عميد شرطة: د. شنان محمد الخليل يكتب ورحل الملك فاروق

مدخل:
*طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ…*
*فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ*
*حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً…*
*شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي*
إنا لله وإنا إليه راجعون…
ولا حول ولا قوة الا بالله…
هل رحل اخي وصديقي فاروق الزاهر؟!
حقاً هل مات فاروق الزاهر؟!
هل تموت الطيبة ويموت الإبداع والتفرد والتميز!!
نعم إن الموت حق وهو سيف مسلط على رقابنا من قبل ميلادنا… ولكن عندما يفجعك الموت بفقد عزيز تتبادر إلى ذهنك تلك الأسئلة القديمة فتكون كما قال المتنبئ:
*كأن الموت لم يفجع بنفسٍ…*
*ولم يخطر لمخلوقٍ ببالِ.*
فالموت من السنن الكونية التي لم يستطع الانسان التعايش معها ابداً…
رغما عن انها يقينٌ لا شك فيه… فيصبح شكٌ لا يقين فيه… وذلك من طبع النفس البشرية…
وقد ظللت ليومين اتابع الميديا والمواقع والمنصات…
وصورته السيلفي من داخل القصر قبل لحظات من رحيله المُر…
كتب هاشم عمر وكتب ياسر الفادني وكتب شكر الله خلف الله… وغيرهم ممن لامس الملك فاروق دنياواتهم او طاف قمراً
في سماواتهم… وانا هنا في منفاي بعيداً حزيناً وحيداً…
رحل (الملك فاروق) والذي كان ملكاً في صفاته وخصاله…
وملكاً في تواضعه وشجاعته…
وملكاً في كرمه وسخائه…
وملكاً في طيبته وسمته…
رحل فاروق ولكن كيف اكتب عنه؟ … وماذا اكتب عنه؟.. وكيف لي أن أحيط بشخصيته الضخمة الفخمة المترعة إبداعاً و تميزاً ؟!
هل أكتب عن فاروق المنشد المؤدي ذو الصوت الشجي…
ام أكتب عن فاروق الكاتب الصحفي المتميز ذو الفكر الثاقب…
ام أكتب عن فاروق الإداري الناجع الناجح الحاذق …
ام أكتب عن فاروق المحرر الصحافي المتميز…
ام اكتب عن فاروق المصور المخرج المنتج المدهش …
أم أكتب عن فاروق الإعلامي الشامل؟!
ففاروق فيه كل ذلك وفوق ذلك… يصعب على المرء مهما اوتي من البلاغة والفصاحة ان يحيط بكل جوانب مدركاته وابداعاته وامواجها المختلفة…
كان فاروق الزاهر رجل نحيف الجسد… قليل الكلام قليل الطعام قليل المنام… كثير الابداع متشبع بروح وطنية فريدة…
إلتقينا مطلع الألفية الثالثة في إدارة الإعلام بالشرطة الشعبية… ووجدت فيه روحاً وثابة… وهمة لا تفتر… وعزيمةً لا تلين… لا تدرين اين ينام ولا متى ينام… خلية من النشاط والحركة…
اسس معي مركز المرابط للانتاج الاعلامي… و مركز التدريب التابع له والذي فرخ الكثير من الكوادر الإعلامية في مجال الصحافة المكتوبة والمسموعة والمقروءة… تدريباً وتاهيلاً ورعاية…
وكان رحمه الله ذا همةٍ عالية
لا تكل إليه مهمة الا انجزها بما يفوق تصورك…
ولا تلقي له بفكرة إلا وتجده قد تلقفها وطورها واضاف اليها ما يدهشك… همة ونشاط وحيوية وابداع لا تجد له نظيراً…
وقد تميز في ذلك بعدة صفات اهمها القدرة الفائقة على تطوير الذات بالتدريب المستمر…
والتفكير الدائم خارج الصندوق لرؤية الاشياء من كل جوانبها…
وضعنا تصوراً شاملاً لتوثيق التراث الفني الشعبي السوداني لحفظه وبثه للعالم عبر مركز المرابط… ولكن قبل ان نبدأ التنفيذ ذهب هو للتلفزيون القومي وعصف بي كشف تنقلات داخلي فظل المشروع حياً في مخيلاتنا حتى رحل هو إلى الله شهيدا…
ذات مرة ذهب معي في وفد لترتيب موضع احتفال شرطي كبير يشرفه رئيس الجمهورية…
فوضع تصوراً شاملاً للمنصة والمدخل ومخطط التجليس ووضع الكاميرات ومكبرات الصوت والإضاءة… فجاء ضابط مشرف على إعداد المحل و (إشتغل معانا كبك) فنسف كل ذلك التصور… وقام بطرد الزاهر المخرج التلفزيوني!! … ولم يصغ ذلك الضابط لكلامنا حتى يعرف من هو هذا الذي قام بطرده!! ولكن…تقبل الملك فاروق الأمر بصدر رحب لقدرته الفائقة على التسامح وتجاوز الهنات … فهو يزرع الإبداع دون ان يكسر للعسكرية خاطراً…يأخذ الأمور ببساطة و يتعاطى مع الحياة بمرونة فائقة وبلا تعقيد… بعيد كل البعد عن اللهاث وراء الماديات والدنيا ومغرياتها…
تجده حيثما يجب ان يكون ولذلك لم يكن غريباً ان يكون من اوائل الملبين لنداء الوطن بالقصر الجمهوري… فذهب وكأنه ذاهب لموعد مع ربه وقد لبى النداء في رمضان وفي عشرهِ الأواخر صائماً مقبلاً غير مدبر وفي يده فسيلةً غرسها وذهب….
رحل الملك ولكن من ياترى يرث عرش الإبداع والتفرد والخصال الحميدة التي قبرت برحيله.؟!
اللهم يا حنان يامنان إنا نشهد لفاروق بالإيمان وحسن الخلق والتواضع وحب الخير للناس… نحسبه كذلك وانت حسيبه ولا نزكيه على الله…
اللهم فاقبل شهادته واحسن وفادته واكتبه عندك في عليين.
*عميد شرطة:*
*د. شنان محمد الخليل.*
القاهرة
23 مارس 2025 م.
23 رمضان 1446 هـ.


