عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب إعلام الشرطة في زمن الحرب وعصر السوشيال ميديا

بسم الله الرحمن الرحيم
مع تصاعد الأحداث في البلاد، يبرز دور إعلام الشرطة كأحد الأدوات الرئيسية في تعزيز الأمن وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية. لكن في عصر السوشيال ميديا، لم يعد الإعلام مجرد بيانات رسمية تُنشر بعد وقوع الحدث، بل أصبح ساحة للتفاعل المباشر، حيث يبحث الناس عن المعلومة لحظة وقوعها، وإذا لم يجدوها من مصدر موثوق، فإنهم سيلجأون إلى مصادر أخرى، قد تكون غير دقيقة أو حتى مضللة. وكما يقول أحد الخبراء: “إذا لم تخبر قصتك بنفسك، سيخبرها الآخرون بطريقتهم.”
المتابع لإعلام الشرطة يلاحظ أنه لا يزال محصورًا في الأطر التقليدية، حيث يعتمد بشكل أساسي على البيانات المكتوبة والمنشورات الرسمية، على صفحته بالفيسبوك، بينما يغيب عن المنصات الأكثر تأثيرًا مثل تويتر (إكس) وإنستغرام وتيك توك، بالإضافة إلى قنوات واتساب وتليغرام التي باتت اليوم من أسرع الوسائل لنقل المعلومات والتواصل المباشر مع الجمهور. فعلى سبيل المثال، منصة تويتر (إكس) تضم أكثر من 550 مليون مستخدم نشط شهريًا، وهي المنصة الأولى عالميًا لنشر الأخبار العاجلة والتصريحات الرسمية. أما إنستغرام، الذي يضم 2.4 مليار مستخدم، فهو الوسيلة الأبرز لنشر المحتوى البصري والتفاعل المباشر. وتيك توك، الذي تجاوز عدد مستخدميه المليار، أصبح أداة رئيسية للوصول إلى فئة الشباب، التي تشكل النسبة الأكبر من متابعي الأخبار على الإنترنت.
نحن نُقدّر المجهود الكبير الذي يقوم به القائمون على إعلام الشرطة، ونعلم أن العمل في هذه الظروف ليس بالأمر السهل. لكننا نكتب دعمًا وإسنادًا لهم، انطلاقًا من موقعنا كجزء من الجمهور المتلقي، الذي يرى الصورة من الخارج ويدرك كيف يتفاعل الناس مع الأخبار، وما يحتاجونه من معلومات في التوقيت المناسب. وكما قال الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود، وزير الداخلية السعودي الأسبق: “الإعلام الأمني الناجح هو الذي يكون قريبًا من الناس، يوضح لهم الحقيقة قبل أن يبحثوا عنها في أماكن أخرى.”
الإعلام الشرطي يحتاج إلى مساحة حركة واسعة لا تتقيد بالإجراءات الروتينية التي تؤخر سرعة التفاعل مع الأحداث. فالتأخير في نشر الحقيقة يمنح الشائعات فرصة الانتشار، ويخلق فجوة بين الجمهور والمؤسسة الأمنية. الحل ليس فقط في النشر، بل في التفاعل المستمر، والاستجابة الفورية، وتقديم المعلومة بأسلوب واضح وسلس، عبر منصات متعددة تصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس.
إن نجاح الإعلام الشرطي في هذه المرحلة يعتمد على مدى قدرته على التكيّف مع الواقع الجديد، واعتماده على فرق محترفة تُدير المحتوى الرقمي بفعالية، وتستخدم أدوات تحليل حديثة لرصد اتجاهات الجمهور والتعامل مع المعلومات المغلوطة قبل انتشارها. كما أن الاستثمار في تقنيات الإنتاج الإعلامي أصبح ضرورة، فالمحتوى البصري أكثر تأثيرًا من النصوص المطولة، والجمهور اليوم يستهلك المعلومة بسرعة ويريدها مباشرة دون تعقيد.
أنا أعرف بشكل مباشر عددًا من مسؤولي إعلام الشرطة والعاملين فيه، وأعلم أن لديهم المعرفة والخبرة والإرادة للتغيير، فقط يحتاجون إلى دعم المؤسسة ومنحهم المساحة والثقة. وقتها، أنا على ثقة أننا سنرى إعلامًا شرطيًا مختلفًا، قادرًا على مواكبة العصر، والتفاعل بمرونة واحترافية مع المتغيرات، ليكون بحق خط الدفاع الأول في معركة الحقيقة والأمن والاستقرار.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
١٤ مارس ٢٠٢٥م


