أعمدة الرأي

محمد عثمان الإمام يكتب «دارفوريات»

 

بني..دعني أتجول وأسوح بك مجترا ذكريات ماضيات من حياتي..بعيدا عن كل مايعكر صفو مانعاني الآن من واقع مر وقاسٍ..في سبعينيات القرن الماضي أبتعث جدك والدي (الأستاذ/ الإمام محمد الحاج) معلما للتربية الإسلامية واللغة العربية بالمدرسة الفنية بمدينة (نيالا) وكان مسكننا الذي منحتنا له الدولة وقتها بحي (كوريا) قريبا من وادي نيالا الهادر ملتقي الأسر ومقصد الأصدقاء والأحباب..وفي تلك الحقبة بني..من عمر الزمان لم تك فرق تسد وساس يسوس يتحكمان في طبع ونهج أهل تلك الديار الوادعة الآمنة..ننتظر أضواء الكهرباء بعد أن يسدل الليل أستاره فقط من أجل ننام، فمناخ تلك الديار المعتدل لايحتاج إلي أجهزة تكييف أومراوح..نصحو صباحا علي شقشقة وتغريد الطيور في حديقة منزلنا التي مارس فيها والدي هوايته ومهنة طفولته وصباه المحببة الزراعة..وغير بعيد من دارنا نزور وأخي الأصغر رفقة والدتي وصويحباتها (جنينة الخواجة كامل دلالة) لانهاب ولا نخشي أخطار الطريق وعند مدخل الحديقة تفتح لنا الأبواب أن هلموا وخذوا ماشئتم من طيباتها وخيراتها المتمثلة في ثمار المانجو والجوافة والقشطة والبرتقال والتوت..وتأخذنا خطانا مع والدي رفقة معلمي المدرسة في رحلة ترفيهية إلي غابة(كُندوّة) بأشجارها الغناء ملتفة الأغصان وارفة الظلال..ولا زلت أذكر بني قرودها الناصعة البياض النادرة التي كانت تطالعنا بفضول وتوجس من خلف الغصون..رغدُ في العيش وخيرات علي مد البصر..بني تلك الأيام في هذه المدينة لم أجده في بقعة أخري.. ومرت الأعوام بني وفي تلك الليلة الثقافية المشهودة بمدينة الرياض قبل بضع من السنوات انتصبت أمامي نبيلة المحيا مديدة القوام..(رشيدة أبكر) إعلامية من جنوب دارفور من مدينة نيالا بادرتني معرفة نفسها (ياالله نيالا) قلتها بني وقد ألجمتني الصدفة..تركنا كل مايتعلق بالليلة وفعالياتها وتحدثنا عن نيالا ويالها من مفاجاة بني فزوجها رفقتها (الأستاذ يوسف) هو ابن الخواجة صاحب الحديقة (الجنينة) التي كنا نقصدها وأخي ووالدتي رحمها الله..وبدعوة حاتمية كريمة زرتهما وزوجها الأستاذ يوسف في بيتهما في قلب السوق العربي بالخرطوم فوجدت منهما حفاوة وترحابا وكرما أصيلا بل وغادرتهما محملا بأكياس خيرات نيالا عسلا وسمنا.. وتبلدي لي ولوالدتي التي ذرفت الدمع مدرارا وهي تسترجع ذكري حبيبة إلي نفسها وروحها.. وأمتدت حبال الوصل بيننا بني..وتعلقت ودا ومحبة (رشيدة) بوالدتي..وتشاء أقدار المولي عز وجل أن بعد هذه السنين من مغادرتنا بعد انتهاء بعثة والدي نيالا أعود إليها في مهمة عمل إعلامية وبمعية ابن أخت (رشيدة) واعتمادا علي ذاكرتي القديمة أراه منتصبا أمامي بمبناه الحجري العتيق دارنا الأثيرةيسكنه أحد المعلمين وسبحانه القدير اسمه كما اسمي (محمد الإمام) سمح لنا بعد أن بينت له علاقتي بالمكان بالدخول والطواف بين أركانه وزواياه هنا كان زرع أبي..وهنا كنا وأخي الأصغر عمك (فريد) نشيد من القصور رمالا..وهناك أقصي الجنوب الشرقي مطبخنا حيث كانت جدتك تطهو لنا أشهي الطعام وعلي اليسار المزيرة كما هي لم يتغيير فيها سوي الأزيار وهنا كنا نربي الدجاج وبفرح طفولي نلتقك من تحت مرقده البيض.. صدقني بني حتي مفاتيح الكهرباء حافظت علي شكلها رغم عامل الزمان..ولعلك بني تتسآءل نعم زرت جنينة الخواجة وطفناها بمساحاتها المترامية وأشجارها العالية وارفة الظلال يانعة الثمار وهانذا بني قبل سويعات أعود من ملتقيً حفيل يؤمه من كان في الديار..فارس المكان والزمان (محمد التجاني) ذلك الفتي غض الإهاب كريم النفس والسجايا الآتي من (نيالا) جنوب دارفور. وصفوة الحضور أبو الفقراءكمايكني (الطيب الضئ الحاج) من منطقة (برام) كريم اليد واللسان..ومن أرض المساليت بغرب دارفور اسم علي مسميً (محسن أبوبكر) من كفه كالريح المرسلة جوادة معطآء..الحشد والحضور والزمان والمكان من كل وادٍ ونهر وتل وبحر اجتمعوا في كامل المهابة والأناقة والبهاء..أمقتها بني أقوال وصفات وكنيات عرب وزرقة.. أولاد البحر..الغرابّة..فلنقاي..الجلّابة..الفلول.. دولة ست وخمسين.. فكلها معاولُ هدم ودمار رعتها أيادٍ آثمة باعت الإنسان والمكان بأبخس الأثمان..غابت هنا في هذي القاعة الرحيبة الحضوركل أدران الفرقة والتناحر والشتات..وبقيت فرحاً لا عددا وشخوصا ليلة ليلاء عنوانها الصفاء والفرح المباح ودقت الطبول في حبور معلنةً نقاءه الشعور والضمير لفارس الزمان والمكان وصنوه المصون وردد الشداة والحداة غناءنا الأثير..كلّ يراعي بني..وغشاني طيف نعاس كذوب في فجر هذي الغربة الغريب غدا أواصل معك ما انقطع من سرد وحديث.

زر الذهاب إلى الأعلى