أعمدة الرأي

عمر محمد عثمان .. يكتب .. ما وراء الحظر الرقمي على مليشيا الدعم السريع 

في مقالنا أمس، تناولنا المبادرات الفردية التي أطلقها الشباب السوداني والتي أسهمت في إغلاق وحظر حسابات مليشيا الدعم السريع على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك و”إكس” (تويتر سابقاً). لكن عند النظر إلى هذا الحظر من زاوية أوسع، يتضح أنه يتجاوز الأبعاد التقنية ليشمل أبعادًا سياسية، خاصة في ظل تأثير الولايات المتحدة على الشركات التكنولوجية الكبرى.

 

النفوذ الأمريكي وتأثيره على قرارات المنصات الرقمية

 

تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ غير مباشر على الشركات الكبرى للتواصل الإجتماعى مثل فيسبوك وX ( تويتر سابقاً)، نظرًا لمقرها في الأراضي الأمريكية وامتثالها للقوانين المحلية. رغم تأكيد هذه المنصات على استقلالها، إلا أن القضايا الحساسة، خاصة ذات الطابع الجيوسياسي، قد تؤدي إلى اتخاذها قرارات تخضع لضغوط سياسية.

 

خلال جلسات الاستماع أمام الكونغرس في مارس 2021، تحدث مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، عن كيفية تعاونه مع الحكومة الأمريكية للحد من انتشار المعلومات المرتبطة بالجماعات الإرهابية. وأشار إلى أنه يعمل بشكل وثيق مع الجهات الحكومية لضمان عدم استخدام المنصة من قبل الجماعات الإرهابية، مما يبرز التأثير المباشر للحكومة على سياسات المحتوى.

و في عام 2021، أُعلن عن برنامج تعاون بين الحكومة الأمريكية ومنصات التواصل الاجتماعي لمكافحة المعلومات المضللة المتعلقة بالإرهاب، حيث ضغطت الحكومة على الشركات الكبرى مثل فيسبوك وتويتر لمراجعة المحتوى المرتبط بالتطرف.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر التقارير السنوية لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن الوكالة تعمل مع شركات التواصل الإجتماعى لمراقبة المحتوى الذي يُعتبر تهديدًا للأمن القومي، وتم استدعاء مسؤولين من هذه الشركات لتوضيح كيفية تعاملهم مع طلبات الوكالة.

 

الحظر كجزء من حملة ضغط دولية

 

يتماشى الحظر الرقمي مع الجهود الدولية لعزل مليشيا الدعم السريع، خاصة في ظل التقارير التي توثق انتهاكات جسيمة ارتكبتها بحق المدنيين. ويمكن اعتبار هذا الحظر خطوة في إطار حملة ضغط وتصعيد متعددة الأبعاد تشمل الإعلام والاقتصاد والدبلوماسية، وتهدف إلى تقليص نفوذ المليشيا وإضعاف شرعيتها على الساحة الدولية.

 

انحياز غير مباشر نحو الجيش السوداني

 

بعض المحللين يرون أن هذا الحظر الرقمي يعكس، بشكل غير مباشر، تفضيل المجتمع الدولي والولايات المتحدة للجيش السوداني كجهة أكثر استقرارًا وقابلية للتفاوض. من خلال تقليل الوجود الإعلامي لمليشيا الدعم السريع، يتم تعزيز الرواية الرسمية للجيش السوداني، مما يعزز موقفه في الساحة السياسية ويضعف موقف المليشيا.

 

تغيرات في مواقف القوى الدولية

 

يتزامن هذا الحظر مع تحولات في مواقف القوى الكبرى تجاه الأزمة السودانية، إذ تسعى بعض الدول إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يتماشى مع مصالحها. في هذا السياق، يُحتمل أن يكون الحظر جزءًا من ترتيبات سياسية جديدة تفرضها هذه القوى لضمان نفوذها في أي تسويات مقبلة.

 

خاتمة

 

تبرز جهود الشباب السوداني في تعطيل الحسابات المرتبطة بمليشيا الدعم السريع أهمية الفضاء الرقمي كمنصة مواجهة لا تقل أهمية عن ميادين القتال. في هذا الإطار، يبدو أن الحظر الرقمي يمثل جزءًا من استراتيجية سياسية تهدف إلى عزل المليشيا، وربما التمهيد لتصنيفها كمنظمة إرهابية. رغم إعلان منصات التواصل الاجتماعي أن قراراتها تستند إلى سياسات داخلية، فإن الأبعاد السياسية والدبلوماسية تلعب دورًا مؤثرًا في هذه القرارات.

19 أكتوبر 2024م

زر الذهاب إلى الأعلى