أعمدة الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد  يكتب من السهل أن تكونَ ثريًا

 

مخالفًا للنفس البشرية التي طُبعت وجُبِلت على حب الثروة، من يدعي أنه لا يرغب في أن يكونَ ثريًا، حتى من يزهد عن الدنيا، لا يُطلق عليه زاهدًا، إن كان فقيرًا، فهذا تنطبق عليه مقولـــة (مجبرٌ اخاك لا بطل) أما الزاهدُ عن الدنيا حقا، فهو الذي أقبلت عليه الدنيا بزُخرُفِها وزهد عنها. ولأهمية المال نجد أن اللهَ عزَّ وجلَّ، ذكره في مواضعَ كثيرةٍ في القران الكريم، في موضعٍ جعله أفضل أنواع العطاء في قوله تعالى: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) و في موضعٍ آخر قدَّم المال على البنون في قوله تعالى:(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦ الكهف﴾ وقدمه على الأنفس والثمرات في موضع آخر في قوله تعالى:(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).. إنَّ حبَ الإنسان للمال شيءٌ غريزي، والسعي للثراءِ هدفٌ مشروع، لذا من حقك أن تتعلمَ كيف تصبحُ ثريا.

قد لا يعلم معظمُنا أن الثراءَ عِلمٌ، مثله مثل علمِ الهندسة والرياضيات والفيزياء، وغيرها من العلوم التجريبية الأخرى، وعلم الثراء يمكنك أن تتعلُّمه تعليمًا كبقية العلوم آنفة الذكر و من ثم تصبح ثريًا. علم الثراء لا يتطلب منك أن تكونَ متعلم تعليما اكاديميا ولا سن معين، ولا جنس محدد ولا نوع دون الآخر، فهو متاح لكل البشر، بمختلفِ أعمارِهم وانواعهم ومستوياتهم العلمية وأديانهم المختلفة وبيئاتهم المتنوعة، فقط المطلوب من أراد ان يتعلمَ هذا العلم ( علم الثراء) عليه ان يتبع (طريقةَ تفكيرٍ معينة،) وهذه الطريقة المعينة في التفكير مشروحةٌ وموضحةٌ بطريقةٍ بسيطةٍ وسهلة من قبل المؤلف (والس دي واتلز) في كتابه (علم الثراء لجذب النجاح من خلال التفكير الإبداعي) يقول المؤلف: إنَّ كتابَه هذا واقعيٌ وليس فلسفيًا؛ ويعتبر دليلاً عمليًا وليس مجموعةً من النظريات، وهو موجه إلى الرجال والنساء الذين يشعرون بحاجة ماسة إلى المـــال، والى الأشخاص الذين ينشدون الثراء، إنه كتابٌ يصور عالمًا جميلًا تلتقي فيه طموحاتُ البشر مع الإرادةِ الإلهية. إنتهى كلام المؤلف. من المهم جدًا أن نؤمنَ بان هناك طرقَ تفكيرٍ أخرى، غير طريقة تفكيرنا التقليدية التي تدور حول التفكير المــادي (الزمان والمكان والحواس الخمسة) لاشك انَّ هذا التفكيرَ التقليدي مهمٌ لوجودنا في الحياة، وبهذه الحواس نتحسس وجودَنا ومحيطَنا ونعرف بها حجمَ أنفسنا وما يحيط بنا من أشياءَ بأحجامها وألوانها وأوزانها، وبهذه الحواس نعرفُ كيف نعيش وأين نعيش ومع من نعيش إلى غيرذلك من أسئلةٍ ومعلوماتٍ نقومُ بإدخالها إلى عقولنا عن طريق تلك الحواس، ثم يقوم العقل بمعالجتها ومن ثم تحويلها إلى أفكار. هذه منظومة عادية، ونحمد الله كثيرًا أن انعمَ بها علينا، ولكن هذه المنظومة الحسية العادية للإنسان، تظل قاصرةً عن فهم و إدراك أشياءَ كثيرةٍ

نحن لا نستوعب كثيرًا من الحقائق، لأنها تقعُ خارج قدراتنا المحدودة، التي أشرنا إليها على سبيل المثال (الصوت مثلًا) إن هناك حد معين نستطيع سماعه إذا علا أو انخفض عنه لا نستطيع سماعه، ونفس الأمر بالنسبة (للنظر) فلأعيننا أفقٌ بصريٌ محدد، ليس بمقدورنا تجاوزه، إن كان المحسوس المرئي بعيدا عن حد أفقنا البصري أو قريبًا أكثر من هذا الحد وهذا الشيء ينطبق على قدرتنا العقلية أيضا، فإنَّ لعقلنا حدود في التحليل والاستنتاج

كل ما نراه و نعيشه ونمارسه الآن من مخترعات وابتكارات في كل المجالات العلمية من طبٍ وهندسةٍ وزراعةٍ واتصالاتٍ وذكاءٍ اصطناعي وتحديد مواقع، وإلى ما لا نهاية، كل ذلك ما كان له أن يتحققَ لو اكتفينا بالتفكير التقليدي الذي يتمحورُ حول الزمان والمكان والحواس الخمسة، ولكن الله سبحانة وتعالى لم يترك عبادَه دون الاستفادة مما في الكون من نظريات وقوانين كونية، إذ لا بد من تفعيلها وتطبيقها للاستفادة منها فقد أوجدَ اللهُ لنا العلماءَ وسخَّرهم لشرح وتوضيح ما وراء الطبيعة حتى نستفيدَ منها، فقد قال اللهُ عزَّ وجل في سورة يوسف: (نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) ومن ضمن هذه العلوم ( علم ما وراء الطبيعة).. علمُ الثراءِ الذي سخَّر الله لنا من يُعَلِّمُه ويشرحه ويقدمه لنا، فما علينا إلا أن نقرأه بتمعن وتركيز مع قناعة تامة بما جاء فيه، وحتمًا سنكون اثرياء. هل قرأتَ هذا الكتاب؟ هذا السؤال موجه لي أنا، و الإجابة: نعم، وهل أصبحت ثريًا؟ الإجابة .. لا!!! ولماذا لم تصبح ثريًا؟ أجيبُ وأقول: قد قرأتُ كتابَ علم الثراء المشار إليه وطبقتُه خطوةً بخطوة، حتى وصلتُ إلى شاطئ الثراء ونظرت إلى سمائه الصافية وأفقه الواسع الرحب وأمواجه العظيمة وقمره المضيء الذي كان يداعب الأمواجَ ويحركها مدًا وجزرًا، وعندما كنت آخذا من نسيم هذا المشهد شهيقا عميقا، وأدفعُ مقابلَ ذلك زفيرًا مريحا، فإذا القمرُ يُرسلُ موجةً من موجات البحر لترمي بي بعيدًا عن شاطئ الثراءِ إلى المربع الأول حيث بدأت. والسبب: أنني تخليتُ- في أخر الأوقات- عن أهم شرطٍ من شروطِ الثراء، ذلك الشرط الذي شدَّد المؤلفُ على التمسك به وعدم التخلي عنه، إنه شرطُ التمســك بـ (الصورة الذهنية) وهذا التخلي عن الصورةِ الذهنية يعتبرُ خطيئةً كبيرةً في علم الثراء، هذه الخطيئة عقوبتها الإبعاد عن هذا العالم (عالم الثراء) وهذا ما حدث لي بالفعل. ولكن الفائدة الكبيرة التي جنيتُها من هذا الإبعاد هي (الحقيقة) أن هذا العلمَ حقيقيٌ وأن التنازلَ عن الصورةِ الذهنيةِ حقيقةٌ، والنتيجة التي يؤدي إليها هذا التخلي- أيضا- حقيقة. كنتُ مؤمنًا ومقتنعًا بما جاء في كتاب علم الثراء حتى شرط الإبعاد كان حقيقةً

ما هي حقيقة علم الثراء وما هي طريقة التفكير المعينة المطلوبة لتحقيق الثراء وما هي الصورة الذهنية التي يجب ان نتمسك بها، وكيف ولماذا تخليتُ عنها؟ وهل حقًا يُمكنك أن تكونَ ثريًا عن طريق تعلم علم الثراء؟ كلُ هذه الأسئلة، وقصتي مع علمِ الثراء، سنعرفها في المقالات القادمة، إن شاء الله، فابقوا معنا..

واللهُ أعلى وأعلم..

19 أغسطس 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى