أوراق نازك الشوش .. تكتب ” أكتوبر _حين بكى الشرق “

منذ عامين ،لم يخرج ( سكان قرى ومدن شرق الجزيرة )من بيوتهم كما يخرج الناس في الصباح لقضاء حوائجهم، ولم يغلقوا الأبواب خلفهم وهم يخططون لعودة قريبة. خرجوا على عجل، تحت وطأة الخوف، من ( مليشيات الدعم السريع )وفي لحظات لم تمنحهم رفاهية التفكير في ما ينبغي أخذه وما يجب تركه. لم يكن أمامهم وقت لترتيب حقائب، ولا فرصة لتوديع البيوت التي شهدت أعمارهم، ولا يقين بأن الطريق الذي يسلكونه سيقودهم إلى مكان آمن.
كانت الطرقات تحمل حكايات لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ أسر تبحث عن وجهة، وأطفال لا يفهمون لماذا غادروا منازلهم. كان هناك سؤال واحد ، كيف ينجو كبار السن حين تعجز أجسادهم عن احتمال الطريق؟ وماذا يفعل أهل يجدون أنفسهم مضطرين إلى حمل آبائهم وأمهاتهم على الأسرّة، لأن وسائل النقل غير متاحة منذ دخول( المليشيات الإرهابية) تلك الأراض ، ولأن الانتظار قد يعني البقاء في دائرة الخطر؟
هناك في شرق الجزيرة ، لم يكن الرحيل بالنسبة إلى بعض الأسر حقائب تُحمل وأبواباً تُغلق. كان أجسادًا أنهكها العمر ترفع على الأسرة، وأيدٍ تحاول تثبيتها خلال الطريق، وقلوباً ترتجف خوفاً على من لا يستطيعون السير. كان بين الخارجين من يحتاج إلى من يسنده، ومن يحتاج إلى من يحمله، وفي خضم الارتباك، صار الوصول بسلام أمنية تسبق كل أمنية أخرى.
لكن الخروج من دائرة الخطر لم يكن نهاية الحكاية.
بدأت رحلة أخرى، أقل ضجيجًا، لكنها أشد امتدادًا؛ وجد بعض( النازحين) أنفسهم في بيوت استقبلتهم بما تيسّر، وتقاسموا مع أهلها ضيق المكان وقلة الإمكانات، بينما واجه آخرون ظروفًا أشد قسوة،
في النزوح، تغيرت قيمة الأشياء. اصبح (الفراش) الذي كان عادياً ضرورة، والغرفة الصغيرة( حلم)، تتزاحم الأسر في المساحات المتاحة، وتضيق الحياة بتفاصيلها اليومية، واليوم بتاريخ الواحد والعشرون من اكتوبر تصادف الذكرى السنوية الثانية لتلك الأحداث وكأنها بالأمس ،اليوم وفي مثل هذا التاريخ تعود الذكرى محملة بما لم تستطع الأيام تجاوزه. حيث لم تعد مأساة النزوح والتشرد مشهداً واحداً يمكن استعادته في صورة أو تقرير.
في الذكرى السنوية الثانية للنزوح، توقفت نيران الحرب هناك ، وعاد الناس إلى منازلهم لكنهم لم يعودوا جميعاً بالحياة التي غادروها؛ فثمة من عاد ولم يجد عزيزاً كان روحاً له ، ومن عاد إلى جدرانٍ بقيت شاهدة على أيام لن تتكرر، ومن استعاد منزله ولم يستطع استعادة ما فقده داخله. عادت بعض ملامح الحياة، لكن الحياة نفسها لم تعد كما كانت؛ فما زالت الحرب تترك فراغاتها في البيوت، وفي القلوب، وفي تفاصيل الأيام التي تبدو عادية للآخرين، لكنها بالنسبة إلى من عاشوا معاناة النزوح تذكير دائم بما انكسر. عامان مرّا على( النزوح)، وبين يوم الخروج ويوم العودة حكايات فقد لا تنتهي بمجرد الوصول، وأحبة لن يعودوا مهما عادت الطرقات آمنة.


