مقالات الرأي

أحمد عبدالكريم عبداللّٰه .. يكتب إذاعة المزارع.. حين يتحدث الراديو بلغة الأرض

 

من دنقلا، حاضرة الولاية الشمالية، ينطلق صوت إذاعى جديد قديم في آن واحد، صوت ظل مزارع الشمالية ينتظره طويلاً، إنه تدشين إذاعة المزارع ، تلك الخدمة الإذاعية النوعية التي تطلقها هيئة إذاعة وتلفزيون الولاية الشمالية تحت إشراف ومتابعة المجلس الأعلى للثقافة والإعلام، وبالتضامن مع وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية،

قد يراها البعض مجرد إذاعة جديدة تضاف إلى خارطة الإذاعات، لكنها في حقيقتها مشروع أمن قومي بامتياز، فالولاية الشمالية اليوم يعول عليها تماماً في إنتاج محصولي القمح والفول لتحقيق أكبر معدلات الأمن الغذائي في السودان ، في وقت تتقلب فيه الأسواق العالمية وتشتعل فيه أسعار الغذاء، والشمالية هي مخزن السودان ومخبزه الذي لا ينضب بإذن الله،

فالأرقام وحدها تتحدث عن حجم المسؤولية، سيما أن الولاية تستهدف هذا العام زراعة مليون ومئتي ألف فدان من محاصيل العروة الشتوية، منها 320 ألف فدان، من محصول القمح الاستراتيجي وحده، هذا ليس رقماً في تقرير، بل إن هذا هو مليون ومئتا ألف حلم لمزارع بسيط، ومليون ومئتا ألف معركة مع الأرض والطقس والتمويل والجازولين ومدخلات الإنتاج الزراعى الأخرى،

وهنا تكمن أهمية إذاعة المزارع، فمزارع الشمالية لا يتعامل مع الزراعة كوظيفة يأخذ عليها راتباً، بل يتعامل معها كقيمة إنسانية موروثة، وكارتباط وجداني وثقافي بالأرض، هو يفرح حين تنبت البذرة كما يفرح بمولوده، ويحزن حين يبور الحقل كما يحزن على فقد عزيز لديه ، هذه الثقافة الاجتماعية العميقة تحتاج إلى من يخاطبها بلغتها، لا بلغة الخبير القادم من بيئة أخرى، وتحتاج إلى صوت يعرف متى يُزرع القمح، ومتى يُسقى الفول، ومتى تُحارب الآفة، ويعرف أن الوابور والجدول هما شريكا حياة ،

لذا فإن إذاعة المزارع يجب أن تكون هي المرشد الحقلي اليومي، نشرة جوية زراعية، أسعار الأسواق، موعد وصول التقاوي، تحذير من آفة، نصيحة من مرشد زراعي من أبناء المنطقة، وقصة نجاح لمزارع من الدبة أو البرقيق أو القولد، هي إعلام متخصص يعود بنا إلى زمن إرشاد المزارع الذي فقدناه ففقدنا معه نصف الإنتاج ،

إن ما قامت به هيئة الإذاعة والتلفزيون والمجلس الأعلى للثقافة والإعلام بقيادة الأستاذ زهير بانقا فى هذا التوقيت الفصلى تحديدا ، هو تفكير خارج الصندوق ، وإدراك بأن الثقافة تقود المجتمع بل وتطبيق فعلى لذلك الشعار ، فالثقافة الزراعية هي التي تقود الإنتاج، وإذا اهتممنا بتلك القيم الموروثة وغذيناها بالعلم الحديث عبر الأثير، فستعود علينا بأعلى مما نرجو، ليس قمحاً وفولاً فقط، بل انتماءً وهويةً وصموداً ،

التحية لكل من فكر وخطط لهذه الإذاعة، والرهان الآن على استمراريتها، أن تصل إلى كل حقل، وكل ساقية، وكل مزارع لا يقرأ الصحف ولا يشاهد التلفاز، لكنه لا يفارق الراديو الصغير المعلّق في رقبته وهو يحرث أرضه ،

زر الذهاب إلى الأعلى