فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب التكييف الدستوري والقانوني لإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة بقرارات من رئيس مجلس السيادة للعام 2025م

بين يديَّ عدد من قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لعام 2025م، الصادرة عن مجلس السيادة الانتقالي والممهورة بتوقيع رئيسه بتواريخها لسنة 2025م. وليس المقصود من تناول هذه القرارات إثارة مشاعر الرفض لها، وإنما التنبيه إلى أهمية إحكام صياغة القرارات الإدارية التي تمس مصير الأفراد في حقوق حيوية، في مقدمتها الحق في العمل وشغل الوظيفة العامة وتقلدها.
ومن هذا المنطلق، نتناول أوجه القصور والعيوب التي تشوب قرارات إحالة ضباط الشرطة إلى المعاش الصادرة عام 2025م، مع التركيز على الاختصاص الدستوري والقانوني، ونفاذ التعديل الدستوري لسنة 2025م وأثره في تحديد صاحب الولاية، وتمييز حالات الانعدام والبطلان المطلق والنسبي المترتبة على عيب الاختصاص، وحدود تطبيق قانون الشرطة في إنهاء خدمة الضباط، فضلًا عن مدى سلامة الإجراءات والأسباب والتسبيب الذي استندت إليه القرارات محل هذه المقالة.
وينطلق هذا التحليل من التساؤل الجوهري: هل يترتب على عيب عدم الاختصاص في القرار الإداري البطلان النسبي الموجب للإلغاء، أم قد يبلغ العيب من الجسامة حداً ينحدر معه القرار إلى مرتبة الانعدام، بما يترتب عليه من آثار قانونية تختلف عن آثار القرار القابل للإلغاء؟ ويتصل بذلك بحث مدى تأثر الطعن بالبطلان بفوات الميعاد المقرر قانوناً، وما إذا كان فوات هذا الميعاد يحول دون الطعن في القرار المشوب بعيب عدم الاختصاص، أم أن بلوغ العيب درجة الجسامة التي تنحدر بالقرار إلى مرتبة الانعدام يترتب عليه أثر مغاير. ويقتضي ذلك الوقوف على موقف قانون القضاء الإداري السوداني واجتهادات أحكام القضاء الإداري بالسوابق القضائية من التمييز بين القرار القابل للإلغاء والقرار المنعدم، ومدى تأثير هذا التمييز في مواعيد الطعن والآثار القانونية المترتبة على فواتها.
(أولاً) الاختصاص الدستوري أصل المشروعية:
———————————
جاءت ديباجة القرارات الإدارية محل هذه المقالة بصياغة عامة، إذ ورد فيها: (مجلس السيادة: بعد الاطلاع على الوثيقة الدستورية لسنة 2019م تعديل سنة 2025م، وعلى توصية وزير الداخلية، وعملاً بأحكام المادتين 30/(4)، 32/(ي)، مقروءة مع المادة 16/(1) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، والمادة 18/(1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م، أصدر القرار الآتي نصه). إلا أن مجرد إيراد هذه النصوص في ديباجة القرار لا يكفي، بذاته، لإثبات اختصاص مصدره بإنهاء خدمة ضباط الشرطة، ولا يغني عن التحقق من مضمون كل نص، ودلالته القانونية، ومدى انطباقه على موضوع القرار في تاريخ صدوره ونشره بوسائل النشر المعمول بها والمعتمدة في اجهزة الدولة.
فالعبرة في مشروعية القرار الإداري ليست بمجرد الاستناد الشكلي إلى نصوص دستورية أو قانونية، وإنما بثبوت أن هذه النصوص، بصيغتها النافذة وقت إصدار القرار، تمنح الجهة التي أصدرته اختصاصاً محدداً باتخاذه. وتتأكد أهمية هذا المعيار عند استحضار حكم المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، قبل إلغائها أو تعديلها، والتي نصت على أن: (باستثناء السلطات والصلاحيات الممنوحة لمجلس السيادة بموجب هذه الوثيقة، تؤول كل سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية ذات الطبيعة التنفيذية الواردة في أي قانون سارٍ لرئيس مجلس الوزراء). ويقتضي الاستناد إلى هذا الحكم الدستوري تحديد أثره في توزيع الاختصاصات التنفيذية، والتحقق مما إذا كانت سلطة إنهاء خدمة ضباط الشرطة قد آلت بموجبه إلى رئيس مجلس الوزراء، وما إذا كان التعديل الدستوري اللاحق قد غيّر هذا الوضع لرئيس مجلس السيادة، وبأي نص صريح أو دلالة قانونية معتبرة. فالعبرة في هذا الشأن ليست بمجرد ورود الإحالة إلى الوثيقة الدستورية في ديباجة القرار، وإنما بتحديد الحكم الدستوري النافذ الذي يمنح مصدر القرار سلطة إصداره.
كذلك، فإن الاستناد إلى توصية وزير الداخلية لا يثبت، بمجرده، اختصاص مجلس السيادة بإصدار قرار إنهاء الخدمة؛ إذ يتعين التمييز بين سلطة اقتراح القرار أو التوصية به، وسلطة إصداره قانوناً. ولا يترتب على التوصية انتقال الاختصاص من جهة إلى أخرى إلا إذا قرر القانون ذلك صراحةً أو دل عليه وفق قواعد التفسير القانونية السليمة. ومن ثم، يجب فحص النصوص الواردة في الديباجة كلٌّ على حدة، وتحديد ما إذا كانت تنشئ اختصاصاً موضوعياً بإنهاء خدمة ضباط الشرطة، أم أنها تنظم مسائل أخرى أو تقرر أحكاماً إجرائية لا تكفي وحدها سنداً لمباشرة هذه السلطة.
وعليه، فإن جوهر المنازعة لا يتعلق بمجرد استيفاء ديباجة القرارات لمتطلباتها الشكلية، وإنما بمدى كفاية السند الدستوري والقانوني لإثبات اختصاص الجهة التي أصدرتها بإنهاء خدمة الضباط في التاريخ المحدد لصدورها. فالاختصاص لا يُفترض، ولا يُستمد من مجرد الصفة الوظيفية، ولا ينشأ بمجرد جمع نصوص متفرقة في ديباجة القرار، بل يجب أن يستند إلى حكم دستوري أو نص قانوني نافذ، واضح الدلالة، يخول مصدر القرار ممارسة هذه السلطة في حدودها المقررة قانوناً؛ وإلا قام التساؤل الجوهري حول مشروعية القرار من زاوية الاختصاص، بوصفه أحد الأركان الأساسية التي يتوقف عليها قيام القرار الإداري صحيحاً.
(ثانياً) الاختصاص ولاية قانونية لا امتياز شخصي:
——————————–
يقوم القانون العام على أن الاختصاص ليس امتيازًا شخصيًا ملازمًا للمنصب، ولا سلطة مفترضة تُستمد من المكانة السياسية أو الإدارية لشاغله، وإنما هو ولاية قانونية يقررها الدستور أو القانون، ويحدد نطاقها الموضوعي والشخصي وشروط ممارستها. ومن ثم، فإن شغل منصب دستوري رفيع لا يكفي، بذاته، لإثبات سلطة شاغله في إنهاء خدمة ضباط الشرطة الخاضعين لنظام وظيفي خاص؛ إذ يجب التمييز بين تولي المنصب الدستوري وبين امتلاك اختصاص محدد يجيز مباشرة تصرف قانوني بعينه. فالعبرة ليست بصفة مصدر القرار، وإنما بالسند الدستوري أو القانوني الذي يخوله إصداره.
وتتأكد أهمية هذا المبدأ في منازعات القضاء الإداري؛ لأن الدستور يُعد أحد المصادر الأساسية التي يستند إليها قانون القضاء الإداري في الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية، وفي مقدمتها التحقق من اختصاص الجهة التي أصدرتها. فالاختصاص ليس مجرد مسألة شكلية يمكن تجاوزها بدعوى ملاءمة القرار أو مقتضيات الإدارة، وإنما هو عنصر جوهري من عناصر مشروعيته، إلى جانب الشكل والإجراءات والسبب والمحل والغاية. كما أن قواعد الاختصاص لا تقتصر غايتها على حماية المراكز القانونية للأفراد، بل تمتد إلى صيانة مبدأ الفصل بين السلطات، ومنع تجاوز جهة عامة للاختصاص المقرر لجهة أخرى، وضمان ممارسة كل سلطة لوظيفتها في الحدود التي رسمها الدستور والقانون.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التمييز بين التعديل الدستوري الذي يعيد توزيع الاختصاصات التنفيذية، والتعديل التشريعي الذي ينقل اختصاصًا مقررًا في قانون نافذ من جهة إلى أخرى. فالمادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، قبل إلغائها أو تعديلها، كانت تقرر انتقال سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية ذات الطبيعة التنفيذية الواردة في القوانين السارية إلى رئيس مجلس الوزراء، باستثناء ما خصصته الوثيقة لمجلس السيادة. ويقتضي ذلك التحقق من أثر التعديلات الدستورية اللاحقة في توزيع هذه الاختصاصات، دون افتراض أن مجرد تولي رئيس مجلس السيادة منصبًا دستوريًا يترتب عليه انتقال جميع الاختصاصات التنفيذية التي كانت مقررة لرئيس الجمهورية بموجب القوانين السابقة.
وتتجلى المسألة بصورة أكثر تحديدًا في قانون شرطة السودان لسنة 2008م، المعدل لسنة 2017م، إذ يتعين فحص أحكامه المتعلقة بإنهاء خدمة ضباط الشرطة، وتحديد الجهة التي أسند إليها القانون هذه السلطة، وما إذا كان القانون قد عُدّل صراحةً لنقل الاختصاص من رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس السيادة، أو صدر نص دستوري أو تشريعي نافذ يرتب هذا الأثر على نحو واضح. فإذا ظل قانون الشرطة، في حدود النصوص ذات الصلة، مسندًا الاختصاص إلى رئيس الجمهورية، ولم يثبت تعديل تشريعي ينقله إلى رئيس مجلس السيادة، فإن مجرد الإشارة إلى الوثيقة الدستورية المعدلة أو إلى توصية وزير الداخلية لا تكفي وحدها لإثبات هذا الانتقال؛ بل يتعين بيان السند القانوني الذي يجيز ممارسة الاختصاص من الجهة الجديدة، مع مراعاة أثر التعديلات الدستورية النافذة في تاريخ صدور القرارات المطعون فيها.
وعليه، فإن الفحص القانوني السليم يبدأ بتحديد مصدر الاختصاص، ثم تعيين النص المنشئ له والتحقق من صحته ونفاذه وقت إصدار القرار، وتحديد نطاقه وشروط ممارسته، وأخيرًا التثبت من أن القرار صدر عن الجهة التي تملك قانونًا إصداره. ولا يجوز افتراض انتقال الاختصاص من رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس السيادة لمجرد تغير البنية الدستورية أو تولي الأخير منصبًا أعلى، ما لم يقم دليل دستوري أو تشريعي معتبر على هذا الانتقال. فإذا لم يثبت وجود هذا السند، تعيّن بحث مدى مشروعية القرار من زاوية عيب عدم الاختصاص، باعتباره عيبًا يمس السلطة القانونية التي صدر القرار استنادًا إليها، لا مجرد إجراء شكلي في إصداره.
(ثالثاً) الدستور نقطة الانطلاق في تحديد صاحب الولاية:
———————————
تتمحور المنازعة والمحاججة بشأن القرارات الصادرة في عام 2025م بإحالة ضباط الشرطة إلى المعاش حول تحديد مصدر الاختصاص في ضوء الوثيقة الدستورية لسنة 2019م وتعديلاتها، والتحقق مما إذا كان التعديل الدستوري لسنة 2025م قد ألغى أو عدّل الاختصاص الذي قررته المادة (74) من الوثيقة بصيغتها السابقة، وما إذا كان النص الدستوري البديل قد أسند إلى مصدر القرارات المطعون فيها اختصاصًا محددًا بإنهاء خدمة ضباط الشرطة. وتنبع أهمية هذه المسألة من أن الاختصاص الإداري لا يُفترض، وإنما يجب أن يستند إلى سند دستوري أو قانوني صحيح ونافذ وقت صدور القرار. كما لا يجوز تفسير القوانين واللوائح الأدنى مرتبة أو تطبيقها على نحو يتعارض مع توزيع الاختصاصات الذي يقرره الدستور أو يتجاوز حدوده؛ الأمر الذي يستلزم تحديد الأثر القانوني للتعديل الدستوري على الاختصاص المقرر بموجب المادة (74)، والتحقق من وجود نص نافذ يجيز انتقال سلطة إنهاء خدمة ضباط الشرطة إلى الجهة التي أصدرت القرارات لسنة 2025م.
وبالرجوع إلى ديباجة القرارات يلاحظ أنها أحالت إجمالًا إلى الوثيقة الدستورية لسنة 2019م وتعديلها لسنة 2025م، دون تحديد الحكم الدستوري الذي يُستند إليه في إثبات اختصاص مجلس السيادة بإنهاء خدمة ضباط الشرطة، أو بيان وجه انطباقه على هذه الحالة. ولا يعني ذلك أن عدم ذكر رقم المادة في الديباجة يؤدي، بذاته، إلى بطلان القرار؛ وإنما تتمثل المسألة الجوهرية في مدى وجود نص دستوري أو قانوني نافذ يمنح مصدر القرار الاختصاص موضوع المنازعة. فالإحالة العامة إلى الوثيقة الدستورية لا تعفي الجهة مصدرة القرار من إثبات سنده القانوني، ولا تحسم النزاع حول صاحب الولاية في إنهاء الخدمة. ومن ثم، يتعين تحديد النص المنشئ للاختصاص، وبيان مضمونه وأثره في ضوء التعديلات الدستورية النافذة بتاريخ صدور القرارات.
وفي هذا السياق، تقتضي الإشارة إلى المواد (10) ، (11) ، (12) من الوثيقة الدستورية المعدلة لسنة 2025م، والمتعلقة بمجلس السيادة ورئيسه، ومن ثم، التمييز بين الاختصاصات الدستورية المتعلقة بتكوين أجهزة الحكم الانتقالي وتعيين شاغلي المناصب الدستورية العليا أو إعفائهم، وبين الاختصاصات الوظيفية التي تنظم تعيين ضباط الشرطة وترقيتهم وإحالتهم إلى المعاش وإنهاء خدمتهم. فلكل من هذين المجالين طبيعته القانونية ونطاقه الخاص؛ ولا يجوز افتراض امتداد سلطة مقررة في المجال الدستوري إلى مجال الخدمة الشرطية لمجرد علو المنصب الذي يمارسه صاحبه (رئيس مجلس السيادة). بل يتعين تفسير النصوص المحددة للاختصاص في ضوء ألفاظها وسياقها وموقعها في البناء الدستوري، مع مراعاة أحكام قانون شرطة السودان لسنة 2008م وتعديلاته، بوصفه القانون المنظم للمركز الوظيفي لضباط الشرطة.
وعليه، فإن مجرد النص على اختصاصات لمجلس السيادة أو لرئيسه في المواد الدستورية المشار إليها لا يكفي، دون التحقق من مضمونها، لإثبات سلطة إنهاء خدمة ضباط الشرطة. كما أن ثبوت سلطة التعيين أو الإعفاء في منصب دستوري معين لا يستلزم بالضرورة ثبوت سلطة إنهاء خدمة شاغلي الوظائف العامة الخاضعين لقوانين وظيفية خاصة. فالعبرة ليست بمجرد وجود اختصاص دستوري عام، وإنما بثبوت امتداده، بنص صريح أو بدلالة قانونية معتبرة، إلى إصدار القرارات بإحالة ضباط الشرطة للتقاعد بالمعاش. ومن هنا، فإن تحديد صاحب الولاية في إنهاء خدمة ضباط الشرطة يظل رهينًا بقراءة متكاملة للوثيقة الدستورية بصيغتها النافذة، والتعديلات التي طرأت عليها، وأحكام قانون الشرطة ذات الصلة، وصولًا إلى التحقق من توافر الاختصاص لدى مصدر القرار في تاريخ إصداره.
(رابعاً) قواعد التفسير لا تنشئ اختصاصًا من العدم:
——————————-
إن مجرد الإشارة في ديباجة القرارات الإدارية الصادرة في عام 2025م إلى المادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، ضمن جملة النصوص التي استندت إليها القرارات 2025م، لا يكفي بذاته لإثبات اختصاص مصدرها بإنهاء خدمة ضباط الشرطة، ولا يُنشئ له ولاية لم يقررها الدستور أو القانون. فقواعد التفسير، بطبيعتها ووظيفتها، تُستعمل لتحديد مدلول النصوص القانونية وبيان نطاق سريانها وآثارها، ولا تصلح بذاتها مصدرًا مستقلًا لإنشاء اختصاص إداري أو نقل ولاية قانونية من جهة إلى أخرى. ومن ثم، فإن الاستناد إلى المادة (16) يقتضي أولًا تحديد النص الموضوعي الذي يُراد تفسيره، والتحقق من نفاذه وقت صدور القرارات، وبيان الكيفية التي يؤدي بها تطبيق قاعدة التفسير إلى ثبوت الاختصاص لمصدرها، دون افتراض هذا الاختصاص ابتداءً.
وإذا كان صائغ القرارات لسنة 2025م يتمسك، أو يعتقد، بأن عبارة (رئيس الجمهورية) الواردة في قانون الشرطة أو غيره من القوانين السارية يجوز تفسيرها على أنها تشمل رئيس مجلس السيادة، فإن هذا الاعتقاد، بذاته، لا يُنشئ اختصاصًا ولا يُثبت انتقاله من جهة إلى أخرى؛ إذ لا تتحدد الولاية القانونية باجتهاد صائغ القرار أو بتفسيره الشخصي للنص، وإنما بمدلول النصوص الدستورية والقانونية النافذة، في ضوء قواعد التفسير ومبدأ تدرج القواعد القانونية. ومن ثم، يتعين بيان السند الذي يجيز حمل عبارة (رئيس الجمهورية) على رئيس مجلس السيادة، ومدى اتساق هذا التفسير مع التعديلات الدستورية لسنة 2025م وأحكام قانون الشرطة المنظمة لإنهاء الخدمة. فالمادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، مهما كان نطاق تطبيقها، لا تُغني عن إثبات هذا السند (الاختصاص)، ولا يجوز اتخاذها أساسًا لإنشاء اختصاص لم يقرره نص نافذ أو لنقل سلطة إنهاء خدمة ضباط الشرطة إلى جهة لم يمنحها القانون هذه الولاية.
ويترتب على ذلك أن المادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لا يجوز اتخاذها بديلًا عن النص المنشئ للاختصاص، ولا سندًا مستقلًا لتجاوز أحكام قانون الشرطة أو إعادة توزيع الاختصاصات التي قررها الدستور والقانون. فوجود قاعدة تفسيرية لا يعفي من تحديد النص المراد تفسيره، ولا يثبت أن المشرع قصد نقل سلطة إنهاء خدمة ضباط الشرطة إلى رئيس مجلس السيادة. ولذلك، فإن سلامة القرارات الصادرة في عام 2025م تظل رهينة بثبوت اختصاص مصدرها بموجب نص دستوري أو قانوني نافذ، لا بمجرد إدراج المادة (16) ضمن الحيثيات أو التوسع في تفسيرها بما يؤدي إلى نتيجة لا يسندها النص المنشئ لولاية إصدار القرارات لسنة 2025م.
(خامساً) الأثر القانوني لعدم ثبوت الاختصاص:
——————————
إذا ثبت أن مصدر القرار لم يكن يملك الاختصاص أصلًا، أو أنه استند إلى نص لم يكن نافذًا وقت إصداره، فإن القرار يكون مشوبًا بعيب جوهري يقتضي إزالته قضائيًا متى توافرت شروط الطعن في دعوى طعن إداري. أما إذا بلغ العيب جسامة اغتصاب السلطة أو الخروج الصارخ على قواعد الاختصاص، فقد يثور وصف الانعدام في الفقه الإداري. ولا ينبغي إطلاق هذا الوصف على كل مخالفة اختصاص؛ بل يتوقف على طبيعة القاعدة المخالفة ودرجة جسامة التجاوز والاجتهاد القضائي المطبق.
لذلك فالحجة الأقوى ليست الاكتفاء بوصف القرار بأنه معدوم، بل مطالبة الجهة الإدارية بتحديد المصدر الدستوري والقانوني للاختصاص وتقديم النص الرسمي النافذ وبيان انطباقه على ضباط الشرطة. فإذا عجزت عن ذلك، أو ثبت أن النص لا يمنح هذه السلطة، كان القرار فاقدًا لركن أساسي من أركان المشروعية.
(سادساً) الطلب الذي يترتب على هذا التأصيل:
——————————-
يقتضي هذا التأصيل التحقق من أصل التعديل الدستوري لسنة 2025م، وتحديد تاريخ إجازته وتوقيعه ونشره وبدء نفاذه، ولا سيما في ضوء اختلاف تاريخين هما محل الاعتبار 15 فبراير 2025م، بوصفه تاريخ لتعديل دستوري منشور، وتاريخ 19 فبراير 2025م، بوصفه تاريخ لوثيقة دستورية موقعة لسنة 2025م . ويستوجب ذلك الوقوف على حقيقة العلاقة القانونية بين الوثيقتين، والتحقق مما إذا كان الاختلاف بين التاريخين يعكس مراحل متعاقبة لإجراء دستوري واحد، أم يثير مسألة تتصل باستكمال إجراءات إصداره أو نشره أو نفاذه، مع تحديد الأثر القانوني المترتب على ذلك في ضوء القواعد الدستورية والقانونية المنظمة لهذه الإجراءات. كما يتعين تحديد النص الذي ألغى المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م أو عدّل حكمها، وبيان ما إذا كان التعديل قد أورد نصًا بديلًا يمنح رئيس مجلس السيادة اختصاصًا مباشرًا بإحالة ضباط الشرطة إلى المعاش، أم أن هذه السلطة ظلت خاضعة لأحكام قانون شرطة السودان لسنة 2008م وتعديلاته.
ويقتضي استكمال هذا الفحص كذلك تحديد الجهة التي خولها القانون إصدار قرار إنهاء الخدمة، وما إذا كانت ممارسة هذا الاختصاص مقررة مباشرة لرئيس مجلس السيادة، أم أنها تستلزم توصية وزير الداخلية أو إجراءات سابقة تصدر عن مدير عام قوات الشرطة أو غيره من الجهات التي حددها القانون. فمجرد ورود توصية وزير الداخلية في ديباجة القرار لا يحسم مسألة الاختصاص، ما لم يتضح أثرها القانوني وحدودها، ومدى استيفاء الإجراءات والشروط التي يتطلبها النص المنظم لإنهاء الخدمة.
وعليه، فإن طلب تقديم أصل الوثيقة الدستورية المعدلة، وما يثبت تاريخ إجازتها وتوقيعها ونشرها ونفاذها، ليس إجراءً شكليًا مجردًا، وإنما وسيلة للتحقق من القانون الدستوري الواجب التطبيق على القرارات المطعون فيها وقت صدورها، وتحديد صاحب الولاية القانونية في إصدارها. فاختلاف تاريخ النشر عن تاريخ التوقيع لا يؤدي، بذاته، إلى تقرير البطلان أو نفي النفاذ، وإنما يستلزم التحقق من الإجراءات الدستورية والقانونية المتبعة والأثر القانوني لكل تاريخ، ومدى توافر السند الدستوري الذي استندت إليه القرارات في تاريخ إصدارها.
إن الرقابة على الاختصاص لا تمثل منازعة في مكانة المنصب الدستوري، ولا تدخلاً قضائيًا في الملاءمة الإدارية، وإنما هي تطبيق لمبدأ سيادة القانون وخضوع الإدارة لأحكام الدستور والتشريع. فالسلطة العامة لا تمارس إلا الاختصاص الذي يمنحه لها القانون، وفي الحدود والإجراءات التي يقررها؛ ولا يكفي صدور القرار عن جهة عليا لإعفائه من الرقابة القضائية أو تصحيح عيب عدم الاختصاص، إن ثبت قيامه. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
10 اكتوبر 2026م


