

 

تحقيق: إيمان وراق

في كل صباح، تفتح هاتفك فتجد قصة جديدة تتقدم على كل شيء.

صورة، مقطع قصير، تصريح لشخصية معروفة، خلاف بين شخصين، أو تفاصيل من حياة أحد المشاهير. خلال ساعات تتسع دائرة الحديث، تتناقلها الصفحات، وتدخل التعليقات في سباق جديد، ثم يأتي موضوع آخر فيزيح الأول.

وفي مكان آخر من المدن والضواحي ، تجد طفل قد ترك مدرسته… أسرة تبحث عن علاج، …طريق يحتاج إلى إصلاح…. مواطن ينتظر خدمة أساسية.

لكن هذه القصص لا تظهر دائما في الشاشة بالقدر نفسه.

*وهنا يبدأ السؤال*:

هل أصبح ما يثير الانتباه أهم مما يستحق الانتباه؟

القصة التي تصل والقضية التي لا تصل

لم يعد الإعلام وحده هو الذي يقرر ما يراه الناس.

الصفحات والمنصات والجمهور أصبحت جميعها جزءا من عملية صناعة الاهتمام.

موضوع بسيط قد يبدأ بمنشور ثم تلتقطه صفحة، ويعيد الناس نشره، فيرتفع التفاعل، فتمنحه المنصة مساحة أكبر، ثم يجد طريقه إلى صفحات أخرى، وربما إلى وسائل الإعلام.

في المقابل، قضية اجتماعية تحتاج إلى تحقيق ومعلومات وشهادات ووقت قد لا تحصل على فرصة مماثلة.

ليس لأنها أقل أهمية…وإنما لأنها أقل قدرة على صناعة التفاعل السريع.

*وهنا تكمن المفارقة*

القضية قد تكون مهمة، لكن القصة قد تكون أكثر قابلية للانتشار.

……

الإنسان يبحث عن المعلومة، لكنه يبحث أيضا عن الترفيه والفضول والهروب المؤقت من ضغوط الحياة.

وفي مجتمع عاش سنوات من الحرب والقلق والنزوح وتغير تفاصيل الحياة اليومية قد يصبح المحتوى الخفيف مساحة لالتقاط الأنفاس.

لذلك لا يمكن التعامل مع اهتمام الناس بالترفيه باعتباره دليلا على أنهم لا يهتمون بقضاياهم.

وفي المقابل، فإن كل مشاهدة وكل مشاركة وكل تعليق تمنح المحتوى فرصة جديدة للانتشار.

الجمهور لا يستهلك الترند فقط.

الجمهور يشارك في صناعته.

الخوارزمية لا تعرف أهمية القضية

و لا تنظر إلى القضية بالطريقة التي ينظر بها الصحفي أو الباحث الاجتماعي.

هي تقيس التفاعل.

كم شخص شاهد؟

كم شخص توقف عند المحتوى؟

كم شخص علق؟

كم شخص شارك؟

وبناء على هذه الإشارات يمكن أن ينتشر المحتوى أكثر.

وهكذا قد تحصل قصة لا تحمل قيمة اجتماعية كبيرة على انتشار واسع، بينما تبقى قضية مهمة خارج دائرة الضوء لأنها لم تحقق المؤشرات نفسها.

وهذا لا يعني أن هناك جهة تجلس لتقرر إخفاء القضايا المهمة.

في كثير من الأحيان، المسألة أكثر تعقيدا وأقل تنظيما من ذلك.

إنها منظومة كاملة يعمل فيها المستخدم والمنصة والصفحة وصانع المحتوى والإعلام معا، أحيانا من دون أن يكون هناك اتفاق بينهم على النتيجة.

من يملك فرصة الوصول إلى الجمهور؟

هناك فرق بين أن تكون لديك قضية مهمة وأن تكون لديك القدرة على تقديمها بطريقة تصل إلى الناس.

القضية الاجتماعية الجادة تحتاج إلى صحفي يعرف كيف يبحث، ومصدر يستطيع أن يتحدث، ومعلومات يمكن التحقق منها، وصورة تحترم أصحابها، ومساحة للنشر.

أما المحتوى العابر فقد يحتاج إلى هاتف ومقطع قصير.

*هذه الفجوة في أدوات الإنتاج تجعل المنافسة غير متكافئة*

ولذلك قد يكون السؤال الأهم:

*هل نحتاج إلى جعل القضايا المهمة أكثر قابلية للانتشار، أم نحتاج إلى إعادة تعريف ما نعتبره جديرا بالاهتمام*؟

ربما نحتاج إلى الاثنين معا.

حين يلاحق الإعلام ما يتابعه الناس

الإعلام التقليدي نفسه لم يعد بعيدا عن الترند

المحرر يفتح المنصات، ويرى الموضوع الذي يتحدث عنه الناس، فيفكر في تناوله.

وهذا طبيعي.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الترند من مادة للمتابعة إلى معيار لتحديد الأهمية.

الإعلام ليس مطلوبا منه أن يعيش خارج اهتمامات الناس.

على العكس، عليه أن يعرف ما يشغلهم.

لكن وظيفته لا تتوقف عند سؤال:

ماذا يريد الناس أن يشاهدوا؟

هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

ماذا يحتاج الناس إلى أن يعرفوا؟

بين السؤالين مساحة واسعة يمكن أن يصنع فيها الإعلام فرقاً حقيقيا.

ماذا لو استخدمنا الترند كباب؟

ربما لا يكون الحل في مواجهة الترند، وإنما في التعامل معه بطريقة مختلفة.

القصة التي أثارت اهتمام الناس يمكن أن تكون مدخلا إلى قضية أكبر.

حديث عن شخصية عامة يمكن أن يقود إلى مناقشة ظاهرة اجتماعية.

مقطع عن سلوك معين يمكن أن يفتح نقاشا حول القانون والمسؤولية.

قصة طفل يمكن أن تقود إلى سؤال عن التعليم.

وقصة أسرة يمكن أن تكشف مشكلة تعيشها مئات الأسر.

بهذه الطريقة لا يصبح الإعلام مجرد ناقل لما هو رائج، بل يحول لحظة الاهتمام إلى فرصة للفهم.

أصوات لا تصل إلى الشاشة

في التحقيقات الاجتماعية، لا تكفي مراقبة الصفحات.

هناك سؤال يجب أن يعود إلى الشارع:

*ما الذي يشغل الناس فعلا*؟

قد تكون الإجابة مختلفة من شخص إلى آخر.

شاب يرى أن مواقع التواصل تمنحه مساحة للترفيه بعد يوم طويل.

أم تبحث عن معلومات تخص أبناءها.

طالب يريد معرفة فرص التعليم.

سائق يهتم بأسعار الوقود والطرق والمواصلات.

موظف يبحث عن خدمة إلكترونية توفر عليه ساعات من الانتظار.

كل واحد منهم يعيش قضية حقيقية.

لكن ليس كل ما يعيشه يتحول إلى ترند.

*وهنا يمكن أن يبدأ الجزء الميداني من التحقيق*:

ماذا يتابع الناس يوميا؟

ما الموضوعات التي يتذكرونها بعد أسبوع؟

ما القضايا التي يرون أنها لا تجد اهتماما كافيا؟

هل يشاركون في القضايا العامة عندما تظهر أمامهم؟

لماذا يشاركون بعض المحتويات ولا يشاركون أخرى؟

هل يثقون فيما تنشره الصفحات؟

وهل أصبح عدد المشاهدات بالنسبة لهم دليلا على أهمية الموضوع؟

عندما ينتهي الترند

الترند سريع.

القضية الاجتماعية بطيئة.

الترند ينتقل من موضوع إلى آخر.

أما المشكلة الحقيقية فقد تبقى في مكانها.

وهنا تظهر مسؤولية الجميع.

مسؤولية المنصة في طريقة تصميمها لما يراه المستخدم.

ومسؤولية الصفحات في اختيار ما تنشره.

ومسؤولية الإعلام في ألا يترك القضايا المهمة لمجرد أنها لا تحقق تفاعلا سريعا.

ومسؤولية الجمهور في أن يدرك أن المشاركة ليست فعلا محايدا دائما، فهي تمنح بعض القصص فرصة للانتشار أكثر من غيرها.

لكن قبل كل ذلك، هناك سؤال أوسع:

*ماذا يحدث لمجتمع يصبح انتباهه قصيرا إلى درجة لا تكفي معها القضية المهمة كي تشرح نفسها*؟

ربما لا تكون المشكلة أن الترند يسرق اهتمام الناس.

ربما المشكلة أن القضايا التي تستحق الاهتمام لم تتعلم بعد كيف تصل إلى هذا الاهتمام.

وفي المسافة بين الاثنين، توجد مسؤولية الإعلام، والمنصات، وصناع المحتوى، والجمهور.

لأن حياة الناس لا تتوقف عندما ينتهي الترند.

والقضايا التي لم تجد طريقها إلى الشاشة لا تختفي من الواقع.

فمن يقرر في النهاية ما الذي يستحق أن نتوقف عنده؟

وللحديث بقيه…..

زر الذهاب إلى الأعلى