مقالات الرأي

فنجان الصباح أحمدعبد الوهاب يكتب عبود ياجبل الحديد !!!

 

في ذلك الصباح الباكر من أحد ايام اكتوبر ١٩٦٥م طرقت الباب.. يقول محدثي- والباب بلا حراسة والسور قصير جدا.. مصنوع بذوق.. كأنه ديكور لرواية سودانية عن زمان الامن والامان الاسطوري .. مجرد بيت عادي مثل كل بيوت العمارات به بعض فخامة بمقاييس ذلك الزمان الرخي.. وثمة صوت لراديو ترانزيستور يبث برنامجا صباحيا اسمه ( اشراقة الصباح) يعده ويقدمه حمدي بولاد..( اين هو الآن في زحام الاحداث والأحزان ؟) كانت نسائم اول الشتاء السوداني ( اجمل شتاء في الدنيا) بتعبير الاديب المصري عباس خضر تختصر كل نداوة الخرطوم وطراوة حي العمارات الراقي وكان عبير الفل يسافر عبر الازقة والدروب وكانت كل البيوت تهديك انفاس العطور ونفحة الريفدور..

كان البيت الذي اقصده جميلا في بساطة و اناقة وذوق..

كنت اتوقع حراسا اشداء وسكرتارية تدقق في طلبي وتعطيني موعدا غير قابل للوفاء

ولكني لم اكد اكمل الطرقة الثانية حتى انفتح الباب عن رجل مهيب الطلعة وخطه الشيب ويرتدي جلابية بيضاء ويعتمر طاقية.. كانت صورة الرجل أليفة لدي واذا هو معالي الفريق ابراهيم عبود نفسه..يفتح الباب ويرحب بي في حفاوة من يعرفني من زمن بعيد.. وبكل اريحية أهل السودان اخذني لصالون المنزل العامر..

وطفق ببساطته المعهودة يسألني عن الاحوال العامة والخاصة وهو لا يعرفني ..

قلت له ياسيادة الرئيس انا صحفي بصحيفة الايام و مكلف من الاستاذ بشير محمد سعيد لاجراء حوار معكم لصالح الصحيفة َ بمناسبة الذكرى الأولى لثورة ٢١ اكتوبر.. اعتدل الرجل في جلسته واكتسى وجهه بصرامة الضابط العظيم وقال شوف يا ابني لقد آليت على نفسي منذ خرجت للمرة الأخيرة من القصر الجمهوري ألا اخوض في السياسة ابدا.. لقد أديت واجبي وخدمت وطني جنديا و رئيسا وانا راض تمام الرضا عما قدمت لبلدي وشعبي.. والآن تركت السياسة لأهلها .. لقد صرنا جزءا من تاريخ السودان السياسي.. والتاريخ سيحكم لنا أو علينا..) ( ولكن اكراما لزيارتك هذه ساعطيك بعض المعلومات لتساعدك في التحليل ولكنها ليست للنشر.) واومات اليه موافقا.. واستبقت حديثه بسؤال..

سيادة الرئيس هل صحيح انك طردت وفدا رفيعا من دولة خليجية جاء قبل الثورة يطلب منكم الزام الحزب الفلاني لاعادة مبلغ مليون جنيه استرليني كانت حكومتهم دفعتها للحزب لتمويل حملته الانتخابية؟!!

قال نعم.. لقد اعتذرنا لهم .. بلطف قلنا لهم لن نلزمهم بدفع هذا المبلغ، فنحن نعرف ظروف الحزب المالية.. انا واثق جدا من رغبتهم الاكيدة في اعادة المال.. فاصبروا عليهم.. وعاد الوفد من حيث اتى..)

كان محدثي هو الصحفي الراحل محمد عمر الخضر اول رئيس تحرير لصحيفة ناطقة بالإنجليزية في الخليج..

وقال لي قاطعته وقلت ياسيادتك اراك تتحدث باحترام عن هذه الاحزاب وتدافع عنها و عن هذا الحزب بالذات وقد ظل يناصبكم العداء.. وقام احد زعمائه بامامة الصلاة على الشهيد القرشي..!؟

قال لي با ابني ان السودان بالنسبة لي عبارة عن خيمة كبيرة وهذين الحزبين الكبيرين بالذات هما بعض اوتاد هذه الخيمة ولم اكن اسمح لهذه الخيمة ابدا بأن تتداعي وتسقط..)

لم يظفر محدثي بحوار ولكنه خروج مندهشا من بساطة الفريق ابراهيم عبود الذي كان إلى ماقبل عام (رجل السودان القوي) .. (عبود جبل الحديد) كما هتف له الشعب ذات يوم.. وخرج الصحفي معجبا بعظمة هذا الرجل المدرسة في السياسة والعسكرية والذي لا يحمل حقدا ولا موجدة على احد حتى على ألد خصومه السياسيين..

وليس زعيم القوم من يحمل الحقدا..

ولم تكد تمر سنوات قلائل حتى خرج الشعب يهتف للرجل

(ضيعناك وضعنا معاك يا عبود )..

زر الذهاب إلى الأعلى