كيفما د. غالب محمد طه .. يكتب .. من رسالة عبيدي إلى حكاية مجتمع

«أنا مجال المخدرات ده بالذات موضوع كبير ودمار للشباب وكل حاجة ممكن تقول موضوع بحث بعيداً عن السياسية».
توقفت عند هذه الكلمات لعبد الخالق الأمين حسن خيري، المعروف بـ«عبيدي». لا أعرف إن كانت من آخر ما كتبه قبل رحيله، لكنني وجدت فيها ما يستحق التأمل؛ فخلفها شاب يشغله خطر يهدد الشباب، ويفكر في البحث فيه، ويسعى إلى الاستعانة بمن يساعده على فهم أبعاده.
وصلتني حكايته عبر صديقي عبد العزيز أبشر، خلال جلسة جمعتنا ونحن نصطحب أبناءنا إلى الملعب. حدثني عن عبيدي، المنتمي إلى كرمة البلد بالولاية الشمالية، ثم أرسل إليّ بعض رسائله. لم ألتقِ عبيدي، ولا أعرف من تفاصيل حياته ما يكفي لكتابة سيرة عنه، لكن رسالته القصيرة فتحت أمامي بابًا للتأمل في وعيه بالقضية التي شغلته.
في إحدى الرسائل، طلب عبيدي من صديقه مصطفى، المقيم في أمريكا، مساعدته في بحث طويل عن المخدرات وأضرارها على الشباب. وأوضح أنه عايش هذه المشكلة في الخرطوم مع «الدعامة»، وكذلك في البلد. ورد مصطفى مبديًا استعداده للمساعدة: «إذا في حاجه بنقدر نعملو طوالي إن شاء الله».
ما يستحق التقدير في رسالة عبيدي أنه لم يكتفِ بالتعبير عن القلق من مشكلة يراها حوله، وإنما فكر في البحث فيها وطلب المساعدة لفهمها. وهذا جانب مهم في نظرتنا إلى الشباب؛ فهم ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى التوعية والتوجيه، وإنما يمكن أن يكونوا أصحاب مبادرات وأسئلة جادة، وأن يسهموا في فهم المشكلات التي تمس مجتمعاتهم والبحث عن حلول لها.
وبحسب ما رواه عبد العزيز أبشر، عاش عبيدي في الخرطوم خلال فترة سيطرة مليشيا الدعم السريع على أجزاء واسعة من المدينة. ولا أعرف تفاصيل ما عايشه هناك، لذلك لا أريد أن أحمّل رسالته أكثر مما تقول. ما نعرفه منها أنه كان منشغلًا بقضية المخدرات، ويرى أنها تستحق البحث والاهتمام.
وبعد رحيله، بادر أهله وأصدقاؤه، بحسب ما نقله إليّ عبد العزيز، إلى تأسيس «منظمة عبيدي لمكافحة المخدرات وتنمية قدرات الشباب» في كرمة البلد بمحلية البرقيق بالولاية الشمالية. وتهدف المنظمة إلى التوعية بمخاطر المخدرات، وتنمية قدرات الشباب، ومساندة المتعافين وأسرهم.
إن ربط اسم عبيدي بهذه القضية يمنح ذكراه امتدادًا عمليًا، لكن نجاح المبادرة سيظل مرتبطًا بما تنجزه على أرض الواقع، وبقدرتها على الوصول إلى الشباب والأسر. فمواجهة المخدرات تحتاج إلى الوقاية والعلاج والتأهيل، وإلى تعاون الأسرة والمدرسة والجهات المختصة ومؤسسات المجتمع.
ولعبد العزيز أبشر، الذي نقل إليّ هذه الحكاية، قصيدة عن نفير كرمة البلد يقول فيها:
في كرمةَ النيلُ صاحَ اليومَ من شَجَنِه
هبّوا لحفظِ صغارِ الحيِّ والوطنِ
في هذين البيتين نداء يتجاوز حكاية عبيدي والمنظمة التي حملت اسمه. فحماية الشباب مسؤولية مشتركة، تبدأ بفهم ما يواجهونه، والإصغاء إلى أسئلتهم، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في معالجة مشكلات مجتمعهم.
ونحن في السودان، بعد ما أصاب الناس والبيوت ومصادر العيش، أحوج ما نكون إلى مبادرات تعيد وصل المجتمع بأبنائه، وتفتح أمام الشباب أبوابًا للتعلم والعمل والمشاركة.
رحم الله عبد الخالق الأمين حسن خيري، «عبيدي»، ووفق أهله وأصدقاءه في المبادرة التي حملت اسمه. لا نعرف إلى أين كان سيصل بحثه لو امتد به العمر، لكن رسالته تذكّرنا بأهمية الإصغاء إلى الشباب، وأخذ أسئلتهم بجدية، ومساعدتهم على تحويل ما يشغلهم إلى معرفة وعمل نافع، وهم بيننا.


