ثقافة عامة..(13) .. د. عبد الرحيم حاج الامين .. يكتب ..الجميلة والأسد قصة واقعية

تعود قصة “الجميلة والوحش” إلى الفلكلور الفرنسي، إذ كتبته الكاتبة الفرنسية غابرييل-سوزان باربو دي فيلنوف عام 1740، وقد ألهمت القصة العديد من الاقتباسات والأعمال الفنية لاحقًا، بما في ذلك أفلام ديزني الشهيرة.
أما هنا، احكي لكم قصة حقيقية مستوحاة من واقع مختلف، ارتبطت بجميلة ووحش. سردها لنا أحد أبناء القوات النظامية في السودان.
كان بطل قصتنا ضابطًا في إحدى القوى النظامية، وقد قادته التنقلات الوظيفية إلى مدينة قاصية، حيث أن طبيعة عمله ربطته بمحمية طبيعية شهيرة في تلك المنطقة. هناك، وقع الضابط أسير قلبه لجمال فتاة من أهل المنطقة. وعلى الرغم من محاولاته المستمرة، لم تبادله تلك الفتاة المشاعر. إلا أن إصراره دفعه إلى التقدم لخطبتها، مستعينًا بمكانته ومركزه الاجتماعي، و تشجع أسرتها على القبول به، وأجبرت الفتاة على الزواج منه، على أمل أن يجلب الزواج نوعًا من التقارب بينهما.
بعد الزواج، بذل الزوج كل جهده لكسب قلب عروسه، محاولًا إسعادها بشتى الوسائل، لكن دون جدوى. رفضت الزوجة الاقتراب منه أو التفاعل معه، رغم محاولاته المتكررة. أخذها إلى مدينة “كسلا” لقضاء شهر العسل، أملاً في أن تكسب المدينة سحرًا يؤلف بين قلبيهما، لكن بقيت الزوجة على عنادها. استعان الزوج بالوساطات من صديقاتها وزوجات الأصدقاء، لكن دون فائدة، إذ ظلت عروسه متصلبة ورافضة لأي نوع من التواصل.
قرر الزوج أخيرًا أن يجرب فكرة أخرى وأمل باكر، ربما تعيد المياه إلى مجاريها المتوقعة . حصل على إجازة ممتدة، وسافر برفقة زوجته إلى القاهرة، على أمل أن يساعد السفر في إذابة الجليد بينها، لكن بقيت الزوجة نافرة، غير مبالية بكل محاولاته. وبعد عودتهما إلى السودان، نفد صبر الزوج، وأبلغ زوجته بنيته إعادتها إلى أهلها لعدم توفيق النصيب بينهما. ومع ذلك، كانت في قلبه رغبة أخيرة في قبولها له.
في محاولة أخيرة من الزوج الصبور، افتعل الزوج مكالمة هاتفية مع مديره تطلب منه إحضار مستندات معينة من المحمية الطبيعية القريبة من بلدة زوجته، طالبًا منها مرافقته، فوافقت على مضض، على أمل عودتها إلى أهلها بعد هذه المهمة. عند وصولهما إلى المحمية، وجد استقبالًا واحتفالًا كبيرًا أقامه زملاؤه له بمناسبة زواجه، وتلقى منهما كرمًا سودانيًا خالصًا.
بعد الحفل، دخل الزوجان إلى استراحة أُعدت لهما، وقضيا ليلتهما الأخيرة معًا هناك، واتفقا على العودة صباحًا. نامت الزوجة بعيدًا عن زوجها كعادتها، وأثناء الليل، تسلل أسد من المحمية الي جوار الاستراحة مصدراً اصواتا مجلجة، فانتشر الخوف والذعر. هرعت الزوجة المرتعبة إلى زوجها واحتمت به وبغطائه، لتقضي بجواره ليلة لم تكن كسابقاتها، وكأن الخوف من الأسد كان بداية لاحتضان جديد بينهما. استمر حتى الآن.
يقولون أن الخوف قد يكون محفزاً لنشوء الحب، لكن ليس الحب العميق أو الصادق الذي يرتكز على الثقة والتفاهم. في بعض الأحيان، قد يولد الخوف انجذابًا عاطفيًا أو نوعًا من التعلق بشخص ما يشعرنا بالأمان، خاصة في الظروف الصعبة التي تجعلنا نبحث عن ملجأ عاطفي.
ومع ذلك، الحب الحقيقي ينبع من رغبة متبادلة في التقارب والإحساس بالراحة مع الآخر، بعيداً عن الضغوط أو المشاعر السلبية مثل الخوف. بينما قد يشعر البعض بالارتباط العاطفي نتيجة للخوف أو الحاجة، فإن الحب الناضج يتطلب الثقة، الإخلاص، والاحترام – وهي مشاعر لا يمكن أن ينشئها الخوف بمفرده.
الله غالب…
د. عبدالرحيم حاج الأمين
القاهرة 13 نوفمبر 2024


