إسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد إبن خلدون يتنبأ بتأهل المنتخب السوداني

خرج منتخبُنا من بيئة السودان، فتأهل لنهائيات الأمم الافريقية 2025م بالمغرب.. معظمُ المبدعين من اهل السودان أبدعوا بعد ان خرجوا من بيئة السودان، في كل المجالات، علوم شرعية وعلوم تجريبية، فنون، آداب، وغير ذلك.. لماذا؟ هل بيئة السودان خالية من الابداع؟ لماذا يُبدع أبناءُ السودان خارج الوطن، وبالداخل لا نرى لهم إبداعات تُذكر مقارنةً بالتي خارج الوطن؟
يقول إبنُ خلدون (المتوفى سنة 1405م، وهو الأبُ الروحي لعلم الاجتماع، في مقدمته المعروفة ( مقدمة إبن خلدون) يقول: إنَّ البيئةَ لها أثرٌ على فكر الإنسان وبناء شخصيته وعاداته وسلوكه، ولكل بيئة عناصرُها وهي ( الهواء والماء والتربة، والحرارة) إنتهى كلامُ إبن خلدون، الذي يرى ان هذه العناصر هي سببا في اختلاف الصفات والسلوك والقيم، وطريقة التفكير، وطريقة التواصل. لذلك تجد أن ابناء منطقة واحدة يتصفون بصفات متماثلة، لدرجة ان نغمة أصواتهم تتشابه، وهذا بسبب اشتراكهم في عناصر البيئة الواحدة التي تم ذكرها. وكل بيئة تؤثر عناصرُها على المخلوقات التي تعيش فيها. على سبيل المثال، نشاهد أنَّ بيئةَ أرض مصر، أثرت على ساكنيها بالابداع و التفوق في الكتابة والتأليف، من رواياتٍ واشعار وتحقيق للمخططات. وتمتاز الجزيرة العربية بالتجارة، وما عرفت به منذ القدم، رحلة الشتاء والصيف. وتمتاز بيئةُ الشام بأنها أرض العلم والعلماء، منهم ابو العلاء المعري والعز بنُ عبد السلام وإبن تيمية والإمام الأوزاعي، رحمه الله تعالى من أئمة أتباع التابعين. وأهل العراق يصفهم الناس بأنهم أهل تمرد، وقال فيهم على رضي الله عنه: أخلاقكم دقاق ودينكم نفاق، ما تتعلقون من الإسلام الا باسمه، ولا تعرفون من الايمان الا رسمه، تقولون النار ولا العار، كانكم تريدون أن تكفئوا الإسلام علي وجهه. مدينة مرو، التي اختفى ذكرها من التاريخ
و تقع الآن في تركمنستان، وهي إحدي مدن خراسان الكبرى، يشتهر سكانها بالبخل حتى، حيواناتهم أثرت عليها البيئة. قال ثمامةُ: لم أرَ الديكَ في بلدةٍ قطّ إلا وهو لا قط، يأخذ الحبةَ بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا دَيَكَةُ مرو، فإني رأيتها تسلبُ الدجاجَ ما في مناقيرها من الحب. قال: «فعلمت أن بخلَهم شيءٌ في طبع البلاد، وفي جواهر الماء، فمن ثمّ عمّ جميع حيوانهم. هذا دليلٌ على ان البيئةَ تؤثر في طباع المخلوقات التي تعيش فيها سلبًا، كان أم إيجابًا. والامثلة على تأثير البيئة على ساكنيها كثيرة، ولناخذ هذه القصة المشهورة، وهي قصة الشاعر علي بن الجهم الذي كان يعيشُ في الصحراء حياةَ فقرٍ ويؤس. نصحه من اشار عليه أن ينسجَ قصيدةً للخليفة العباسي ويُلقيها في مجلسِ الامارة وسط الامراء والمقربون، لعله يَخرجُ منه بعطايا تُخْرِجه من حالةِ الفقر التي هو فيها، فجهز قصيدتَه التي كتبها في جوف الصحراء وذهب بها الى قصر الخليفة، وبدأ يُلقيها قائلا:
أنتَ كالكلبِ في حفاظِك للودِّ..
وكالتيسِ في قراع الخطوبِ..
أنت كالدلو لا عدمناك دلوًا…
من كبار الدلا كثير الذنوبِ..
تَفَهّم الأميرُ اثر البيئة على الشاعر، فقربه منه وأعطاه داراً على شاطئ دجلةَ، وبجواره بستانٌ كبير للمتوكل، فمكث فيه ستةَ أشهرٍ، ليعود الشاعر العباسي من جديد بطلب من المتوكل وبثقافة مختلفة لغةً وفكرًا يتلو قصيدته المعروفة (عيون المها) والتي قال فيها:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ
جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن
سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ..
إلى آخر القصيدة التي وُصفت بأجمل قصيدة في العصر العباسي، حتى إنَّ الخليفةَ المتوكل من إعجابه بالأبيات الشعرية قال (لقد خشيت عليه أن يذوب رقةً ولطافةً)
خرج منتخبُنا من بيئته فابدع، وخرج الطيب صالح من بيئته فابدع، خرج محجوب عبيد من بيئته فابدع، والقائمة لا تسع، هذا لايعنى اننا نعيشُ في بيئةٍ فقيرة الابداع، لا بالطبع الامر ليس كذلك، نحن مبدعون، إبداعًا كاسدًا عند أهل الأرض، رائجًا عند أهل السماء، إبداع نادر، اندر من الكبريت الأحمر، مبدعون في جانب لا ينافسنا فيه أحد، بيئتا بعناصرها الأربعة تبعث وتورث وتؤصل فينا هذا الشي النادر، شئنا ام ابينا، إبداع يرى البعض انه لا يأكل عيشًا ومضى زمانه، إبداع في القيم والأخلاق والشهامة ،على كرم الضيف ونصرة الضعيف. شئنا ام ابينا، وعيادة المريض والتكافل الاجتماعي، ويصفنا الغير بالأمانة والنزاهة. أعجبتك هذه الصفات أم لم تعجبك، هذه هي صفاتك.. أتعبتك،احرجتك، أخذت من جهدك من مالك ومن ماء وجهك من كرامتك.. هذه هي صفاتُك، أعترفت أم تنكرت، كل هذه الصفات جعلتنا غائبين في باقي المجالات، لماذا ؟ لانه- وللأسف- أصبحت الدنيا تجري على مجرى( كلما تدنت أخلاقُك، كلما تحسن اداؤك).. وأنا لا أقول إن هذه قاعدة عامة، ولكنها مدرسة سائدة الي حد كبير، مدرستنا لا يوجد في منهجها مثل هذه الدروس وهذه التعاليم التي تقول إن( اليد التي لا تستطيع عضها، قبلها) وأن تبتسم في وجه من تكره، هذه التعاليم في مدرستنا تسمى(عيبًا وخطأ كبيرًا) بينما في معظم المدارس الأخرى تسمى( دبلوماسية) وفي بعضها تسمى ( ذكاءً) إفعل الخيرَ ولا تنتظر شيئًا من أهل الأرض، فإنهم لن ينفعوك ولن يضروك الا بشيءٍ قد كتبه الله لك أو عليك. مَنْ يَفْعَلِ الخيرَ لا يَعْدَم جَوَازِيه..
لا يَذْهبُ العرفُ بَيْنَ اللَّهِ والنَّاسِ..
الف مبروك لمنتخبنا، الذي اثبت أنَّ من يحمل قيمًا نبيلةً، فإنَّ الظروفَ لن تغير مواصفاته. وهذا الشعب بهذه المواصفات لو كانت له هوية، لحلّق وما لحق به أعتى النسور.. هذه الحقيقة التي يعلمها ويخشاها كلُ صقورِ العالم ويقاتلون حتى لا تكون لهذا المارد هويةٌ فيتوحد، ثم يلتفت لحقه من الثروات التي لا يعرف هو قدرَها واهميتها حتى الان.. ولماذا يتصارع العالم على أرضه؟ الهوية هي التي تحفظ حقَ كل مواطن وتشعره بالانتماء والولاء لهذه الأرض، وهذا ما يخشاه غيرُنا من المنتفعين بثرواتنا …
والله أعلى وأعلم.
26 نوفمبر 2024م


