أعمدة الرأي

بابكر الأسيد يكتب سقوط القطار

 

 

كنا – ونحن أطفال – تستهوينا الأفكار الشيطانية التي تُلحقُ ضررًا أو حدثا ذا بال.. وكنا نصدق بعضَ الأقاويل المنسوجة من خيال الطفولة، والتي تُشبعُ لنا تلك الرغبة…

من ذلك أننا صدقنا كلامًا كان شائعًا بيننا – نحن أطفالَ السكة حديد – وهو أنك إذا وضعتَ الإبرة ( الإبرة الواااحدة دي بتاعة الخياطة دي) لو وضعتها بين فتحات قضيب السكة حديد ، فإن القطار عندما تطؤها عجلاتُه، فإنه سينزلق ويفارق السكة وينقلب وتتشتت عرباته، وتنقطع أنفاسه..

 

إتفقنا يوما على تتفيذ الفكرة، وأمرنا أميرنا (وهو ذو عضلات تبش كنا نهابه ولا نعصي له أمرا) أمرنا بأن يُحضر كلُ واحدٍ منا إبرةً من بيته، رغم أن إبرة واحدة تكفي، لكن إمعانا منه في ألا يفلت القطار، قرر أن يزرع عدة إبر في سكة القطار، سجم القطار ورماد القطار الذي سيروح في طعنة إبرة) أو ربما أراد قائدُنا وأميرنا أن يتوزع دم القطار بين القبائل… أو ربما أراد أن يزرع فينا روح التعاضد والتكافل… المهم أحضر كلُ منا إبرة حسب التعليمات، وبعضنا أحضر مسلة عديل كده!!

وضعنا الإبر والمسلات بين فتحات القضيب، للذين لا يعرفونها، هي تلك الفتحات الموجودة بين قطع السكك الحديد، وهي التي تجعل القطار يصدر صوت (دندن دندن دندن)..

وزعنا الإبر والمسلات يمين ويسار، حتى لا يفلت القطار ود الكلب.. وكنا نعرف المواعيد التي يمر فيها القطار فوق هذه الألقام، وهي مواعيد لا يتقدمها القطار ولا يتأخر.. فقد كانت عقارب الساعة تُجر تأخيرًا وتقديمًا على مقدمه، من فرط دقة مواعيده..

 

إتخذنا مواقعنا التي حددنا لنا الأمير يسار السكة ويمينها قيام راقدا… وسمعنا من بعيد صافرات القطار وكأنه يودع الدنيا، وأصوات عجلاته بين الفتحات تدندن دندنات الوداع .. وكلما اقترب منا ازدادت ضربات قلوبنا الصغيرة ونحن نرسم سيناريوهات ما بعد السقوط.. كيف ستتبعثر محتويات كراتين الزوادة من طعمية وجبنة وبيض.. وكيف سيكون حال السناتور (بوفيه القطار).. وكيف يكون حال الركاب.. وهكذا سرحنا بخيالاتنا الصغيرة الساذجة… وتقمصنا روح المافيا وملأنا زهوها.. وماهي إلا لحظات ويسقط القطار في أيدينا..

 

وأتى القطار على إبرنا ومسلاتنا وجعلها حطاما، ومضى يحمل الخيرات ويوزعها على كل الأرجاء.. أما نحن فقد أقبل بعضنا على بعض يتلاومون ، ووعينا الدرس أن القطار أقوى وأعظم من أن تسقطه إبرة..فالإبرة أسقطتنا ولم يسقط القطار، ولن.. فهل وعيتم الدرس؟

 

*بابكر الشيخ الأُسيْد*

16 يونيو 2024م

زر الذهاب إلى الأعلى