فنجان الصباح .. أحمدع الوهاب .. يكتب .. هاشم صديق.. وتلك النيمة!!!

” كرهت تفاهة الثوار ….
وكت يبقى النضال قعدة”
“صاحب الملحمة”
كان حوار العدد في صحيفة ظلال والذي يحتل صفحتي الوسط واحيانا اكثر هو ما كان يميز الصحيفة.. وكانت (ظلال) بعبقرية ناشرها ورئيس مجلس ادارتها الاستاذ الكبير عبد العزيز الهندي رد الله غربته قد انتزعت لنفسها بذكاء شديد مساحة من الحرية خاضت بها في السياسة تحت مظلة الصحافة الاجتماعية ما كانت تجدها غيرها من الصحف. كانت اغلب حواراتها مع شخصيات بينهم ونظام الانقاذ ماصنع الحداد ..
وكان غالب كادرها الصحفي من غلاة المعارضين وقتها
عبد العزيز البطل
فيصل الباقر
صلاح شعيب
محمد عكاشة
وشهادة مني للانقاذ ففي خلال عام كامل في رئاسة تحرير ظلال لم امثل يوما امام لجنة الشكاوي بمجلس الصحافة والمطبوعات ولم يتم استدعائي لمكاتب جهاز الامن. وقد سئل البروفيسور عثمان ابوزيد وقد كان وقتها الامين العام لمجلس الصحافة عن ما اسموه تجاوزات ظلال فقال ما معناه ( استوعبتها السماحة السودانية).. وبالفعل فقد فازت بجائزة افضل صحيفة اجتماعية عدة مرات..
في منتصف العام ١٩٩٦م اجرت ظلال حوارا صحفيا مطولا مع الاستاذ هاشم صديق.. وكانت كمية الهواء الساخن فيه- بمقاييس ذلك الزمن- اكبر من طاقة النظام الحاكم على احتماله.. والزمان تمكين.. والخطوط حمراء.. والسكين أيضا ..
حلق فيه الرجل في سماء الستينات والاكتوبريات ومدرسة الكادر والاحفاد.. وسلق فيها الحكومة بألسنة حداد.. ولم ينس تجربته الشعرية و(تلك النيمة) في بيت الأسرة ببانت شرق.. وتحدث عن زمالته لمصطفي سيد احمد الذي كان قد رحل قبل شهور قليلة.. تفاصيل طويلة لآخر لقاء له معه في الخليج ذكر فيها حتى رقم تلفون الفنان الراحل.. وهي تفاصيل اتصل بي الاستاذ الكبير حسين خوجلي منتقدا لها فهو صاحب مدرسة السهل الممتنع وصاحب مقولة( انني اعجب ممن يكتب افادته في صفحات كان يكفي اختصارها في سطور.. فالفكر لا يقاس بالحواشة).. قلت له يا استاذنا اوافقكم الرأي غير ان هذا الحوار توثيقي اولا ثم انه مهما طال يمثل( هايد بارك) لجيل كامل من الشباب للهروب من بؤس الحاضر ووطأة اللحظة الراهنة.. اللحظة التي لم يجد معها الامام الصادق مهدي سوى الهروب في ( تهتدون)..
وبالعودة للحوار بعد استطراد طال.. قلت لأسرة التحرير في الاجتماع الصباحي.. نحن امام حوار رائع ولكنه ايضا عبوة ضخمة من الديناميت شديدة الانفجار.. وبخبرة ٥ سنوات في مطبخ صحيفة السودان الحديث حيث كنت ضمن اول ٤ اختارهم استاذنا الراحل الكبير محمد سعيد معروف لاول صحيفة تصدر بعد ٣٠ يونيو.. طلبت منهم ان يتركوا لي مهمة تبريد الحوار من دون اي تدخل بالحذف او الاضافة لأي اجابة.. قلت لهم انني امثل اليوم دور رجل الإطفاء
وصدر العدد الذي نفد باكرا في المكتبات وهو يحمل عناوين على شاكلة..
لم اقرأ كتابا واحدا في الماركسية!!
علي عبد الله يعقوب من اساتذتي بالاحفاد..
وفوجئنا بهاشم وهو حالة غضب شديد يقول ( يعني من كل الحوار ده مالقيتو غير هذه العناوين )..؟!!.. وقد تولى اصدقاؤه الهندي والباقر وشعيب تحت شعار ضرورات المرحلة تهدأة ثورة الرجل.. بل انتزعوا منه قصيدة جديدة
انتبه..!!
لا تبرى نجما تقرا في وهمو الطريق
بكره يعتمدك غريق !!
وفي نهايات العام ١٩٩٦م نشرت إحدى الصحف قصيدة جديدة للأستاذ هاشم صديق قال انه يعالج بها طريقة جديدة في الشعر ضمن تجربته الشعرية..
تحدث فيها حديث النوستالجيا والحنين والبكاء علي اطلال الستينات وحلقت القصيدة مرفرفة فوق سنوات انجبت اروع القصائد والدواوين والاغاني ونجوم الكورة والمسرح وسفح دموعا مدرارة على كتف امدرمان في الستينات.. الستينات التي يسميها صاحب الوان ( سيدة سنوات القرن العشرين)..
وكتب الراحل عبدون نصر في ( قمم وسفوح) بالوان باعجاب شديد عن هذه القصيدة الرائعة وعبدون مثل هاشم صديق مثل كثيرين مصاب بما يسميه الاستاذ عثمان نمر ( متلازمة الامدرمانومانيا).. ولكن عبدون له الرحمة عاد والتقط بذكاء ماوقع فيه صاحب الملحمة من تناقض فهذه (السنون التي سكب عليها الدمع الهتون) هي ذات الفترة التي شهدت الملحمة وثورة اكتوبر و هي ذات الزمان الجميل الذي شيد فيه نظام عبود المسرح القومي واسس التلفزيون إلى آخر المنجزات المبهرة لذلك العهد الذي رفع شعار احكموا علينا بانجازاتنا..
وعارضمتموه بشراسة..
وقال قائلهم يومها
عهد فسادو
واستبدادو
الله لا عادو
رن هاتفي في صبيحة ذلك اليوم واذا به هاشم صديق نفسه يتصل محتجا بشدة على ماورد في الصحيفة وكنت قد عدت اليها كاول مدير لتحريرها بعد الانقاذ وقد كنت آخر سكرتير لها قبل ٣٠ يونيو..
قال لي وهو يكاد يتميز من الغيظ بما معناه خلونا في حالنا ( دي تجربة جديدة ادوها فرصة لتأخذ نفسها واري من الانصاف ان تتركوها تتبلور وتعطوها زمن لتنضج)!!..
ادركت يومها ان الاستاذ هاشم الذي كان شديدا على كل الانظمة و الشديد الانتقاد للانقاذ بالذات لا يطيق أي نقد لتجربته الابداعية ويضجر منها ويضيق بها صدرا ..
وكان يتعين عليه ان يدرك باكرا ( انه مثلما يدين الفتي يدان) كان الرجل يعيش دوما تحت وطأة نظرية المؤامرة والاحساس وهما او حقيقة بأنه مستهدف من كثيرين .. ولذلك راح يطلق الرصاص في كل الاتجاهات ولم يسلم منه حتى اصدقاؤه الاقربون ابو الامين وعركي.. وعلى وقع الإحساس القاتل ب ( المؤامرة) حظر على الاذاعة والتلفزيون وغيرهما وبحكم المحكمة بث كثير من الأغاني وحرم منها المستمعين لسنوات طوال..
وفي رايي ان سني المعارضة والمكاجرة للانظمة والتي حمل لواءها هو شخصيا لعقود طويلة
كانت خصما على تجربته الشعرية والابداعية.. وان فترة اختياره السفر إلى الماضي والبقاء تحت اطلال الستينات والاحساس بالاستهداف قد حرمه من الدخول للقرن العشرين. وحكم عليه بأن يكون غصبا عنه وعنا جميعا مبدعا ولكن ب(المعاش) ..
رحم الله الاستاذ الكبير هاشم صديق وقد رحل والسودان في مفترق طرق يلبس ثوب الحداد.. وامدرمان مجللة بالسواد والرماد.. وقد رحلت عصافير الجنة عن تلك النيمة من غير ميعاد..
وبرحيله تفقد الساحة الفنية والادبية وتفقد امدرمان تحديدا – كما قال الطيب صالح- ( شيئا رائعا إلى الابد)!!!


