أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسَيْد يكتب أَعْلامُ السودان

من باب التفاؤل، قلتُ لصاحبي يوسف: تمنيتُ لو أن كاتبًا من كتّابنا يكتبُ عن دورِ السودان واثرهم في الحضارة الإسلامية فاجأني يوسف بالرد السريع قائلًا: السودان دورهم وأثرهم في الإسلام معروف ولا يحتاج إلى أي إضافة، لا منك ولا من غيرك، ثم بدأ يسرد قائمةً طويلةً لأسماء السودان الذين كان لهم اثرٌ واضحٌ في التراث الإسلامي والأدب العربي، مثل، بلال والنجاشي والاخضر اللهبي شاعر بني هاشم (حفيد أبو لهب) وأبو زيد الهلالي والجاحظ وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ولقمان الحكيم و وحش الحبشي و مهجع- اول شهيد في بدبر- وسديف الشاعر، و حسن البصري و سليك بن سلكة والمقداد بن الأسود والخليفة العباسي إبراهيم بن المهدي وأبي دلامة و نصيب ونافع وجليبيب وزرياب وفرج الحجام.. أخذ يُعدد السودان من صحابةٍ وأمراءَ وخلفاءَ وتابعين وفقهاءَ و أبطال وصعاليكَ وشعراءَ ومطربين ومجانين وماجنين، يذكرهم بعشوائية دون وضع اعتبار لأسبقية الزمان ولا قدسيةِ المكان ولا أفضلية الشأن، أسماءٌ مجردة من الكُنى و الألقاب والمناصب. فقط كان يعددهم أسمًا تلو الآخر بلهجةٍ ممزوجة بالغم والغبطة، حتى قلتُ له: حسبك يا أخي، حينما قلتُ لك نبلاء السودان كنت أقصد دولةَ السودان الحالية، ولكنك ذهبت إلى السودان القوم المعروفين بتكوينهم من الزنج والحبش والنوبة. فقال لي: غريبة أن يصدر مثل هذا الكلام منك انت بالذات، بعد أن اقنعتنا أنه ليس هناك في التاريخ وطنٌ بعينه اسمه السودان، إنما توجد سلالةٌ تُسمها السودان، وبموجب مفهومك هذا انا اجبتك، ثم قال عبارته المشهورة (سبحان المعبود) يقولها عندما يتعجب وعندما لا يعجبه الشيء قولًا كان او عملا، اما عبارة (ياستار استر) فهذه يقولها عندما يتوقع المكروه ،وبما أنه سوف يكون رفيقي في هذه الجولة، وجب عليَّ ان اعرفَكم به.
يوسف انسان- كما تقول العامة- لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، خالي تعابير الوجه، لا تعرف فرحانٌ هو ام زعلان، عبارة عن لوحة تناقضات متحركة، شايقي من منطقة الجعلين، ختمي يرتدي جلابية أنصارية، خريج كلية الزراعة، ومدير خط انتاج في مصنع كيماوي، يجوّد الأغاني ويخطئ في القران، متزوج ويسكن مع أطفاله دون أمهم، شجاعٌ إذا ما أمكنته فرصة و إن لم تكن له فرصةٌ فهو جبان، حار جاف في الشتاء ، بارد هين في الصيف يأكل واقفًا ويصلي جالساً، حتى سيارته، ماكينتها في الخلف (من نوع فلوكسواجن) يصوم الاثنين والخميس، ويفطر رمضان، يقول صيام الاثنين والخميس عبادة وحمية، ويفطر رمضان بسبب مرض السكر. قال لي إنَّ اباه كافأه وعاقبه، فاورثه مرض السكر وكافأه بمنزل لا باس به، أرسل لي صورةً لمنزله الموروث معلقاً عليه بهذه العبارة: (كل الذي فوق الترابِ ترابُ).. قلت له: أنا لم أفهمك، هل انت قنوعٌ أم يائسٌ، أم أنَّك زاهد!! قال لي: لا هذا ولا ذاك، أنا إنسان متوازن، اتعاملُ مع المصيبةِ مثلما اتعاملُ مع النعمة، لا أفرحُ بما آتاني ولا آسى على ما فاتني، والحمد لله أنني راضٍ عن ذاتي كل الرضا.. قلتُ له: فعلًا، والدليل على ذلك أن أسمك يوسف وليس لك له من حُسْنِهِ نصيب ولكنك راضٍ.. قال: إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.. قلت له: طالما أنت تطرقت للسودان وأثرهم في الحضارة الاسلامية، فأنا لن اسمح لهذه الخاطرة أن تمرَ مرورَ الكرام. تعال معي ندخل في شجونهم ونتعرف عليهم، سيَّما أمامي حاليا كتاب (أثر السود في الحضارة الإسلامية) كتاب حديث، للكاتب العراقي رشيد الخيّون، وأمامي رسائل الجاحظ المتوفى عام 255 هـ (فخر السودان على البيضان)وهذا كتاب (تنوير الغبش في فضل السودان والحبش) لجمال الدين أبو الفرج الجوزي (ت ٥٩٧هـ) ومجموعةٌ من كتب السِيَر والمغازي.. ثم قلت ليوسفَ: وأنت بدورك أُقطُف لنا شيئًا ندرجه في موضوعنا هذا، ويكون سهمًا لك في دور السودان وما لهم وما عليهم في الحضارة الإسلامية والعربية، فقال لي: المقالُ مقالُك، والموضوع موضوعك، أضف إلى ذلك أنا لا أعرف العنصريةَ، لا السودان ولا البيضان ولا الصفران.. قلتُ له: ليس هناك عنصريةٌ في هذا الموضوع، أنا أتكلم عن تنوُّع لا عن تفضيل، وقد كتب الناسُ في مناقب الترك والفرس والروم وفضل أهل الشام، وغيرهم من أهل مصر والعراق والحجاز، والسودان قومٌ من هذه الأقوام، فلا ضيرَ أن تكتبَ عنهم، شأنُهم شأنَ غيرِهم، ولكن صاحبي هذا ذكي ومطلع، فسألني قائلاً: طالما السودانُ قومٌ من هذه الأقوام، فإنَّ هذا يعنى أن الحديثَ عن هذه الأقوام تلقائيًا يشمل سودانَهم وبيضانَهم وصفرانَهم وكلَ ألوانِهِم، فمثلا عندما تكتب عن العراق، فإنّ الحديث يشمل- أيضًا- ًسودانَ العراق، وهكذا الحال بالنسبة لسودان مصر وسودان الشام وسودان الحجاز، فلماذا عزلتهم؟ قلت له: إنها خاطرةٌ لطيفة خطرت على بالي ولم يكن القصدُ تمييزًا أو تفضيلا، اما تفضيل الناس على بعض فقد اوضحه الله عز وجل في سورة فاطر الاية 32 : ، قال الله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ).. أما مسألة الألوان، فإنها آيةٌ من آيات الله عز وجل، كما جاء في سورة الروم اية رقم 22 وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْعَٰلِمِينَ).. إقتنع يوسفُ بكلامي، لكن ليس هناك ما يدل، فتعابير وجهه لا توحي باي شيء، لكنه قال لي: كلما تقرأ لك كلمتين تأتي وتتفلسف علينا! ثم قلت له: أولًا أنت الذي تطرقت لموضوع السودان، إن كانت هناك عنصرية فانت العنصري، فقال لي: الأمر لا يهمني، اللهم لا تشغلنا بما لا يعنينا، وانصرف (رمتني بدائها وانسلت) وعندما حان وقتُ دخول هذه الأشجان طلبتُ منه مرافقتي، قال لي: قبل ان ادخل الأشجان، وحتى لا أكونَ اطرشًا في الزفة، ماذا تقصد بالأشجان؟ قلت له: الشجون الواحدُ شَجْنٌ والشواجن: أودية كثيرة الشجر، وانا تخيلتُ أن السودانَ موجودون في هذه الاودية. لم يقل شيئًا ولم يفعل شيئًا، ظل جالسًا كما هو واضعًا رجلًا على رجل ويده على خده، فسألته: هل انت موافقٌ على مرافقتي والدخول الى شجون السودان؟ أومأ برأسه دليل الموافقة، فهو يحب مرافقتي في المشاوير ويحب الجلوس والتحدث معي، نتفق ونختلف نبتعد ونقترب، يقول لي انت كنافخِ الكيرِ وأحيانًا كحاملِ المسك.. لم أرد عليه خوفًا من أن يغيرَ رأيَه، ولكن في الواقع هو الذي كنافخِ الكير وكحامل المسك لأنه متناقض، و لا يستطيع أحدٌ أن يتنبأَ بماذا يُريد أن يفعلَ المتناقض. موعدُنا مع السودان وأثرهم على التراث الإسلامي والعربي، في أول مقال من سلسلة أُسَيْدِيات في رمضان هذا العام فابقوا معنا يوسف وأنا..
وكل عام وانتم بخير..
25 فبراير 2025م


