خارج الصورة.. عبدالعظيم صالح .. يكتب .. رحيل (أحمد ).رحيل الخرطوم..

نعي الناعي من حوش بانقا.. وأنا في النزوح البعيدة عمنا وعميد أسرتنا المغفور له بإذن الله أحمد الزين الوقيع
وشق علي نعيه وزاد من مساحات الحزن التي تتمدد كل ساعة برحيل الاحباب ..
ورحيل عمنا أحمد كبير وعظيم ولا نملك غير الصبر والدعاء له بأن يكون من أصحاب اليمين وتحت ظل الرحمن يوم لا ظل إلا له.. ولا نقول إلا ما يرضي الله..وانا لله وانا اليه راجعون..
هو عمي وصديقي وزميلي في مهنة القلم. وركن أصيل من أركان بيتنا (النويراب)وبيتنا الكبير(الرازقية )…
حياته ارتبطت باهله منقبا في سيرتهم.حافظ لفضلهم ..وظل عونا وسندا لهم ..بيته في الحله الجديدة محطة (وصول) و(قدوم)للكثير من الأهل الذين يرتادون الخرطوم..يسعي بين الناس بالخير..مشاركا في الأفراح والاتراح..
الوقيع…قصة شديدة الإنسانية.. طلق المحيا..دائم الابتسامة..هاشا باشا..يذكرنا دوما بأسلافنا الأوائل. وكيف لا يذكرنابهم وهو المؤرخ والذاكرة المتقدة والمنقب في التاريخ والسير.
الوقيع قصة نجاح شديدة العصامية..بدأت وهو صبي يافع عندما غادر بلدته حوش بانقا في منتصف القرن الماضي صوب الخرطوم .والتحق بالنقل الميكانيكي في عهده الذهبي و(سلطة حاكمة)للمركبات والآليات..بدأ السلم في وظيفة عامل وتدرج في مختلف الأقسام والتخصصات حتي بلوغه أعلي مراتب الخدمة مهندسا ميكانيكا يشار له بالبنان..اخذ المهنه بكده واجتهاده ونضاله فكان له ما أراد وخطط.
ثم انتدب لمجلس بلدية الخرطوم (المحليه اليوم) وقدم عصارة جهده وعلمه مسئولا ومشرفا ومهندسا أول.ومستشارا فنيا يقدم النصح والمشورة في شئون الحكم
ولم يكتف بالوظيفة الحكومية والتي كانت لها (شنة ورنه) في ذلك الزمان في قرارة نفسه ان طموحه اكبر وعزيمته ترنو للتطور والنجاح فأسس مدرسة لتعليم قيادة السيارات المدرسة الفنية ..وهي ثاني مدرسة في الخرطوم..وهو من الرواد الأوائل في هذا المجال.
وعند بلوغه سن المعاش تفرغ للمدرسة التي تقع في الحله الجديدة جوار الإمدادات الطبية وغرب ميدان المولد..
وهي مدرسة بكل ما تحمل الوظيفة التربويه من معني. شعارها تقديم خدمة التعليم بأقل التكاليف وبمواصفات مهنية عاليه. فارتفعت اسهمها وأقبل عليها الناس من كل أطياف المجتمع..وحافظت المدرسة علي ريادتها وتميزها ومشاركة لأجهزة الدولة ممثلة في المرور والمحلية وغيرها في المناسبات والاحتفالات والحملات المروية من توعية وإرشاد وتثقيف بأهمية المرور ودور شركاء الطريق في تنوير الرأي العام.
.وكاتب هذه السطور أحد خريجي المدرسة وقد تعلمت (السواقة )علي يده وطبعا (ملح)و بخدمات اضافية مع ذات الصرامة والجدية..واتذكر اليوم الأول في ميدان المولد. ولن أنسي يوم الزحمة فقد أوقف عم احمد سيارة المدرسة في (نص)سوق السجانه وطلب مني في كلمة واحده. (سوق)..ولا اعرف الي اليوم كيف إتخارجت من (الكوارو) والركشات واكوام الحديد والسيخ والضجيج والزحام الذي يطاق.
وأمتع اللحظات عندما عبرت الكبري. و(لفيت ) الصواني الكبيرة والشهيرة في الخرطوم.
أما المحاضرات النظرية قبل التخرج فهي أبداع. فالراحل يلقي محاضراته بنفس بساطته وأريحته وذكاء اهله (النويراب) في توصيل المطلوب سماعه. يقدم قواعد المرور والاشارات الدولية وميكانيكا السيارات في قالب السهل الممتنع وبروح الاستاذ المتمكن من مادته.
ربطت بيني وبين عمي أحمد صداقة الفكر والقلم ويطلعني علي مؤلفاته وكتاباته والتي ابتدرها بشجرة العائلة ثم كتيبات أخري في مجالات مختلفه. وعندما رأيت ميله للكتابة حرضته علي الكتابة الصحفية فكتب في عدة صحف ومجلات .
وأفردت له عمودا راتبا في اخر لحظه ولا أنسي فرحته بنشر بالعمود الاول وظل يكتب بلا إنقطاع وأحب الصحيفة واضحي من اسرتها ..ولاقت كتابته رواجا واسعا وكتب عن الخرطوم وتاريخها ومعالمها رابطا الماضي بالحاضر ومذكرا من مآلات المستقبل الغامض وقد صدقت توقعاته. فها هي الخرطوم قد حل بها الخراب والدمار. وهجرها أهلها ومنهم أحمد الزين نوارتها ومن معالمها ومن رجال مجتمعها البارزين ..تدمرت الخرطوم ومات عم احمد بعيدا عنها والعزاء انه لاقي ربه في حوش اهله الواسع وبين الاهل والوداع وحتما تم وداعه وداعا يليق به من إكرام وإحسان.
في زيارتي الأخيرة لحوش بانقا زرته وقد حاصره المرض وآثار الحرب اللعينة سلم علي قائلا اهلا بآخر لحظه ودار بيننا حديث قصير ومتقطع .سالني عن بعض الزملاء والزميلات وعن الاحوال العامه ..
خرجت من عنده وفي الحلق غصة وفي العين دمعه. وذكري ايام قد مضت .ولسان الحال يقول انها الدنيا. نعيش فيها آجالا محدودة وعمر لايزيد ولا ينقص وفرحتنا ان موعدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الحوض.والعزاء موصول لابناءه عاطف وحسن ومحمد واولاد احمد بابكر وانور والهادي وعموم الاهل بحوش بانقا ولجيرانه في الحلة الجديدة وأصدقائه ومعارفه داخل وخارج السودان
.اللهم ارحم عبدك احمد الزين ..واغفر له وعافه واعف عنه. وأكرم نزله ووسع مدخله. اللهم ابدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرامن أهله .وعامله بالإحسان إحسانا. وبالخطيئة غفرانا
.اللهم اسعده في قبره وأجعله في نعيم دائم. في أطيب ثري. وأعز كنف .وأرحم مأوي وأوسع روضة. واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم..


