فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب مكانة المحكمة الدستورية وإدارة القضاء والعدالة في السودان (12)

أدوات ومنهجيات المحاكم في التفسير والتأويل والتحليل لنصوص التشريعاتبين قاضي المحكمة الدستورية ومستويات قاضي المحكمة العادية (2)
———————-
التشريع وصناعة القانون والأحكام القضائية، تمثل في جوهرها علماً وفناً في آنٍ واحد، لمعالجة معضلات المشاكل المستعصية التي لا حلول لها، بالحدً والتقليل من تكرار وقوعها بين الافراد في المجتمع؛ فهي علم من حيث ارتباطها بمعارف العلوم السياسية وعلوم القانون، وفن من حيث ما تستلزمه من مهارات معرفية وقدرات تفسيرية وتأويلية لدى القاضي والمشرّع. ومن خلال هذه المقالة، نحاول إلقاء إضاءات معرفية حول الأدوات والمنهجيات التي تعتمدها المحاكم عند تفسير وتأويل النصوص التشريعية، سواء لدى قاضي المحكمة الدستورية أو قاضي المحكمة العادية في مستوياتها المختلفة(محكمة الموضوع (الابتدائية)، محكمة الاستئناف، والمحكمة العليا بدوائرها المختصة بالمراجعة والفحص).
وبداية، نحاول تقديم إضاءات معرفية، لتوضيح العلاقة بين الحكم القضائي والتشريع في إطار صناعة القانون. فالتشريع هو كل نص قانوني مكتوب ومدوّن، بخلاف باقي مصادر القانون غير المكتوبة كالعادة والعرف والتقاليد والمعتقدات الاجتماعية الراسخة. وتكمن قيمة التشريع في سهولة الرجوع إليه متى دعت الضرورة، فضلاً عن كونه ضرورة أساسية لقيام الدولة وتنظيم المجتمع. وإذا صيغ بأسلوب ديمقراطي نزيه يراعي المعايير الدولية، أصبح حصناً يرسّخ دولة الحق والقانون. ويُستخدم مصطلح التشريع لدى فقهاء القانون بمعنى صناعة القانون أو صياغة النصوص التشريعية، وقد يُطلق على قانون فردي (Statute) أو على مجموعة من النصوص المشرّعة (Acted Law). أما لفظ Legislation فيشير عادة إلى النصوص التشريعية للقانون في مرحلة ما قبل النفاذ والتطبيق، أي مشروع قانون (Bill) قيد المناقشة والدراسة.
أما الحكم القضائي (Judicial Decision)، فهو قرار صادر في خصومة، أُقيمت لدى محكمة مُشكلة تشكيلاً صحيحاً، ومختصة بما لها من سلطة قضائية، ويتضمن الحكم القضائي أداء معين لشخص آخر محكوم له؛ فالحكم القضائي هو فصل الخصومات، وقطع المنازعات، بما يوافق الحق ظاهراً بين الخصوم، وعدم الجور بينهم، والإلزام بالحكم للمحكوم له؛ ومؤداه، إظهار الحكم للخصوم مع إلزامهم إياه من أجل الفصل بينهما في الخصومة. والأحكام القضائية المنعدمة أو الفاسدة، والتي يشوبها البطلان، مؤشر كاشف لمواطن الخلل في العمل القضائي للمحاكم، لإعتبار العمل القضائي هي مجموعة السمات والخصائص التي يتصف بها الحكم القضائي، ليكون قادراً على تلبية حاجة الأفراد من اللجوء إلى القضاء. ويفترض دائماً في الحكم القضائي، أنه صدر صحيحاً من حيث الشكل، ومطابقاً للحقيقه من حيث الموضوع.
وعليه، فإن التشريع (Legislation) يُعدّ المصدر الرسمي للقانون، يصدر عن السلطة التشريعية (البرلمان أو المشرّع الدستوري) ليجسّد الإرادة العامة للشعب باعتباره مصدر السيادة والسلطة. بينما الأحكام القضائية تمثل التطبيق العملي للنصوص التشريعية للقانون على وقائع محدّدة، وقد ترتقي بعض الأحكام القضائية في محكمة الاستئناف أو المحكمة العليا إلى مرتبة السوابق القضائية (Precedents) التي تكمّل دور التشريع وتسدّ ما قد يشوبه من قصور. وللمزيد راجع في ذلك؛ فريق شرطة (حقوقي) دكتور/ الطيب عبدالجليل حسين محمود(المحامي إستشاري القانون والموثق)، كتاب: التشريع وصناعة القانون – المفهوم والمنهجيات والنظريات والتطبيق – (رؤية مفتاحية عن السياسة والقانون)، المؤسسة العربية المتحدة للنشر والتوزيع، مصر/ القاهرة/ الجيزة/ فيصل شارع القناوي، الطبعة الأولى، 2025م.
ولتفكيك مفهوم الحكم القضائي ضمن مفهومي التشريع وصناعة القانون، نشير له على النحو الآتي:
(أولاً) الحكم القضائي ضمن مفهوم التشريع:
———————-
في نظم القانون الروموجرماني Civil Law أي القانون اللاتيني القاري، التشريع هو النصوص المكتوبة الصادره من البرلمان. بينما الحكم القضائي لا يُعتبر تشريعاً بالمعنى الضيق لكلمة التشريع، لكنه (أي الحكم القضائي) أداة تفسير وتأويل وتطبيق للنص التشريعي للقانون، وقد يرقى عملياً إلى تشريع قضائي إذا شكّل اتجاهاً ثابتاً. ومقابلة له، نظم القانون الأنجلوساكسوني Common Law الحكم القضائي نفسه مصدر رئيسي للقانون Law Case، بمعنى أن القضاء يشّرع عملياً عبر السوابق القضائية Judicial Precedent مبادئ عامة قد ترقى لقاعدة قانونية. ومناظرة مع الفقه الاسلامي؛ الحكم القضائي (قضاء القاضي) ليس تشريعاً، لكنه اجتهاد تطبيقي. إلا من الواقع العملي لتراكم اجتهادات القضاة والفقهاء عبر القرون، فقد لعب دور تشريع فعلي مكمل للنصوص التشريعية الاصلية، بما لا يتعارض مع القراءان الكريم والسنة النبوية.
إذن، يمكن القول، ضمن فلسفة ومفهوم التشريع لغة وإصطلاحاً، الحكم القضائي يُعتبر تشريعاً، إذا صنع قاعدة عامة، كما في السوابق القضائية.
(ثانياً) الحكم القضائي ضمن صناعة القانون:
———————-
التشريع يضع الإطار العام للنص التشريعي، بينما الحكم القضائي يعطي الإطار حياة ومعنى عملياً للنص التشريعي. وكما أن الأحكام القضائية، تكشف الغموض والثغرات، وتولّد قواعد جديدة عند قصور النص التشريعي. وبتراكم الأحكام القضائية، يتحول الحكم إلى جزء من القانون الحي Living Law. وبالتالي، في صناعة القانون، الحكم القضائي ليس مجرد منفّذ (تطبيق)، بل مشارك في إنتاج القانون. وبمعنى الحكم القضائي هو الذي يختبر مدى صلاحية التشريع، ويعيد توجيه المشرّع لتطوير أو تعديل القوانين.
(ثالثاً) المستويات الفلسفية والمفاهمية:
———————
مواعينها وإطارها الفلسفي مدارس فكرية، وبحسب المدرسة الوضعية للقانون Positivism الحكم القضائي يطبّق التشريع فقط. ومرئية مدرسة القانون الطبيعي Natural Law الحكم القضائي، يملك سلطة تجاوز التشريع، إذا خالف قواعد ومبادئ العدالة. ومن منظور المدرسة الواقعية Legal Realism الحكم القضائي هو قلب صناعة القانون، لأن القاضي فعلياً يخلق القاعدة أثناء الفصل القضائي في الخصومات. ومن جانب المدرسة النقدية Critical Legal Studies الحكم القضائي مثل التشريع، أداة سلطة، لكنه قد يكون أيضاً مدخلاً لمقاومة السلطة.
وبوجه عام، ضمن مفهوم التشريع، الحكم القضائي قد يكون ملحقاً بالتشريع كما في النظم المدنية الروموجرماني/ اللاتيني القاري، أو جزءاً أصيلاً من التشريع كما في النظم الأنجلوسكسونية (القانون العام). وضمن صناعة القانون ، الحكم القضائي شريك أساسي في العملية التشريعية (التشريع)، لأن الحكم القضائي لا يُفسر ويُطبّق فقط، بل عبر السوابق والاجتهادات القضائية في التفسير والتأويل والتحليل للنص التشريعي، الحكم القضائي يساهم في إنتاج القانون نفسه، ومن ثم، التأثير في التشريع لاحقاً.
واعتماداً على ما سبق، ضمن الاطار العام الفلسفي والمفاهيمي للتشريع وصناعة القانون والحكم القضائي، نعطي إشارات لضوء معرفي عن عمليات إجراءات التفسير والتأويل للنصوص التشريعية، بالنظر والبحث عند قاضي المحكمة الدستورية، وعند قاضي المحكمة العادية بمستوياتها المتعددة.
(أولاً) مفهوم التفسير والتأويل للنص التشريعي للقانون:
———————
التفسير Interpretation والتأويل Construction / Exegesis للنصوص التشريعية للقانون، هي عمليةً قانونية إجرائية لتطبيق القانون من النظر في الوقائع والموضوع والقانون، وتهدف إلى الكشف عن مضمون النص التشريعي وتحديد دلالاته، بما يضمن تطبيقه على نحو عادل ومتسق مع النظام القانوني ككل. وتوضيحاً؛ التفسير Interpretation هو عملية إيضاح المعنى الظاهر واللفظي للنص التشريعي. وبينما التأويل Construction / Exegesis يتجاوز حدود اللفظ إلى البحث عن الغاية والمقاصد الكلية للتشريع، أي استنطاق النص التشريعي، فيما قد يَسكُت عنه، أو عندما يكون حكم النص التشريعي، غامض، أو مبهم أوهلامي، أو فضفاض أو خفي الدلالة.
ومن الناحية الإجرائية، يشكّل التفسير والتأويل حلقة الوصل بين النص التشريعي المكتوب والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع ككل، حيث لا يمكن للنص التشريعي أن يُطبَّق بذاته، دون تدخل الفاعل القضائي (أي القضاة). أما من الناحية الفكرية والفلسفية، فهما (أي التفسير والتأويل) تعبير عن صراع بين رؤيتين: الرؤية (الأولى) ترى النصوص التشريعية مغلقة على معناها الحرفي. والرؤية (الثانية) تعتبرها نصوص تشريعية حيّة، قابلة للتطور بحسب مقتضيات العدالة.
ومن حيث أدوات التفسير والتأويل للنصوص التشريعية، فهي تعتمد على جملة من الأدوات العملية، الفلسفية والفكرية ومنطق القانون واجراءات عملية، تساعد القاضي أو الفقيه على استجلاء معنى النص التشريعي، وذلك من حيث الآتي:
1. أدوات التفسير Interpretative Tools:
———————-
ويقصد بها الوسائل التي يستعين بها القاضي أو الفقيه، لفهم النص القانوني، ومن أبرزها:
(1) الأداة اللغوية اللغوية Linguistic Tool: بالانطلاق من القواعد النحوية والدلالية اللفظية (علم الكلام)، لفهم المعنى الظاهر للألفاظ.
(2) الأداة المنطقية Logical Tool: بتطبيق مبادئ الاستدلال القانوني، كالمقارنة الـ Analogy، والقياس Reasoning by Analogy، والتمييز بين العام والخاص General vs. Specific.
(3) الأداة التاريخية Historical Tool: بالعودة إلى الأعمال التحضيرية Preparatory Works، ومناقشات البرلمان Parliamentary Debates أو الهيئة المشرعه Legislative Intent، بغرض فهم مقاصد المشرّع من النص التشريعي.
(4) الأداة الغائية (التيلولوجية) Teleological Tool: بالبحث عن الهدف الاجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي، الذي يسعى النص التشريعي لتحقيقه Legislative Purpose (السياسة التشريعية للنص التشريعي، لما يرمي له النص التشريعي من غايات وأهداف، جلباً لمنفعة ودرءاً لمفسدة).
(5) الأداة الدستورية Constitutional Tool: بإخضاع النصوص التشريعية للتفسير الذي يتوافق مع القواعد الدستورية العليا Supreme Constitutional Norms، ويتوافق مع الالتزامات الدولية التعاهدية والتعاقدية (الاتفاقيات الدولية الشارعة) – الـ International Treaties and Conventions
2. المنهجيات Methodologies:
———————-
ويقصد بها المدارس الفكرية التي تنظّم استخدام الأدوات، وتتعدد المناهج التي يتبعها القاضي في التفسير والتأويل للنص التشريعي، ونوجزها في الآتي:
(1) المنهج النصي Textualism: بالتركيز على المعنى الحرفي للنص التشريعي للقانون. وفيما يعرف بالمدرسة الشكلية، وتتصف بالتقيد الصارم بالمعنى الظاهر للنص التشريعي.
(2) المنهج الغائي Teleological Approach : إرجاع النص إلى الغاية التي قصدها المشرّع. ويتعارف عليها بالمدرسة الغائية Purposivism، بتغليب مقاصد المشرع والغاية الاجتماعية.
(3) المنهج التاريخي Historical Approach: الاستعانة بالسياق التاريخي الذي نشأ وتطور فيه التشريع.
(4) المنهج التطوري الـ Dynamic or Living Constitution Approach : إعتبار النصوص التشريعية كائنات حيّة، تتكيف مع الظروف الجديده والمستجدة والمستحدثة.
(5) المنهج المقارن Comparative Approach: الاستفادة من التجارب المقارنة لبعض الدول والانظمة العريقة، والتشريعات الدولية الشارعة في القانون الدولي International Law ، لسد الثغرات التشريعية – أي الاستفادة من تجارب تشريعات القوانين المقارنة، لسد النواقص التشريعية (الفراغ التشريعي).
(6) المدرسة الدستورية / القيمية School Constitutional / Value – Oriented: بتفسير النصوص التشريعية في ضوء المبادئ الدستورية والقيم العليا أو حقوق الإنسان.
3. الفلسفات القانونية Philosophical Foundations:
———————-
يقصد بالفلسفات القانونية، تلك الرؤى الفكرية الكبرى التي تحدّد علاقة النص التشريعي بالعدالة والواقع، وتشكل الخلفية الفكرية للتفسير والتأويل للنص التشريعي. فالنصوص التشريعية للقانون، لا تُقرأ في فراغ، وإنما ضمن إطار فلسفي يجيب على أسئلة أساسية: هل القانون مجرد نص مكتوب صادر من السلطة؟ أم انعكاس للعدالة الطبيعية؟ أم القانون أداة لخدمة النظام السياسي والاجتماعي؟ وبالمعنى الاصطلاحي، تمثل الفلسفات القانونية مدارس واتجاهات فكرية (Positivism, Natural Law, Pragmatism, etc.)، تحدد اتجاه القاضي أو المفسّر عند تأويل النصوص التشريعية. وبذلك فهي ترسم المسار العام الذي يُبنى عليه الفهم القانوني للنصوص التشريعية للقانون. ويمكن إيجاز أبرزها على النحو الآتي:
(1) الوضعية القانونية (Legal Positivism): ترى أن القانون هو النص المكتوب الصادر من السلطة الشرعية، وأنه المصدر الوحيد للقاعدة القانونية. ومن ثم، عملية التفسير والتأويل القانوني للنص التشريعي، يجب أن يكون التزاماً صارماً بحرفية النصوص التشريعية، بعيداً عن القيم أو الاعتبارات الأخلاقية.
(2) القانون الطبيعي (Natural Law Theory): يقدّم العدالة والقيم الكونية على الحرفية الشكلية للنصوص التشريعية. فالقانون لا يكون قانوناً، إلا إذا انسجم مع مبادئ العدالة الطبيعية والحقوق الفطرية. وعليه، يجب أن يتم التفسير والتأويل للنص التشريعي وفق منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية العامة، حتى لو تعارض النص التشريعي مع ذلك.
(3) الفلسفة الدستورية (Constitutional Philosophy): تجعل من الدستور المرجعية العليا والنهائية في كل تأويل للنصوص التشريعية، بحيث يخضع أي نص أدنى لمبدأ المشروعية الدستورية.
(4) البراغماتية (Pragmatism): تنظر إلى القانون كأداة عملية، لحل النزاعات، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. ومن ثم، فإن التفسير والتأويل، يجب أن يُوجَّه نحو النتائج العملية والواقعية، لا أن يوجه نحو الحرفية الجامدة للنص التشريعي.
(5) النظرية النقدية للقانون (Critical Legal Studies – CLS): تمثل مدرسة فكرية شاملة، وظهرت في الولايات المتحدة الامريكية في سبعينيات القرن العشرين، كرد فعل على هيمنة الوضعية والواقعية القانونية. ومرئيات النظرية، ترى أن القانون ليس محايدًا، بل هو انعكاس لبنية السلطة وموازين القوى الاجتماعية والاقتصادية. وبهذا، فإن التفسير والتأويل لا يقف عند ظاهر النص التشريعي، بل يكشف التحيزات والعلاقات الطبقية والعرقية والجندرية الكامنة فيه. فالقاضي عند التفسير والتأويل للنص، يُعيد قراءة النصوص التشريعية بوصفها منتجات سياسية واجتماعية، ويسعى إلى جعل القانون أكثر عدالة وشمولًا.
(6) المقاصدية / الغائية (Teleological / Value – Oriented): اتجاه ذو جذور مزدوجة؛ نجده في الفقه الإسلامي (مدرسة المقاصد الشرعية)، وفي الفكر القانوني الغربي الأوروبي (المدرسة الغائية الألمانية والفرنسية). وهو منهج أو نظرية تفسيرية، تشكل مدرسة قائمة بذاتها. فالفكرة المركزية فيه، أن النصوص التشريعية وُضعت لتحقيق غايات وقيم عليا كالحرية والمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية. لذلك، لا يقف التفسير والتأويل عند ظاهر النصوص التشريعية، بل يبحث عن روح القانون وغايته. ومن ثم، يعيد القاضي قراءة النصوص التشريعية في ضوء المبادئ الدستورية والإنسانية العامة. وعمليا نجده في تفسير المحكمة الدستورية الألمانية لنصوص الحرية، بما يحفظ كرامة الإنسان، حتى إن لم يرد ذلك صراحة في التشريع.
وعموماً، الفلسفات القانونية ليست مجرد اجتهادات نظرية، بل هي إطارات معرفية كبرى، ترسم مسار التفسير والتأويل للنصوص التشريعية. وباختلافها، يختلف فهم القاضي للنصوص التشريعية بين الحرفية الشكلية (Positivism)، أو العدالة الكونية (Natural Law)، أو الغاية العملية (Pragmatism)، أو كشف التحيزات (Critical Legal Studies)، أو البحث عن روح التشريع وقيمه العليا (Teleological).
4.. الفكر القانوني Legal Thought:
———————
يقصد به البنية العقلية والفكرية التي يتبناها القاضي أو الفقيه في عملية التفسير، ويظهر أثر الفكر القانوني في اتجاهات القضاة والمفسرين من الخلفية الثقافية والقانونية للقاضي، ومن تصوّره لوظيفة القانون (هل القانون لحماية الحقوق، حفظ النظام، تحقيق العدالة الاجتماعية)، ومستوى تأثر القاضي بالفكر القانوني الغربي أو المحلي أو الديني، ونشير لها من حيث الآتي:
(1) الفكر الشكلي Formalism: باعتبار النصوص التشريعية أوامر مكتفية بذاتها، تُطبق بمعزل عن الظروف الاجتماعية.
(2) الواقعية القانونية Legal Realism : بمعنى النصوص التشريعية أدوات، والقاضي هو الذي يمنحها الفعالية العملية (أي القاضي هو الذي يمنحها الحياة العملية).
(3) الدراسات القانونية النقدية / الفكر النقدي Critical Legal Studies : أي النظر إلى القانون، بأنه ليس سوى انعكاس لبُنى السلطة (الحكومة)، وأن التفسير والتأويل، وسيلة لكشف التحيزات الاجتماعية والسياسية.
(4) الفكر التوافقي Consensus – Oriented Approach: بمعنى يجب تفسير النصوص التشريعية، بما يحقق التوازن بين مصالح المجتمع والسلطات.
5. الإجراءات العملية Procedural Steps of Interpretation:
———————-
ويقصد بها الخطوات التطبيقية التي يقوم بها القاضي أو المفسِّر. وتتخذ عملية التفسير والتأويل للنص التشريعي، مساراً إجرائياً تدريجياً، ونشير له في الآتي:
(1) البدء بالتفسير الحرفي أو الانطلاق من التفسير الحرفي Literal Interpretation.
(2) الانتقال إلى التفسير السياقي والغائي Contextual and Teleological Interpretation، عند غموض النص التشريعي.
(3) الاحتكام إلى الدستور أو المبادئ العامة للقانون Constitutional or General Principles of Law عند استمرار أو إذا إستمر أي غموض أو تعارض أو نقص في النص التشريعي.
(4) إصدار تأويل ملزم Authoritative Interpretation من المحكمة العليا أو المحكمة الدستورية.
(ثانياً) آليات وأدوات قاضي المحكمة الدستورية في التفسير والتأويل:
———————-
قاضي المحكمة الدستورية يشتغل في مجال الرقابة على دستورية القوانين وفضّ النزاعات الدستورية، لذلك أدواته تتسم بالاتساع والبُعد الفلسفي- السياسي بجانب البُعد التقني القانوني. وآليات التفسير والتأويل عنده، نشير لها في الآتي:
1. الإطار المرجعي للتفسير والتأويل:
———————
(1) النصوص الدستورية بإستقراء وإستنباط التفسير والتأويل للنص التشريعي من ديباجة الدستور، والمبادئ العامة، والحقوق والحريات، وفصل السلطات، ومبادي وقيم المجتمع الكلية الفوق الدستورية.
(2) الأعراف الدستورية، والسوابق القضائية للمحكمة الدستورية والسوابق القضائية للمحكمة العليا.
(3) المعايير الدولية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في الاتفاقيات والعهود الدولية التي صدّقت الدولة عليها أو المصادق عليها من الدولة(بتشريع أحكامها قانون وطني داخلي).
(4) الأعمال التحضيرية للنصوص الدستورية أو التشريعية للقوانين، بفحص محاضر اللجان التشريعية، والمناقشات البرلمانية، لاستجلاء مقاصد ونية المشرع.
2. الأدوات الفنية للتفسير والتأويل:
———————
(1) التفسير النصي Textual Interpretation ، أي القراءة الحرفية للنص التشريعي الدستوري.
(2) التفسير الغذائي Teleological ، بالبحث عن الهدف والمقصد من النص التشريعي في الدستور.
(3) التفسير المنجم Harmonious Interpretation ، أي التوفيق بين النصوص التشريعية المختلفة، لتفادي التعارض والتناقض التشريعي.
(4) التفسير التطوري Evaluative Interpretation ، بإعطاء النص التشريعي معاني تتماشى مع التطور والتقدم والنمو الاجتماعي والسياسي.
(5) التفسير المقارن Comparative Interpretation ، الاسترشاد بأحكام محاكم دستورية لدول أخرى، لها تجارب وأحكام قضائية عريقة متطورة ومقبوله، إسترشاداً واستهداءاً بها بما يتوافق مع القيم الكلية للمجتمع المحلي (مثل أحكام المحكمة العليا في جنوب إفريقيا أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أو أحكام المحكمة العليا في الولايات المتحدة الامريكية أو أحكام المحكمة العليا الهندية أو أحكام المحكمة الدستورية المصرية.
3. منهجية العمل Methodologies:
———————-
(1) الانطلاق أو البدء من مبدأ علوية الدستور.
(2) فحص التناسب والضرورة عند تقييد الحقوق والحريات.
(3) اعتماد الموازنة بين المصالح Balancing of Interests عند وجود تعارض بين حقين أو مصلحتين دستوريتين.
(ثالثاً) آليات وأدوات قاضي المحاكم العادية (قاضي المحكمة الابتدائية – قاضي المحكمة العليا:
———————-
قاضي المحاكم العادية، يشتغل أساسًا في تطبيق القوانين على النزاعات الواقعية، لذلك تفسيره يأتي أكثر ارتباطًا بالقانون العادي واللائحة التنظيمية. والإطار المرجعي للتفسير والتأويل، مستقاة من القوانين العادية (مدنية، جنائية، إدارية)، واللوائح والقرارات التنفيذية، والسوابق القضائية المستقرة الصادرة عن المحاكم العليا (السوابق القضائية)، ويستقي التفسير والتأويل للنص التشريعي من المبادئ العامة للقانون، وتفسيرات المحكمة الدستورية، إذا سبق أن فسرت النص التشريعي.
ومن حيث الأدوات الفنية للتفسير والتأويل، يشتغل قاضي المحكمة العادية بالتفسير الحرفي للقاعدة التشريعية Literal Interpretation ، أي الالتزام الصارم بمعنى النص التشريعي الواضح. وأن يلتزم بالتفسير والتأويل المنهجي Systematic Interpretation، بقراءة النص التشريعي في سياق القانون كله. ويأخذ بالتفسير التاريخي الذي نشأ فيه وتتطور النص التشريعي، بالنظر إلى تاريخ النص التشريعي للقانون. وكما ينشغل بالتفسير والتأويل القضائي للنصوص التشريعة محل وموضوع الدعوى، بالاستناد إلى اجتهادات المحكمة العليا وأحكام المحكمة الدستورية.
ومن حيث منهجية العمل، قاضي المحكمة العادية، يلتزم بالتطبيق المباشر للنصوص التشريعية – ما لم تُلغ أو يُحكم بعدم دستوريتها، ويمتنع ويحظر عليه تفسير وتأويل النصوص التشريعية، بما يخالف صريح القانون أو الدستور. وبحسب بعض الانظمة القانونية في حالة الغموض أو التعارض أو خفاء الحكم في النصوص التشريعية للقانون، يقوم قاضي المحكمة العادية بنفسه بإحالة المسألة موضوع أو محل النظر للمحكمة الدستورية للفصل فيها (فيما يعرف بالدعوى الدستورية بطريق الاحالة من المحاكم العادية).
وبوجه عام، قاضي المحكمة الدستورية في التفسير والتأويل للنصوص التشريعية، يملك سلطة إعادة تشكيل معنى النص التشريعي للقانون في ضوء المبادئ الدستورية والحقوق الأساسية العليا. بينما قاضي المحكمة العادية، يملك سلطة تطبيق النص التشريعي ضمن الحدود التي يضعها المشرع، مع التزامه بأي تفسيرات دستورية سابقه. ومن حيث العلاقة بينهما، فهي علاقة تكاملية، وليست تنافسية. وتحقيق ذلك، إذا كان النظام القضائي منظماً بوضوح بنصوص تشريعية صريحة ومباشرة، تبين وتوضح الصلاحيات والسلطات.
وللحديث بقية، نتناول فيه، أطر وأدوات التحليل للنص التشريعي، ومحاولة تقديم رؤية عن كيفية المعالجة والتوفيق بين عقل قاضي المحكمة الدستورية وقاضي المحاكم العادية بمختلف مستوياتها، لهدم فجوة أثر أحكام المحكمة الدستورية على احكام المحاكم العادية، وورفع تشوهات اثرهما السلبي على إدارة القصاء والعدالة في السودان. ومحاولة تأطير مفاهيم تتناول معايير ضمانات المحاكمة العادلة على المستويين؛ الدستوري والقانوني، والممارسات الدستورية والقضائية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
29 أغسطس 2025م


