تقارير

هندسة التضليل السياسي العالمي،كيف تُدار “حروب الإدراك”في العصر الرقمي؟

 

تقرير:بدرالدين عبدالرحمن

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم فقط على جبهات القتال أو عبر موازين القوى العسكرية التقليدية والنمطية،بل انتقلت المعركة الأساسية إلى “المجال الإدراكي” (Cognitive Domain) للشعوب والمجتمعات.

لاسيما وإن هندسة التضليل السياسي العالمي (Global Political Disinformation Engineering)،تعتبر صناعة ثقيلة وعابرة للحدود،تعتمد على استراتيجيات نفسية، وتقنيات خوارزمية متطورة،وجيوش من الذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل الرأي العام، وتوجيه الانتخابات، وتفكيك النسيج الاجتماعي للدول المنافسة دون إطلاق رصاصة واحدة.

* تفكيك المفهوم،الفرق بين الإشاعة والهندسة:

تختلف”هندسة التضليل” عن الشائعات العابرة في كونها عملية منهجية طويلة المدى وممولة بسخاء.

وهي عملية ترتكز علي تقاطع لثلاثة عوامل رئيسية،أبرزها السيكولوجيا الاجتماعية،أو مايعرف باستغلال “الانحياز التأكيدي” (Confirmation Bias) لدى الأفراد ومشاعر الخوف والغضب لتقليل التفكير النقدي.

إضافة للعامل المتعلق بالتقنية والخوارزميات،والذي يستند علي تسخير بيئات وسائل التواصل الاجتماعي التي تصنع المحتوى الصادم أو المثير للجدل ليزيد من التفاعل والانتشار.

هذا بحانب عامل استخدام المعلومات كأداة للحروب الهجينة (Hybrid Warfare)،وذلك لتحقيق أهداف استراتيجية وتجريد الخصوم من الشرعية.

*أبرز تكتيكات وآليات “هندسة التضليل”:

تستخدم الأطراف الفاعلة -سواء كانت دولاً أو أجهزة استخباراتية أو شركات علاقات عامة عابرة للحدود-أدوات متعددة لإغراق المشهد المعلوماتي،أهمها:أغراق الفضاء المعلوماتي (Information Flooding)،

بدلاً من حجب المعلومة (كما كان يحدث في القرن الماضي)،وهنا تعتمد الهندسة الحديثة على إغراق الجمهور بعشرات الروايات المتضاربة حول حادثة واحدة.والهدف هنا ليس إقناع الجمهور برواية معينة، بل إيصاله إلى حالة من “الإنهاك الإدراكي” والتشكيك في وجود أي حقيقة مطلقة، مما يؤدي إلى اللامبالاة السياسية.

بينما يتم استخدام التجييش العشبي الزائف (Astroturfing)،من خلال

إنشاء انطباع كاذب بوجود حراك شعبي أو تأييد تلقائي لفكرة معينة. يتم ذلك عبر تشغيل “مزارع البوتات” (Bot Farms) ومئات الحسابات الوهمية لتكثيف التغريدات والتعليقات، مما يدفع الجمهور الحقيقي إلى اعتناق هذا الرأي اتباعاً لدافع “الانسجام الجمعي”.

وفي سياق ذلك،يأتي التزييف العميق والوسائط المصنّعة (Deepfakes & Generative AI)،والذي يتم من خلال

إنتاج مقاطع فيديو وصوت وصور بالذكاء الاصطناعي تصوّر قادة وسياسيين يصرحون بمواقف صادمة. حتى في حال تكذيب المقطع لاحقاً، فإن “الأثر الأول” يظل عالقاً في الذاكرة الجمعية وتصعب إزالته تماماً.

*الآثار الاقتصادية والسياسية على الاستقرار العالمي:

لا تتوقف أضرار هندسة التضليل عند حدود الرأي العام، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشر للأمن القومي والدولي،وذلك من خلال

تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية،وانخفاض نسب المشاركة في الانتخابات وزيادة التشكيك في نزاهة أجهزة الدولة والصحافة المستقلة.فضلا عن خلق حالة الاستقطاب المجتمعي الحاد (Polarization)،وتقسيم المجتمع إلى معسكرين راديكاليين لا يجمعهما أي حوار أو مساحة مشتركة.

وفى غضون ذلك،يساهم نشر الشائعات واستغلال مقاطع مصطنعة للهجوم على أسواق الأسهم، المصارف، أو الاستثمارات في دول معينة،في إحداث خسائر سريعة وكبيرة ومؤثرة فى حركة التجارة والاقتصاد والغذاء.

تتطلب مواجهة هندسة التضليل نهجاً متعدد المستويات لا يكتفي بحظر الحسابات الوهمية فقط،بل يجب الذهاب الى تفعيل مبدأ

التربية الإعلامية والرقمية (Media Literacy)،والقيام بتدريب أفراد المجتمع على التحقق من المصادر وفهم آليات عمل الخوارزميات والانحيازات النفسية.

إضافا الى سن تشريعات المساءلة التقنية،وإلزام شركات التكنولوجيا الكبرى بتفكيك شبكات السلوك الزائف وإظهار شفافية الخوارزميات ومصادر الإعلانات السياسية.

ذلك كله يكون بالتزامن مع دعم غرف الأخبار المستقلة والشبكات التقنية المتخصصة في كشف الوسائط المزيفة وتتبع مصادر الحملات الممنهجة.

إن هندسة التضليل السياسي لم تعد مجرد “أخبار كاذبة” (Fake News)، بل أصبحت أداة جيوسياسية فائقة التعقيد تستهدف أسلوب تفكير المجتمعات واستقرارها. لذلك فإن حماية الأمن القومي والمجتمعي في العقود القادمة باتت تعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة الدول والأفراد على بناء “مناعة إدراكية” ضد الاختراق والتلاعب الرقمي.

زر الذهاب إلى الأعلى