مقالات الرأي

فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب التكييف الدستوري والقانوني لإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة بقرارات من رئيس مجلس السيادة للعام 2025م (3)

 

القرارات الإدارية الصادرة عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي للعام 2025م، والقاضية بإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة وإحالتهم إلى المعاش، تثير إشكاليةً محوريةً تتجاوز حدود النزاع الفردي أو الرفض الشكلي للإجراءات، لتلامس صلب المنظومة الدستورية والقانونية للدولة. فسلامة التصرفات الإدارية الصادرة عن السلطات العليا ليست مجرد خيار تنظيمي أو ترف شكلي، بل هي الركيزة الأساسية لضمان احترام حقوق الأفراد المكفولة دستورياً – وعلى رأسها الحق في العمل وتقلد الوظيفة العامة – وحماية المراكز القانونية المكتسبة من عيوب البطلان أو الانعدام.

ويتصل بهذا الجانب أن الاختصاص في الفقهين الدستوري والقانوني ليس ملاءمةً سياسيةً أو امتيازاً شخصياً يستمد قوته من علو المنصب التنفيذي أو السيادي، بل هو ولايةٌ قانونيةٌ مقيدةٌ محدودةُ النص والحدود، بما يضمن صيانة مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة حكم القانون. ومن هذا المنطلق، تتجلى خطورة عيب عدم الاختصاص في القرار الإداري؛ إذ إنه لا يقف عند حدود البطلان النسبي الموجب للإلغاء فحسب، بل يتجاوزه في حالاته الجسيمة لينحدر بالقرار إلى مرتبة الانعدام، وما يرتبه ذلك من آثارٍ جوهريةٍ، أبرزها عدم التقيُّد بمواعيد الطعن الإداري وسقوطها، مع استمرار بطلان القرار بطلاناً مطلقاً لا تصححه الإحالات الشكلية.

وبناءً عليه، فإن حشد المراجع الدستورية والإحالات، أو المقاربة بقواعد التفسير العامة كالمادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م والمادة (18 /1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م، أو الاستناد إلى التوصيات الوزارية الصادرة عن وزارة الداخلية استناداً إلى أحكام المادتين (30 /4)، (32/ي) من قانون شرطة السودان لسنة 2008م (المعدل 2017م)؛ كل ذلك لا يكفي لإيجاد اختصاصٍ موضوعيٍّ لم يقرره التشريع أصلاً، كون قواعد التفسير أداةً لإيضاح النص القائم وليست مصدراً لإنشاء الولاية أو نقلها بين السلطات.

وطبقاً للمادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، فإن الاختصاصات والسلطات التنفيذية التي كانت تقررها القوانين السارية لرئيس الجمهورية قد آلت بمجملها إلى رئيس مجلس الوزراء، في حين يحصر قانون شرطة السودان لسنة 2008م (المعدل 2017م) سلطة إنهاء الخدمة في رئيس الجمهورية. ومن ثمّ، فإن القول بانتقال هذه الصلاحية إلى رئيس مجلس السيادة يتطلب سنداً دستورياً وتعديلاً تشريعياً نافذاً وسليم الإجراءات شكلاً وموضوعاً، ولا يجوز افتراضه بالاستنتاج الضمني أو التفسير المبتسر للقانون.

ويمتد هذا الطرح ليفجر سؤالاً سياسياً ودستورياً أعمق يتعلق بمدى كفاءة وقدرات المشرّع والصائغ الدستوري في السودان، متوجهاً بالمساءلة المؤسسية إلى وزارة العدل ومستشاريها القانونيين باعتبارهم (عقل الدولة) المنوط به ضمان اتساق التشريعات والقرارات مع الأحكام الدستورية العليا. واستناداً للمادتين (4)، (5) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، فإن نطاق المنظومة القانونية يمتد من الدستور إلى التشريعات الفرعية والقرارات التنظيمية، وأي تعارض بين القرارات الإدارية والتفويض التشريعي الممنوح لها يعصف باستقرار المراكز القانونية. وتأكيداً لهذا التدرج، تنص المادة (4) من قانون الطبعة المراجعة للقوانين السودانية لسنة 1974م على أنه لا يجوز اتخاذ سلطات مراجعة النص أو تنقيحه ستاراً لإحداث تعديل موضوعي في القوانين دون موافقة السلطة التشريعية المختصة. فالصياغة التشريعية والدستورية المُحكمة ليست ترفاً، بل هي ركن متين من أركان الحكم الرشيد، حيث إن الغموض التشريعي واضطراب الاختصاص يفتحان الباب أمام التفسيرات المزدوجة، ويؤديان إلى اهتزاز ثقة الأفراد والمؤسسات في سيادة القانون.

وبناءً على ذلك، تتمحور مشروعية قرارات 2025م حول قاعدة دستورية وقانونية صارمة تقضي بأنه لا اختصاص يمارس استناداً إلى قاعدة لم يثبت قيامها ونفاذها وقت صدور القرار. فالإشارة الإجمالية إلى (الوثيقة الدستورية لسنة 2019م تعديل سنة 2025م) لا تحسم مسألة الاختصاص بحال، ولا سيما عند قيام تعارض بين التواريخ المعلنة لتلك التعديلات وتواريخ توقيعها ونشرها، بالنسبة لما يُعتقد أنه تشريعٌ مُعدِّل للوثيقة الدستورية لسنة 2019م. واستناداً للمادة (9) من قانون التفسير، لا يُعد النص الدستوري أو التعديل نافذاً ومحتجاً به إلا بالتزام المقتضيات الإجرائية والنشر الرسمي في الجريدة الرسمية (الغاذيتة)، إذ إن تاريخ التوقيع لا يعني بالضرورة بدء سريان النفاذ ولا يعني النشر للتشريع الصادر من السلطة المختصة. ولما كان معيار المشروعية المعتمد هو النص النافذ لحظة إصدار القرار، فإنه إن ثبت أن التعديل الدستوري لعام 2025م لم يستوف أسباب نفاذه ونشره قبل صدور قرارات إنهاء الخدمة، أو لم يتضمن نصاً صريحاً ينقل اختصاص إنهاء الخدمة (الوظيفة العامة) إلى رئيس مجلس السيادة، فإن القرار يظل مفتقراً للركن الدستوري والقانوني الموجب لصحتها.

وتأسيساً على ما تقدم، فإن إخضاع قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م للرقابة القضائية، وفحص سندها التاريخي والإجرائي والدستوري لأداة الإصدار والنشر في الجريدة الرسمية (الغاذيتا)، لا يمثل تقليلاً من مكانة مؤسسة سيادية أو تدخلاً في السلطة التقديرية للإدارة، بل يجسد التطبيق العملي لمبدأي سيادة القانون وسمو الدستور. فقياس كفاءة المؤسسات القانونية والدستورية في الدولة لا يرتبط بعدد النصوص أو القرارات الصادرة، بل بقدرتها المؤسسية على إنتاج قواعد مشروعية استباقية تمنع النزاع قبل وقوعه، وتكفل إخضاع السلطة للقانون—وليس إخضاع القانون لإرادة السلطة. وهو الأمر الذي يعيد طرح التساؤل الجوهري بشأن حشد الإحالات ونصوص القوانين داخل ديباجة إصدار القرار الإداري لعام 2025م، ومدى صلتها وعلاقتها الموضوعية بقرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة.

(أولاً) التفسير التشريعي لتغيير المسميات العامة واسناد الإختصاص:

———————————

استنادا لنص المادة 16 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، لا يقتصر التفسير التشريعي لتغيير المسميات العامة وإسناد الاختصاص على تحديد المقصود بالعبارات الواردة في النصوص القانونية، وإنما يمتد إلى التحقق من استمرار الولاية القانونية للجهة التي تمارس الاختصاص، ومصدر تلك الولاية، وحدودها، وتاريخ نفاذ أي تعديل يطرأ عليها. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند فحص مشروعية قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة وإحالتهم إلى المعاش الصادرة خلال عام 2025م، إذ لا يكفي لإثبات صحة الاختصاص الاستناد إلى تغير البناء الدستوري أو إعادة تنظيم مؤسسات الدولة أو اختلاف المسميات الوظيفية، بل يتعين تحديد النص القانوني النافذ الذي يمنح الجهة مصدرة القرار سلطة إصداره في التاريخ المحدد.

وتنطلق هذه المسألة من التمييز بين تغيير مسمى المنصب العام، وتغيير الشخص أو الجهة صاحبة الاختصاص، وتعديل المصدر القانوني المنشئ للاختصاص؛ فهذه أوضاع متمايزة لا يجوز الخلط بينها أو ترتيب الأثر القانوني لأحدها على مجرد تحقق الآخر. وقد نظمت المادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م بعض الآثار المترتبة على تغيير المسميات ودمج الوزارات والمصالح. فبموجب الفقرة (1)، تُقرأ الإشارة الواردة في أي قانون إلى المنصب العام بمسماه السابق، اعتباراً من تاريخ تغيير المسمى، باعتبارها إشارة إلى المنصب باسمه الجديد. إلا أن هذا الحكم، في نطاقه التفسيري، لا يُعد تفويضاً عاماً بإنشاء اختصاصات جديدة، ولا يجيز نقل سلطة جوهرية من جهة إلى أخرى لمجرد تغير اسم المنصب أو إعادة تنظيم الجهاز التنفيذي. أما الفقرة (2)، المتعلقة بدمج وزارة أو مصلحة في وزارة جديدة، فقد ربطت انتقال السلطة التي كان يمارسها شخص بموجب قانون بتحديد الوزير المسؤول عن الوزارة الجديدة للشخص الذي تؤول إليه تلك السلطة؛ بما يؤكد أن معالجة آثار التغيير التنظيمي يجب أن تتم وفق الآلية القانونية التي رسمها النص التشريعي، لا بطريق الافتراض أو الاستنتاج المجرد.

ويتجلى الأثر الدستوري لهذه القاعدة في العلاقة بين المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م والتعديل الدستوري لسنة 2025م؛ إذ نصت المادة المذكورة على أيلولة سلطات رئيس الجمهورية الواردة في القوانين التنفيذية السارية إلى رئيس مجلس الوزراء، في إطار الترتيبات الدستورية للمرحلة الانتقالية الهادفة إلى الانتقال للحكم المدني الديمقراطي. ومن ثم، فإن تحديد الجهة المختصة بإصدار قرارات إحالة ضباط الشرطة إلى المعاش يقتضي التحقق من أثر التعديل الدستوري اللاحق، وما إذا كان قد استحدث نصاً يسند تلك السلطات إلى رئيس مجلس السيادة، أو أعاد تحديد صاحب الاختصاص الوارد في قانون الشرطة بموجب تعديل تشريعي. ولا ينحصر الإشكال القانوني في مجرد إلغاء المادة (74)، وإنما يتمثل في تحديد الأثر القانوني المترتب على إلغائها في توزيع الاختصاصات القائمة. فإذا أُلغيت المادة دون استحداث نص دستوري بديل ينقل السلطات التي كانت تنظمها إلى رئيس مجلس السيادة، ودون تعديل قانون الشرطة بما يقرر انتقال سلطة إنهاء خدمة ضباط الشرطة أو إحالتهم إلى المعاش إليه، فإن مجرد الإلغاء لا يكفي بذاته لإثبات انتقال تلك السلطة. فإلغاء النص الذي كان ينظم إسناد الاختصاص لا يُنشئ تلقائياً حكماً بديلاً، ولا يجوز افتراض انتقال الاختصاص دون سند دستوري أو تشريعي نافذ.

ومع ذلك، فإن الحسم في هذه المسألة يقتضي فحص النص الرسمي الكامل للتعديل الدستوري لسنة 2025م، وليس الاكتفاء بالقول إنه حذف المادة (74). فقد يكون للتعديل نص آخر، أو حكم انتقالي، أو تعديل مرتبط يعيد توزيع السلطات أو يحدد الجهة التي تؤول إليها الاختصاصات القائمة. ولذلك يتعين التحقق من وجود مثل هذا النص الملغي أو المعدل أو المستحدث، ومدى انطباقه على سلطة إحالة ضباط الشرطة إلى المعاش، قبل استخلاص النتيجة النهائية بشأن الاختصاص. أما إذا خلا التعديل، بعد فحصه كاملاً، من حكم ينقل الاختصاص أو يعيد إسناده على نحو يمكن استخلاصه قانوناً، فلا يجوز استكمال هذا النقص بمجرد التفسير الإداري أو بالاستناد إلى ممارسة سياسية أو مؤسسية لا تستند إلى قاعدة قانونية نافذة.

ويتعزز هذا النظر بالرجوع إلى قانون الشرطة لسنة 2008م المعدل 2017م، باعتباره التشريع الخاص المنظم لشؤون خدمة ضباط الشرطة والمحدد لاختصاصات الجهات المعنية بها. فإذا كان القانون قد أسند إلى رئيس الجمهورية، بوصفه المسمى السابق لرأس الدولة، سلطة إنهاء الخدمة أو الإحالة إلى المعاش، فإن انتقال هذه السلطة إلى رئيس مجلس السيادة، بوصفه المسمى اللاحق لرأس الدولة، يقتضي التحقق من انطباق المادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، وبيان ما إذا كان التغيير يندرج في نطاق تغيير المسمى وحده أم يستلزم سنداً دستورياً أو تشريعياً إضافياً. ولا يجوز افتراض انتقال الاختصاص لمجرد تغير المسمى، أو الاستناد إلى القواعد التفسيرية لتجاوز حكم خاص قائم، ما لم يثبت أن النصوص النافذة تجيز ترتيب هذا الأثر.

ومن هذا المنطلق، لا يصح اتخاذ المادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م سنداً مستقلاً لإسناد سلطة إصدار قرارات الإحالة إلى المعاش إلى رئيس مجلس السيادة بوصفه المسمى الجديد لرأس الدولة ، ما لم يثبت أن الواقعة تدخل في نطاق إحدى الحالتين اللتين نظمهما النص، وأن شروط تطبيق الحكم المعني قد تحققت، وأن الأثر المطلوب ترتيبه لا يتجاوز حدود القاعدة التفسيرية. فالمادة المذكورة لا تُغني عن إثبات مصدر الاختصاص، ولا تحول تغيير التسمية إلى تعديل تشريعي، ولا تجعل الاختصاص الذي لم يقرره نص نافذ قائماً بطريق الافتراض. كما أن إدراجها في ديباجة القرار الإداري لا يمنح القرار مشروعيته تلقائياً؛ إذ العبرة ليست بمجرد ذكر النص، وإنما بمدى انطباقه على الواقعة وقدرته القانونية على تسويغ الاختصاص الذي مارسته الجهة مصدرة القرار.

وخلاصة الحجة أن مشروعية قرارات إحالة ضباط الشرطة إلى المعاش لسنة 2025م لا تُحسم بمجرد الاستناد إلى إلغاء المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، ولا بمجرد الاستناد إلى المادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، وإنما تتوقف على إثبات وجود سند دستوري أو تشريعي نافذ يحدد صاحب الاختصاص وقت صدور القرار. فإذا لم يتضمن التعديل الدستوري حكماً ينقل الاختصاص محل النزاع إلى رئيس مجلس السيادة بوصفه المسمى الجديد لرأس الدولة، ولم يثبت تعديل النص الخاص المنظم لسلطة إنهاء الخدمة أو الإحالة إلى المعاش في قانون شرطة السودان، فإن ذلك يثير مسألة جوهرية بشأن توافر ركن الاختصاص في القرار الإداري 2025م. ويظل تحديد ما إذا كان العيب يبلغ حد الانعدام أو يترتب عليه البطلان خاضعاً لطبيعة المخالفة وجسامتها، وللنصوص والاجتهادات القضائية الواجبة التطبيق؛ إذ لا يكفي مجرد الجدل في الاختصاص وحده للجزم بالانعدام، وإنما يتعين بيان مدى تجرد القرار من السند القانوني الذي يجيز إصداره.

(ثانياً) مدى كفاية لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة سنداً لاختصاص إنهاء خدمة ضباط الشرطة:

———————————

إن الاستناد إلى المادة (18/1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م لتسويغ قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م يثير إشكالاً جوهرياً يتعلق بمصدر الاختصاص وحدود السلطة اللائحية. ذلك أن المادة (12) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م حددت اختصاصات مجلس السيادة وسلطاته، ومن بينها اعتماد تعيين وإعفاء شاغلي المناصب الدستورية والتنفيذية والسياسية العليا والسفراء، وإعلان الحرب وحالة الطوارئ، والتوقيع على القوانين المجازة، والمصادقة على أحكام الإعدام والعفو وإسقاط العقوبة، والتوقيع على الاتفاقيات الدولية؛ دون أن يرد ضمن هذه الاختصاصات اختصاص عام بإنهاء خدمة ضباط الشرطة أو إحالتهم إلى التقاعد بالمعاش. كما أن قانون الشرطة هو التشريع الخاص المنظم لشؤون خدمة الضباط والمحدد لاختصاصات الجهات المعنية بالتعيين وإنهاء الخدمة والإحالة إلى المعاش، الأمر الذي يقتضي تحديد السند القانوني الذي يمنح سلطة اتخاذ هذه القرارات للجهة المختصة.

فالأصل أن الاختصاص لا يُفترض ولا يُنشأ بمجرد الاستدلال أو التوسع في تفسير النصوص، وإنما يستند إلى قاعدة دستورية أو تشريعية تمنحه للجهة المعنية. ولما كانت لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة أداة لتنظيم سير أعماله وإجراءاته وآليات تداول الموضوعات وإصدار القرارات وإدارة الجلسات والمحاضر، فإن وظيفتها تنصرف إلى تنظيم كيفية ممارسة الاختصاصات المقررة سلفاً، ولا تمتد بذاتها إلى إنشاء اختصاص موضوعي لم يمنحه الدستور أو القانون للمجلس أو لرئيسه. ومن ثم، لا يجوز اتخاذ المادة (18 /1) سنداً لتوسيع السلطات الدستورية للمجلس أو لتجاوز أحكام قانون الشرطة، إذ إن التنظيم الإجرائي لممارسة السلطة لا يقوم مقام النص المنشئ للاختصاص.

ويترتب على ذلك أن إدراج المادة (18 /1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م في ديباجة قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م لا يكفي لإثبات مشروعيتها؛ فذكر النص لا يمنحه أثراً يتجاوز مضمونه، ولا يحوّل القاعدة الإجرائية إلى مصدر لاختصاص موضوعي غير مقرر قانوناً. كما أن مجرد عرض توصيات وزير الداخلية على مجلس السيادة، سواء ثبت وقوعه فعلياً أم افترض حصوله، أو مناقشتها وفقاً للائحته الداخلية، لا يُنشئ بذاته اختصاصاً للمجلس أو لرئيسه بإصدار تلك القرارات. وإذا اقتضى الأمر التحقق من سلامة الإجراءات، وجب التثبت من عرض توصيات وزير الداخلية ومناقشتها، وصدور قرار بشأنها وفق النصاب وآلية التصويت المقررين، دون الخلط بين استيفاء المتطلبات الإجرائية وثبوت الاختصاص الموضوعي ابتداءً. فالإجراءات، مهما بلغت سلامتها، لا تُنشئ اختصاصاً لا يستند إلى نص دستوري أو تشريعي نافذ، ولا تُصحح صدور القرار عن جهة لا تملك قانوناً سلطة إصداره.

ويقتضي ذلك أيضاً التمييز بين اختصاص مجلس السيادة باعتماد تعيين أو إعفاء شاغلي المناصب الدستورية والتنفيذية والسياسية العليا، وبين تعيين ضباط الشرطة وإنهاء خدمتهم؛ إذ لا يجوز التوسع في الفئة الأولى لتشمل الفئة الثانية لمجرد انتماء الضباط إلى جهاز عام أو خضوعهم لوزارة الداخلية، ما لم يوجد نص قانوني يجيز هذا الامتداد. ولا يكفي الاستناد إلى توصية وزير الداخلية أو موافقة مجلس السيادة لتجاوز أحكام قانون الشرطة، ما لم يثبت وجود سند دستوري أو تشريعي نافذ يمنح الجهة المعنية سلطة إصدار القرار أو اعتماده.

وعليه، فإن مشروعية قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م لا تُحسم بمجرد ورود المادة (18 /1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة في ديباجة القرار، وإنما تستلزم بيان السند الدستوري أو التشريعي النافذ الذي يخول الجهة مصدرة القرار سلطة إنهاء الخدمة أو الإحالة إلى المعاش، والتحقق من انطباقه على الحالة المعروضة، فضلاً عن استيفاء الإجراءات القانونية المقررة. فإذا لم يثبت هذا السند، فإن الاستدلال باللائحة يكون غير كافٍ لتسويغ القرارات؛ ذلك أنها لا تعدل الوثيقة الدستورية، ولا تحل محل قانون الشرطة، ولا تنشئ اختصاصاً موضوعياً بطريق الاستنتاج. ويثور، تبعاً لذلك، عيب عدم الاختصاص بوصفه وجهاً مستقلاً للطعن في مشروعية القرار، مما يتعين على المحكمة المختصة بحثه في ضوء النصوص النافذة وطبيعة المخالفة وآثارها القانونية.

ونواصل، للحديث بقية، لتناول مدى انطباق نص المادة (32/ي) من قانون شرطة السودان، ومعايير وشروط تطبيق أحكام لائحة شروط خدمة وترقي ضباط الشرطة لسنة 2018م المتعلق بقضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة، وصولاً إلى بيان مدى توافق قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م مع أحكام القانون والضوابط والاشتراطات المقررة.

فريق شرطة(حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

13 اكتوبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى