أعمدة الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب العدالة الدستورية ونمو التطور الدستوري المجتمعي وأثره على تطبيق الدستور والقانون(5)

 

رؤية إنتقادية لمقالة التنشئة السياسية والعدالة الدستورية في السودان – محاولة لمقارنات دولية(2)

 

الأخ الزميل العالم/ أبوبكر الياس (المحامي استشاري القانون المحكم والموثق)، زميلي عضوية المكتب القاري للمحاماة واستشارات القانون (الخرطوم العمارات)، راسلني بدراسة تحليلية انتقادية عميقة لمقالة التنشئة السياسية والعدالة الدستورية في السودان – محاولة لمقارنات دولية(2). ولموضوعية الدراسة التحليلة للمقالة، رأيت نشرها من عندي ضمن سلسلة جدليات مقالات العدالة الدستورية والعدالة القضائية. وتوسعة للنقاش والحوارات، دعونا نذهب إلي ما جاء من تعليق وتحليل، لأني أحسبه من باب النقد المقبول، لسدّ فراغات السلبيات، بضرورة تقديم دراسات عميقة، كما خلص وانتهى إليه التحليل النقدي للمقالة. فقد جاء التحليل بافتتاحية، أقدّم لك تحليلًا نقديًا شاملًا لمقال الدكتور/ الطيب عبدالجليل حسين محمود بعنوان التنشئة السياسية والعدالة الدستورية في السودان – محاولة لمقارنات دولية(1) مع تقسيمه إلى نقاط رئيسية:

(أولًا) نقاط القوة في المقال:

———————-

1. ترابط الفكرة المركزية: المقال حافظ على محور أساسي، هو العدالة الدستورية كمدخل لبقاء الدولة السودانية، مع ربطها بالاستقرار السياسي والاجتماعي، ومقارنة ذلك بتجارب دولية.

2. استخدام خبرة المؤلف الشخصية: الكاتب يستند إلى خلفيته كضابط شرطة سابق ومحامٍ وأكاديمي، مما أعطى النص مزيجاً بين الخبرة العملية والأكاديمية المتنوعة، وأكسبه مصداقية في التحليل.

3. الثراء المقارن: تناول تشريعات وتجارب دستورية من دول مختلفة (مصر، فرنسا، المغرب، أمريكا، الهند، السودان…)، ما يعكس جهدًا بحثيًا لتوسيع الأفق وإبراز البعد العالمي لمفهوم العدالة الدستورية.

4. تشخيص الأزمة السودانية: المقال يبرز بوضوح ظاهرة الاستقواء بالخارج، وضعف التنشئة السياسية، وهشاشة الثقافة الديمقراطية، باعتبارها أسبابًا مباشرة لعدم الاستقرار.

5. إبراز البعد القيمي والأخلاقي: النص يربط بين الممارسات السياسية (التحريض، التخابر، إثارة الكراهية) وبين الجرائم الدستورية والقانونية، مما يجعله وثيقة أقرب إلى الدفاع عن فكرة “سيادة الدولة” كقيمة عليا.

(ثانياً) نقاط الضعف في المقال:

———————-

1. نزعة اتهامية واضحة: المقال يميل إلى إدانة فئة محددة من الفاعلين الاجتماعيين المحركين، مع تحميلها كامل المسئولية عن الأزمات القائمة دون تحليل متوازن للأطراف الأخرى (مثل دور الدولة، الأجهزة الأمنية، أو ضعف المؤسسات نفسها).

2. غياب النقد الذاتي للبنية الدستورية السودانية: النص يركز على خيانة المعارضة واستقوائها بالخارج، لكنه لم يناقش بعمق ضعف المؤسسات العدلية والدستورية في السودان، أو إشكالية استقلال القضاء.

3. محدودية البعد المجتمعي: رغم العنوان الذي يربط التنشئة السياسية والثقافة السياسية، إلا أن التحليل المجتمعي كان ثانوياً مقارنة بالتركيز على القانون الجنائي وتجريم الأفعال. ولم يناقش مثلًا: دور التعليم أو الإعلام أو الأحزاب السياسية في صناعة الثقافة السياسية.

4. لغة تقريرية / وعظية أكثر من تحليليّة: الكاتب يعتمد على السرد والاتهام والتقنين أكثر من التحليل النقدي، أو التفسير العميق للديناميات الاجتماعية والسياسية.

5. التعميم على التجارب الدولية: استحضار نماذج مصر، فرنسا، المغرب، أمريكا… كان غنياً، لكن المقارنات جاءت وصفية أكثر من كونها تحليلية، ولم يوضح الكيفية العملية التي يمكن عبرها تكييف تلك التجارب مع واقع السودان.

(ثالثًا) القيمة المضافة للمقال:

———————-

(1) يسلط الضوء على التحدي الأكبر في السودان، بتناول العلاقة بين العدالة الدستورية والاستقرار المجتمعي في ظل هشاشة الانتقال السياسي، وتهديد هشاشة الانتقال السياسي لبقاء الدولة السودانية.

(2) يضع النقاش في إطار عالمي، مع ربطه بمفاهيم الخيانة العظمى وتجريم الاستقواء بالخارج.

(3) يفتح الباب لمزيد من الدراسات حول الثقافة السياسية السودانية، وعلاقتها بإعادة إنتاج الأزمات.

(رابعًا) تساؤلات يثيرها المقال:

———————

(1) هل العدالة الدستورية في السودان، أزمة نصوص وتشريعات، أم أزمة مؤسسات وتطبيق؟

(2) كيف يمكن التوفيق بين حق التظاهر كحرية دستورية، ومتطلبات الأمن والنظام العام؟

(3) هل الاستقواء بالخارج نتيجة خيانة متعمدة، أم انعكاس لغياب الثقة في مؤسسات الدولة؟

(4) ما دور التعليم والتنشئة السياسية في بناء ثقافة دستورية راسخة تقلل من احتمالات الفوضى؟

(خامساً) تقييم عام:

——————–

(1) المقال جاد ومفصل، يعكس رؤية أمنية – قانونية للواقع السوداني.

(2) قوته في التشريعات المقارنة والبُعد القانوني.

(3) ضعفه في التحليل الاجتماعي والسياسي العميق، وفي غياب الحياد عند توصيف الفاعلين المحركين.

(4) يمثل إسهاماً مهماً في نقاش العدالة الدستورية، لكنه يحتاج إلى موازنة بين الإطار القانوني والإطار السوسيولوجي – السياسي لفهم الأزمة السودانية بشكل أشمل.

من العرض التحليلي الانتقادي للمقال، الذي يهمني هو نقاط الضعف في تحليل المقال. واجابات سريعة موجزة موسعة، نقاط الضعف المشار لها في المقال، يصعب تناولها في مقال محدود ضمن موضوعها الأساسي عن العدالة الدستورية ونمو التطور الدستوري المجتمعي وأثره على تطبيق الدستور والقانون، لأن مجال نقاط الضعف دراسات بحثية موسعة وشاملة ضمن مشروعات برامج الدبلوم العالي فيما لا يزيد عن 80 صفحة وبرنامج رسالات الماجستير ما لا يق عن 200 صفحة والدكتوراة 450 صفحة عن علم السلطة (بتناول جدليات السياسة بالقانون والقانون بالسياسة) من زاوية علم السياسة البحت – الدولة كركيزة محورية – وعلم الاجتماع السياسي. وعلم القانون البحت – فلسفة وفكر القانون – وعلم الاجتماع القانوني.

ودونما تفصيل اسهابي أو إختزالي لنقاط الضعف، نتناول تأثير المجتمع على القانون والعكس، وتشكّل المعايير القانونية وفعالية تشريعات القوانين وربط التشريع بالسلوك الاجتماعي، نظراً فيها من زاوية العلاقة الجدلية بين المجتمع والقانون من حيث تأثير المجتمع على القانون. فالقانون ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو نتاج تفاعلات اجتماعية وثقافية وسياسية، وأن المجتمع هو الذي يحدد أولويات التشريع ويشكل القيم والمعايير للقاعدة القانونية والتي هي ليست مجرد نصوص تشريعية، بل هي ترجمة للعلاقات الاجتماعية والقيم الثقافية وتحويلها إلى قواعد تشريعية للقانون ملزمة. أي بمعنى آخر، ترجمة العلاقات الاجتماعية من خلال الطبقات الاجتماعية والقيم الثقافية والدينية والحركات الاجتماعية الفاعلة مثل: النقابات أو الحركات النسائية أو البيئية، التي تضغط على السلطات، لتعديل القوانين بما يتوافق مع مصالح المجتمع وقيمه.

وفي المقابل، يفرض القانون تأثيره على المجتمع من خلال فرض العقوبات الجزائية أو حماية الحقوق والحريات، بما يوفر الردع أو حماية الحقوق وتوجيه السلوك – عبر تحديد – ما هو مشروع وما هو ممنوع، وإعادة تشكيل القيم والمعتقدات على المدى الطويل كما في قوانين مكافحة التمييز أو تعزيز المساواة. وتظهر من ذلك، جدلية متبادلة بين المجتمع والقانون، حيث كل طرف يؤثر ويتأثر بالآخر، ويشكل إطاراً مستمراً لإنتاج السلطة والشرعية القانونية والاجتماعية. كما أن المعايير للقاعدة التشريعية للقانون، ليست مجرد نصوص تشريعية، بل هي ترجمة للعلاقات الاجتماعية والقيم الثقافية بتحويلها إلى قواعد تشريعية ملزمة، فمثلاً قوانين حماية الملكية الفكرية تعكس تقدير المجتمع للإبداع والابتكار. بينما قوانين الأسرة، تعكس العادات والتقاليد المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث. ولأجل ذلك، يقوم المجتمع بممارسة الضغوط على السلطات لتقنين سلوكياته، فيصوغ القانون وفق تلك الضغوط والقيم المقبولة والمرعية، وتطبق المؤسسات القوانين، مما يعيد تشكيل التفاعل الاجتماعي ويعزز الشرعية.

ونجاح القوانين – يعتمد على التوافق – مع القيم الاجتماعية والثقافية، ودعم المجتمع المدني والنُخب والصفوة الفاعلين المؤثرين على أفكار وتوجهات المجتمع، وكما يعتمد على وجود إطار مؤسسي قوي يضمن التطبيق والتنفيذ الفعلي للقانون. بينما فشل القوانين يحدث عندما تنفصل النصوص التشريعية عن الواقع الاجتماعي، أو يحدث ضعف في مؤسسات سلطة الدولة، أو فساد يمنع التطبيق الصحيح، أو تواجه مقاومة جماعية، أو ضغط اجتماعي معاكس يؤدي إلى تجاهل القوانين أو الالتفاف عليها. كما في قانون حظر التدخين الذي قد يفشل في مجتمع يفتقر للوعي الصحي رغم وضوح النص التشريعي، أو في قوانين الانتخابيات التي تفرض حصصاً للنساء، فهي قد تنجح في مجتمع واعٍ بالتمثيل والمساواة، لكنها تفشل في مجتمع تقليدي صارم. ويظهر ربط التشريع بالسلوك الاجتماعي من خلال تحليل الفجوة والاشكاليات بين القانون المكتوب والنصوص التشريعية الرسمية الموجودة في الدستور أو القوانين العادية، وما يحدث فعلياً من تنفيذ أو تجاهل لأحكام الدستور أو القانون. ويرجع ذلك إلى ضعف وعي المواطنين بالقوانين، أو تضارب مصالح الجماعات الاجتماعية المختلفة، أو قصور المؤسسات الرقابية أو التنفيذية.

من سياقات العلاقة والارتباط بين القانون والمجتمع، يتضح أنه من خلال التحليل الاجتماعي للقانون، يمكن دراسة مدى توافق القوانين مع القيم والعادات الاجتماعية. وتحليل مدى تقبل المجتمع لها واستجابته، وتقييم قدرة الدولة على فرض القانون بفاعلية دونما تحيّز أو إخفاق. وبذلك، يتضح أن القانون والمجتمع مرتبطان جدلياً، فكل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر بشكل مستمر. وأن نجاح التشريعات، يعتمد على توافقها مع البنية الاجتماعية والثقافية، وفاعلية المؤسسات. بينما يحدث الفشل، عندما توجد فجوة واشكاليات بين النصوص التشريعية والسلوك الاجتماعي، أو ضعف في التطبيق والتنفيذ المؤسسي للاجهزة العدلية والقضائية. وتلك معطيات يُمكّن بها التحليل الاجتماعي للقانون من فهم أسباب تطبيقه أو تجاهله، وتقييم فعاليته على الأرض.

ومن هذا المنطلق، تتجلى العلاقة الجدلية بين السياسة بالقانون وعلاقة القانون بالسياسة. فالقانون يشكل أداة رسمية لتنظيم العلاقات داخل المجتمع، ويحدد إطار ممارسة السلطة السياسية. وفي المقابل، تمارس السياسة تأثيرها على القانون من حيث صياغته وتعديله وتفسيره وتنفيذه وإلغائه، بما يعكس مصالح القوى السياسية السائدة. فتتشكل بذلك علاقة ثنائية الاتجاه؛ إذ تحدد تشريعات الدستور والقانون حدود الفعل السياسي، وتفرض قواعد على الأداء الحكومي. وفي الوقت ذاته، السلطات السياسية هي التي تعدل النصوص التشريعية للدستور وللقانون، بما يتوافق مع التحولات السياسية والاجتماعية. وحيث يُعد الفعل السياسي المؤسساتي المتمثل في السلوك السياسي المنظم داخل مؤسسات الدولة من برلمان وحكومة وأحزاب ومؤسسات الأجهزة العدلية والقضائية، أحد أهم مظاهر جدلية العلاقة بين السياسة بالقانون وعلاقة القانون بالسياسة. وبمقتضاهما، يتميز الفعل السياسي بكونه مؤسسياً مرتبطاً بهياكل السلطة الرسمية، وأنه قانونياً خاضعاً للنصوص التشريعية للدستور والقوانبن، ومؤثراً في تغيير أو تثبيت موازين القوى داخل الدولة والمجتمع. فنجده في تدابير سن تشريعات القوانين واتخاذ السياسات الاقتصادية أو تشكيل التحالفات السياسية داخل البرلمان.

ولاستدعاء المقال الأسس النظرية لجدلية العلاقة بين السياسة بالقانون وعلاقة القانون بالسياسة وتحليلهما، فقد شاب المقال نزعة تقريرية وتعابير عامة، لم تتناول خصوصية التجارب الدولية، ولم تتناول الفرق بين الفعل السياسي المؤسساتي والفعل السياسي غير المؤسساتي. وذلك، لتأثر المقال بالتأكيد الصريح والمباشر على ملأ من الجمهور ووسائل التواصل والاتصال الجماهيري إعلان بعض الفاعلين الاجتماعيين استقوائهم بالمؤسسات الأجنبية والتواصل المباشر مع السفارات والمنظمات الدولية، مرددين استقوائهم بسفارات الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية وسفارة دولة الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو – بلا شك – سلوك وفعل يشكل مخالفة صريحة للدستور وتشريعات القوانين التبعية المكملة بقوانين عادية للنصوص التشريعية للدستور. فهي أفعال توصف بأنها تقع في إطار ما يمكن تصنيفه جريمة في حق الدولة، لما يمس أمنها وسلامة مؤسساتها. ويبرز هذا النموذج الواقعي في السودان، ضرورة أهمية التمييز بين الفعل السياسي المؤسساتي القانوني الذي يعزز الشرعية ويخدم المصلحة العامة، تمييزاً بين الفعل السياسي غير المؤسساتي الذي ينتهك القانون ويقوض استقرار الدولة. بما يؤكد الحال، الحاجة إلى ضرورة فهم القانون والمجتمع والسياسة في إطار جدلي متكامل، يربط بين تشريعات النصوص القانونية والسلوك الاجتماعي والمؤسسات السياسية.

وواقع السودان المأزوم بسبب الحرب والاضطرابات السياسية، يعكس كيف تتشابك العلاقة الجدلية بين المجتمع والقانون والسياسة. فالمجتمع بمكوناته المتعددة من قبائل وإثنيات، وجماعات اجتماعية – أعطت نفسها مشروعية الفاعل السياسي – والحركات المسلحة، ونخب صفوية اقتصادية، هي التي تشكل أولويات التشريع والمعايير القانونية السائدة – التشريع أثناء الحرب والأزمات السياسية والأمنية الواسعة النطاق، لإصدار تشريعات الدستور والقانون، بفقه درء الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، وبفقه الضرورات تبيح المحظورات، للحفاظ على كيان الدولة من الانقسام والتشظي والانهيار – بينما تؤثر تشريعات الدستور والقوانين الرسمية والمعتمدة على السلوك الاجتماعي بشكل محدود، بسبب ضعف المؤسسات العدلية والقضائية – أبنية مؤسسات الشرطة والاجهزة الأمنية المساندة للشرطة وأبنية النيابة العامة ومحاكم القضاء العادي – وغياب سلطة الدولة الكاملة على كل الإقليم الركن المادي للدولة. الأمر الذي يفرض عدالة معادلة التوازن في العقاب والجزاء، لحالات المساءلة والعقاب لبعض فئات المجتمع، لصلتهم بأفعال وقائع مرتبطة بسلوكيات وقعت خارج نطاق دائرة سلطة الدولة (الحكومة) بإعمال فقه الاجتهاد القضائي التفسيري للقانون، لحماية الحقوق والحريات، تبعاً لمعايير المحاكمة العادلة المنصفة في الموضوع والاجراء معاً.

إن واقع السودان المأزوم، تُظهر أن المعايير القانونية لا يمكن تطبيقها بفاعلية في بيئة تعاني من الانقسامات السياسية والمجتمعية العميقة والصراعات والنزاعات المسلحة، إذ غالباً ما تفشل القوانين في حماية الحقوق والحريات أو توجيه السلوك الاجتماعي عندما تتعارض تشريعات القوانين مع المصالح المباشرة للطبقات الاجتماعية أو الجماعات المسلحة. وفي الوقت ذاته، نجد أن الدولة والحكومة الانتقالية، تحاولان فرض حكم الدستور والقوانين، ولكن ضعف آداء المؤسسات القضائية والعدلية والتنافس بين الجماعات المسلحة، يؤدي إلى فجوة واسعة بين تشريعات نصوص القانون المكتوبة وتطبيقها وتنفيذها الفعلي على الأرض، مما يعكس بشكل صارخ العلاقة الجدلية بين التشريع والسلوك الاجتماعي. وكما تظهر أهمية القيم الاجتماعية والثقافية في تحديد مدى قبول المجتمع لتشريعات القوانين، فمثلاً قوانين حماية المدنيين أو تنظيم الانتخابات قد تجد مقاومة أو تجاهلًا من الجماعات التي ترى فيها تهديداً لمصالحها المباشرة، بينما قد يتم احترام بعض القرارات المحلية التي تتوافق مع القيم والأعراف والتقاليد القبلية. ولذلك، الوضع في السودان، يعكس كيف يمكن للاضطرابات السياسية أن تُضعف من قدرة الدولة على فرض هيبة سلطة القانون، وتُبرز أهمية دور المجتمع المدني والحركات المحلية في ملء الفراغ القانوني أو التكيف مع غياب السلطة. ما يوضح أن نجاح القانون في السودان يعتمد ليس فقط على النصوص التشريعية، وإنما على التوافق مع البنية الاجتماعية، ومع قوة المؤسسات العدلية والقضائية والتشريعية والتنفيذية واستقرار الدولة، وهو نموذج واقعي يبرز جدلية العلاقة بين المجتمع والقانون والسياسة في بيئة مضطربة متأثرة بالصراعات والنزاعات. وللحديث بقية.

 

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

22 سبتمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى