إسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد يكتب لا يملأُ الهولُ صدري قبلَ وقعته(1) (حوار بين شيخ وشاب)

الشاب : انت قلت لي يا شيخنا: إن الله لا يظلم أحدًا، وبالأمس سقطت دانةٌ على بيتنا وساوته مع الأرض، أي ذنبٍ جنيناه يا شيخنا ؟
الشيخ: استغفر الله يا ولدي، نعم إن الله لا يظلم أحدا، ولكنك لماذا نسيت أنني قلت لك (إلا) فهناك استثناء.
الشاب، محدثا نفسه:( يريد الشيخ أن يرقّع الكلام) ثم يسأل بصوت مسموع: لم أفهم ما تقصد يا شيخنا.
الشيخ: نعم قد سبق وأن قلتُ لك إن اللهَ لا يظلم أحدًا، إلا بظلم الناس لأنفسهم، فقد سمعته يقول: (ومَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ القصص..الظلم يا ولدي، هو وضعُ الشيء في غيرِ موضعه، وهو – -أيضًا – التعدي عن الحق إلى الباطل، ثم الشيخ يسأل الشاب: هل تشك في ذلك؟ كم بيت في مدينتكم أنت تعرف أنه قام على ظلم؟ كم مخططات سكنية، قامت بين عشية وضحاها على ارضٍ لأناس ورثوها أبًا عن جد، نُزعت منهم قسرا، ومنحت لغيرهم سراً في صفقة دبرت بليل؟ كم موظف مختلس ومرتشي، بخس ومزور نجس، تعدى على أراضي ومساكنِ الغير بالباطل ؟ كم منزل، تعرفه، وهو ملك لساكنيه يقطنونه سنين عددا، تم اخلاؤه واخراجهم منه ظلما وبهتانا وجورا؟ كم أنسان، تعرفه أنت، بنى بيتَ الاسرة الكبيرة من عرق جبينه ومن قوت أولاده، ثم جحده اخوانه واخواته وحرموه حتى من مجرد السكن وعاملوا أولاده معاملة العدو؟ كم موكل خائن خان موكله.. هذا كثير، لدرجة أنه إذا جاء لشخص توكيل، يفرح و يعتبره فتحًا من الله ويقوم الناس بتهنئته والتقرب اليه.
الشاب: هذا يعنى يا شيخنا أنك تبرر تدمير البيوت بالدانات واحتلالها والسكن فيها..
الشيخ: أنا لا أبرر ولا استثنى، ولكنني أوضح وأجيب على استفسارك حين دخلك الشك وحدثتك نفسك بانني ( أرقِّع الكلام) كما أن الحاجة تدعونا الي بيان الحق ورد الباطل في وقتٍ إلتبس فيه الحقُ بالباطل نتيجة لضغائن نحملها في نفوسنا، بعضنا ضد البعض، بسبب ميول حزبي أو نعرة قبلية أو تعصب ديني.
الشاب، يقول في استحياء: أنا لم اشك في مصداقيتك يبدو يا شيخنا أنك قد فهمتني خطأ .
الشيخ : إن حديث النفس موجود وكلنا تحدثنا أنفسنا في كثير من الاحيان وهذا شي طبيعي موجود في كل نفس بشرية، فلا تثريب عليك..
الشاب، يعترف ضمنيا، ثم يسأل: ولكن يا شيخنا كيف عرفت أنني قلت في نفسى ان الشيخ يرقع الكلام؟
الشيخ: النفوس تعلم أشياء بعلامات، أما لفظة (أرقع ) بالتحديد فهذا استنتاج منى لأنها واحدة من المفردات السائدة في هذه الأيام وحين قلتها كنت متوقع انني قد أخطئ وقد أصيب ولا حرج أن اصبت أو أخطأت، طالما انه لا يتعلق بالحلال والحرام.
الشاب: لكن، لا زال سؤالي قائما، أنا لم امارس كل ما قلته من ظلم وجور وتعدى فما ذنبي؟
الشيخ: أما سمعت قول الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. [الأنفال:25].. هناك قوم يفسدون وقوم ساكتون على الفساد أمثالي وأمثالكم، لذلك شملتنا الفتنة لأن الفتنة- إذا وقعت- لن يسلم منها أحدٌ صغير ولا كبير ولا عالم ولا طالب علم ولا غيرهم.. وذلك إذا ظهر الظلم ولم يُغيّر، فإن عقوبته تعم الفاعل وغيرَه. ثم يستطرد الشيخ قائلا: نعمة مياه النيل والنيل، لم نشكر الله على هذه النعمة وليتنا اكتفينا بعدم الشكر فحسب، ولكننا جعلنا شارعه مرتعا للرذيلة والفحش والفساد والمجون، في مقولة منسوبة الي على رضى الله عنه ( النِعَمُ شرادةٌ قَيُّدوها بالشكر) يواصل الشيخ حديثه منفعلا: السحرة والمشعوذون يلجأ اليهم الرجال والنساء، المرضى والاصحاء، المتزوج والاعذب، الظالم والمظلوم، المتعلم والامي، المثقف وغير المثقف، الثري والفقير، الوزير والخفير، العامل والعاطل.. حتى اصبح هؤلاء المشعوذون من أعيان أهل البلد وأثريائها لكثرة الزبائن وما يضخ اليهم من أموال.. الكلام عن الفساد يملأ مجلدات لا حد لها، وهذا غيض من فيض، وإن شئت زدتك..
الشاب: لا لا، حسبك، هذا يكفي وماخفي أعظم. ولكنني أرى وكأنك تجد مبررا وعذرا للحكومات التي هي أساس الفساد، وتبعاته من رشوة وسرقة وتعدي وظلم وفحش وفقر ومرض ووووو..
الشيخ: كلامي هذا عن البشر وطبائعهم بصفة عامة، وما الحكومة إلا أفراد من البشر ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم من الناس، فلا تسيس الموضوع. مصيبتنا الكبرى أننا نضع العربة أمام الحصان.. نعلق كلَ شيء على رقبة الساسة.. إعلم ياولدي، أن كل الساسة في كل العالم فاسدون، إلا من رحم ربي، ولكنهم يوفرون الامن.. قالوا: (حاكمٌ غشوم خيرٌ من فتنةٍ تدوم) وصدقني يا ولدي، من البلية أن يخشى الحاكم من الرعية. خوف الحاكم من الرعية يجعله غير آمن، ويكون همه حماية نفسه، وتكون كل حلوله أمنية، وينتهز أي فرصة للثراء والهروب من البلد. إنَّ الحاكمَ الذي تخشاه الرعية، أفضلُ من الحاكم الذي يخشى الرعية. إذا أمِن الحاكم الرعية، إستتب الامن، وتحت مظلة الأمن، تجد من تَعَبَّد ونصح وتعلَّم ونجح، وعَمِل وكدح، وزرع وأفلح وتغنى وفرح، وتعيش الامة في رَغدٍ وأمان وهذه هي العلامة الفارقة بين الشعوب..
الشاب: هذا صحيح، الان فقدنا الأمن، وفقدنا منازلنا التي هربنا منها وتركنا الجمل بما حمل.
الشيخ: : هذا شيء طبيعى يحدث عند وقوع الفتن والقتال، قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ … الأنبياء الاية 12.. يصور الله لنا المشهد بعد ذلك فيقول: ثم نادتهم الملائكة ( َلا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) الانبياء.
الشاب: ولكن يا شيخنا هذه الآية لم تنزل فينا وفيما يحدث لنا.
الشيخ: العبرة في القرآن يا ولدي، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب..
الشاب: سبحان الله يا عمي مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً الا احصاها.
الشيخ: نعم، وقد خاطب – أيضا – المعتدين على بيوت الناس بعد أن سكنوا فيها.
الشاب مستغربا: ماذا قال عنهم يا عمي؟
الشيخ: قال الله عز وجل: (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) ..إبراهيم 45..
الشاب مبتسما: هل ذكر لنا القران شيئًا عن الخونة؟
الشيخ : نعم خاطبهم وأعلن كراهيته عز وجل لهم، انه لا يحب الخائنين. الخونة مكرهون عند الله وعند الناس اجمعين، فقد سمعته يقول: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) سورة النساء.
الشاب: في ذهني أسئلة كثيرةٌ، لو سمح وقتُكم..
الشيخ: معذرةً الان، ونلتقى في المقال القادم أن شاء الله..
والله أعلى وأعلم
17 سبتمبر 2024م


