إسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد يكتب دولة الحضارات السودانية المتحدة

الخروف سواكني والفول سوداني والصمغ عربي، كلُّ هذه الأشياء تسقى بماءٍ واحدٍ وفي تربةٍ واحدةٍ، ثم اختلفت هويتُها، لماذا ؟؟
عفواً، سيداتي سادتي، ننتقل الآن الي هذا الخبر العاجل: أصدرت جمعية حماية المستهلك في السعودية قرارًا يقضي بضرورة تسمية القهوة العربية بـ”القهوة السعودية” وقررت أن عدم الامتثال لهذا القرار، يُعدُّ مخالفة… إنتهى الخبر.. وبمجرد انتهائه دخل القرارُ حيِّز التنفيذ وأصبح معمولًا به.. هذا قرار صائب، ويعكس مفهومًا راقيًا، أعاد للقهوةِ هويتَها و للمملكة حقها. إنها نقطة مهمة تم تسجيلها لصالح الوطن. مثل هذه المكتسبات لا تُقيّم بحجمها ولا بوزنها ولا بسعرها، إنها أغلى وأكبر من ذلك لأنها جزءٌ من فلكلور الأمة، فلكلور له قيمتُه التراثية، فلكلورٌ متوارثٌ فيه عَبَق الأجداد ، وله قيمته الوطنية ( هذه القهوة لنا) إنه صدقُ الولاء وعمقُ الشعور بالانتماء، هذا قرار من آلاف القرارات التي قفزت بالسعودية من برج الطين في حي منفوحة جنوب الرياض الي ناطحات السحاب شمالها، كل من يزور المملكة العربية السعودية يُدرك أنَّ في هذا البلد مفكرين لهم أهدافٌ، ويعرفون كيف يحققونها، مفكرون تجاوزا التفكير التقليدي وعرفوا الكون وقوانينه واحترموا هذه القوانين وتعاملوا معها واستفادوا من نتائجها، لا يهابون التغييرَ ويعلمون أنه سنةُ الكون، يعلمون أن التمسكَ والجمودَ توأمان. امةٌ تفكرُ بهذه الطريقة شأنُها التطور والرقي والتوجه بوعي نحو جودة الحياة لأنها أمة تعطي القرارَ لمن يبصره فلا تناكف ولا تعارض ولا تكون عقبة امام التغيير،. امةٌ بهذه المفاهيم تتناغم مع الكونَ ويتفاعل معها، ومن ثم تتيسر كلُ امورِه وتمضي بيسر وسلاسة.. مخطئٌ من ظنَّ أنني أُجري مقارنةً بين هذه الامة، وأمةِ الخروف السواكني والصمغ العربي والفول السوداني، لأنَّ أمةَ الصمغ والفول والخروف لا تستطيع ان تنسب أي من هذه الثروات ولا غيرها إلى هويتها كيف، وهي لا هوية لها؟ ( فاقد الشي لا يعطيه) لو انها نسبت اليها الخروف ليصبح سوداني والصمغ ليصبح سوداني والفول السوداني، الذي هو أصلًا منسوبٌ الى العبيد، اسمه الأصلي ولازال ( فستق العبيد) وللمعلومية إن ترتيبنا في انتاج فستق العبيد دوليا يأتي في المرتبة الخامسة بعد السنغال، فلا علاقة لنا بهذا الفستق سوى اللون، فإذا قررنا ان ننسب هذه الأشياء الي السودان فسوف يعود النسب الى سلالة السودان المنتشرة على وجه الكرة الأرضية، والتي يقدر نسبتهم بـ 15% من سكان العالم (لم أتأكد من صحة هذه النسبة).. لم يكن يوما من الأيام اللون منقصة او محمدة لأي مخلوق، فنحن هذا لوننا ولن نستطيع ان نتعايش مع أي لون غيره، ولكن لا يصح ان يكون هو هويتنا ولا يجب ان يكون هوية لأي مخلوق، ولا أعتقد ان في هذه الدنيا مخلوق هويته لونه سوانا نحن، فلم نسمع بدولة البيضان ولا دولة الصفران ولا الحمران. أن تتنازل عن حقك هذا ظلمٌ لنفسك، أما أخذك لحق الغير هو الافظع، أما نحن فقد فعلنا الاثنين معا تنازلنا عن حقنا، أرض الحضارات والممالك، تنازلنا عن كوش والعبد لاب والفونج والانقسنا ومملكة الزغاوة وممالك وسلطنات دارفور ومملكة البجا، تنازلنا عن حضارات وعراقة سكان جبال النوبة وكردفان الغرة ام خيرا جوة وبره، و السلطنة الزرقاء وإنسان سنجة واهرامات البجراوية.. كل هذه الحضارات تم شطبها بكلمة واحدة ليطلق عليها إسم يحمل مدلول عنصري بغيض وهو (السودان).. أما اعتداؤنا على حق الغير وهم أهل السودان الخلّص من بقية سود العالم، نحن احتكرنا هذا اللون الأسود واقصينا بقية سودان العالم، ولن نقبل ان ينتمي أي اسود غيرنا الي السودان، كأنه لا يوجد في هذا الكون سودان غيرنا. إن أي سوداني من سودان العالم لو قال إنه سوداني، تجدنا نحتج ونزعل ونرفض ولن نقبل ان ينتمي هذا الأسود الي السودان، فقط نحن السودان ولا سودان غيرنا، علما ان كتب تراث الادب العربي كلها أجمعت بأن سادات السودان أربعة، هم النجاشي وبلال من سودان الحبشة، ولقمان من سودان مصر، ومهجع مولى عمر بن الخطاب من سودان اليمن، هل في هؤلاء (زول؟) غنينا للسودان ما لم يغني له السودان الخلّص من سودان افريقيا الذين لم تختلط دماؤهم ولا أعراقُهم بأي دمٍ ولا عرق آخر مثل ما اختلطت دماؤنا نحن الازوال (عرب وزنج ونوبة) هؤلاء السودان الخلص لم نسمع يوما أحدًا منهم ردد (انا سوداني أنا) ولكنهم يغنون لأوطانهم بأسمائها، لأنَّ اللونَ بالنسبة لهم لا يعني شيئًا، بينما اعتمدناه نحن كهويةٍ لنا. يعتقد الكثير من الأزوال أن السودانَ معروف كدولة لها حدودها الجغرافية والسياسية، وهذا مفهوم خاطئ، السودان كدولة ووطن لا يعرفه كلُ الناس، معظم أهل الأرض يعرفون الحقيقة، وهي أنَّ السودان قومٌ وسلالة، موطنُهم أرضُ أفريقيا، فلو قلتَ أنت من السودان، وجب عليك ان تحددَ من أي دولة انت من دول السودان، وهذا السؤال من اصعب الأسئلة التي تواجهنا في الخارج، أقولها كتابةً- ويشهد الله على ذلك- أنني وجدتُ في دولة افريقية، مواطن افريقي سوداني من أصل الدولة التي زرتها، قال إنه لا يعرف دولةً اسمها السودان، نعم هذا ليس مقياس ولكنها حقيقةٌ موجودة. اما المثقفون من سودان إفريقيا، إن قلت لهم انا من السودان، يأتي السؤال مباشرة من جنوب السودان ام من شماله؟ هؤلاء السودان سمعتهم ورأيتهم يغنون وينشدون لأوطانهم بأسمائها، ويفتخرون بذلك، ولا حاجة لهم في أن يعرّفوا أنفسهم بلونهم كما أنهم وبمجرد النظر اليهم تعرف أنهم سودان فهذا شي واضح حتى المصابون بعمى الألوان يفرزون بين السودان والبيضان.
إن اي قائد يصل الي قيادة سودان ( الازوال) إن لم يضع موضوعَ الهويةِ في أولويات أعماله، فهو إنسانٌ تقليدي، ولا يَصلُح أن يكونَ قائدًا، طالما انه يفكر داخل الصندوق، كمن سبقوه، وسوف يظل يعاني وتتفاقم أمامه المشاكلُ، وعلى رأسها الصراع المسلح الذي أساسه الهوية، ثم يسأل مثله مثل غيره السؤال التقليدي الذي يساله عامةُ الناس وهو ( لا أدري أين المشكلة؟فقد عملنا كل ما بوسعنا ولازالت المشاكل تتوالى علينا).. يا أيها القائد (لفظًا) عليك ان تفكرَ، طالما ان مشاكلنا غير تقليدية فيجب أن تكون الحلولُ أيضا غيرَ تقليدية، وهذه مهمة القائد الناجح. إذًا الغلةُ تكمن في طريقة التفكير، عندما لا يبدع القائد، ويكون تفكيرُه كما يفكر العوام، غير مقتنعٍ بأهيمة الهوية، فيقول لك وبكل سذاجة ( يعنى لو غيرنا الاسم هل سوف تحل مشاكلنا؟) وهو لا يدري أنه ليس هناك اسما أصلا لتغييره، ولكن المطلوب اختيار اسم لوطن شامخ كل ما ينقصه هو (الهوية).. ما أكثر الذين يتجاهلون امرَ الهوية ويعتبرونه شيئًا ثانويًا، ويصعب التعامل معهم ويصعب اقناعهم، لأنَّ مخاطبةَ العقول ليس بالأمر الهين كمخاطبة العواطف، مخاطبةُ العقول تهز أركانًا وتحرك ثوابتَ وتقدح في معتقداتٍ يظن البعضُ أنها مقدسة، الإقتراب منها ممنوعٌ، ومن يقترب مفقود مفقود مفقود. هذا الصنف من البشر إن قلتَ له: أنت لا هويةَ لك، يصاب بالصدمة، وكأنما قلتَ له انت ابنٌ غيرُ شرعي، والابن غير الشرعي أن يعرف هذه الحقيقة ويتقبلها ويبحث عن أسمٍ ينتمي اليه أفضل له من ان يتجاهلها فتتعقد أمورُه وتتعثر حياتُه، ثم يُصاب بالاكتئاب الذي قد يؤدي الى الانتحار، ثم يأتي الطبيب الشرعي ليحدد أسباب الوفاة أن كانت بفعل فاعل أو بسبب الانتحار، ثم ماذا يضير الشاة سلخُها بعد ذبحها؟ واللبيب بالإشارة يفهم. لذا فإنني أرى انه ليس مطلوبٌ من كل الشعب ان يفكرَ بطريقة إبداعية، يكفي- في مثل هذه الحالات- ان يكون القادةُ مبدعين في تفكيرهم وهم الذين يصدرون القرارات التي تنقل الامة نقلة نوعية.
من حقنا أن يكون لنا وطنٌ له اسم كسائر شعوب العالم وبقية شعوب السودان، نعم هذه حقيقة اننا حتى الان بلا هوية، هذه الحقيقة استعصى فهمها على المتعلمين وغير المتعلمين، على المثقفين وغير المثقفين، منهم من لا يعرف ولا يؤمن بقوانين الكون ومنها قانون الجذب الذي حاليا يجذب لنا السودان من كل صوب وحوب، هذه القوانين التي لها مدلولاتها الشرعية، ولايعرف اثر الاسم على المسمى- بالرغم من انه هدي نبوي- و لايريد ان يسمعَ غير الكلام الذي يريحه ويقع في نفسه موقعا حسنا، هؤلاء هم الذين لا يريدون مغادرة منطقة الراحة، ولا يمضون قدما قيد أنمله نحو التغيير، يعيشون في كسلٍ فكري ويحلمون بالرخاء وفي حياة آمنة. سنظل دائما في حالة انتظار، انتظار حكومة جديدة، انتظار المعونات، انتظار قرار دولي، إنتظار ان شيئًا ما َ سيقع، ثم لا يحدث شيءٌ ولا يتغير شيءٌ إن لم نغير طريقة تفكيرنا. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11]؟ أتمنى ان تكون الفكرةُ قد وصلت ولم يبقى لك سوى ان تسألني: ولكن ما هو الاسم المقترح لهذا الوطن؟ أقول لك: حسنا ، أقترح ( دولة الحضارات السودانية المتحدة).. إسمٌ كهذا يجعل كلًا منا يشعر بالانتماء والولاء وحب هذا الوطن الذي يعكس ويمجد حضاراتنا فنتحد لحمايته والحفاظ عليه والدفاع عنه، إسمٌ يجمع كلَّ مواطنيه تحت اسم واحدٍ وشعورٍ واحدٍ لا فرق فيه بين (سودان وصفران وحمران) وتكون لنا هويةٌ مميزةٌ نفتخر بها وننتمي اليها،فتقول ملء شدقيك: (أنا من دولة الحضارات السودانية المتحدة) ونسبي حضاري بلا فخر وبلا منازع، فلا احد يذكر لونَه ولا عرقَه، كلُّنا أبناءُ حضاراتٍ قديمةٍ قِدَمَ التاريخ، إتحدت وكوَّنت هذا الوطن الشامخ، ثم تغيَّر نسبُك من لونٍ الي حضارات وهذه هي العلامة الفارقة..
والله أعلى وأعلم..
17 ديسمبر 2024م


