أعمدة الرأي

ممدوح حسن عبدالرحيم يكتب ( كر البلقاء )   ( الريح المرسلة )

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حلقت بنا الطائرة فوق السحاب وكأنها تحمل أحلامنا وأشواقنا وتأريخنا وحضارتنا وكأنها تريد أن تلامس سدرة المنتهى لنقدم تضرعنا كفاحا فقد طفح بنا الكيل أكثر من حمل بعير وكاد ظهرنا ان يقصم

اقتربنا من مطار القاهرة فتدلت عجلاتها كأنها تعلن الاستسلام لقضاء الله وقدره فحلت بسلام

عندها رأيت عالما آخر غير الذي تركته في القاهرة في ثمانينات العام

رأيت نهضة في البنية التحتية رأيت الطريق الدائري مثل جزيرة العجائب رأيت العمارات الشاهقة والأسواق العامرة والخدمات المسيرة ماء وكهرباء وغاز وفواكه وابا

إنتهت مهمتي سريعا وحلقت بنا الطائرة للرجوع فوق السحاب مرة أخرى وكان إحساسي مختلف جدا

اقتربنا من مطار بورتسودان والعجلات تتدلي كأنها تريد أن تلقى ما بها وتتخلي

رأيت عالما اخر لا يشبه أي عالم آخر فقد قضت الحرب على الأخضر واليابس ولم تترك لنا صرحا شيدناه بشق الأنفس إلا جعلته دكا دكا ولا بارقة أمل إلا اطفئتها حقدا حقدا

رأيت أطلال العاصمة وبئر معطلة وقصر منهدم وقد كان مشيدا

رأيت كتاب احلامنا قد مزقوه وتطايرت أوراقه وطويت ما تبقت منه كطي السجل للكتب

رأيت جيشا اخر من البعوض والذباب يسلبنا كل شيئ ولا نستنقذ منه ضعفا وضيق ذات اليد وأصبحنا نتكلم همسا

رأيت أيدي تحمل ( الفراشات ) وأخرى تمتد في الطرقات ورأيت بعضها تسوق ( الدرداقات ) رأيت الأحياء كالأموات

ولكني رأيت تحت الركام ما لا يمكن أن تراه إلا في السودان رأيت الإنسان

صحيح لم أرى مطارا فارها ولكني رأيت تأريخا زاهرا ولم أرى عمارات شاهقة ولكني رأيت انفس راضية ولم أرى خدمات متوفرة ولكني رأيت قلوب عامرة ولم أرى أناقة متناهية ولكني رأيت عزة على الأرض ماشية رإيت جباه عاليه وحرية كاملة فكدت اطأ الثريا برجلي

قارنت بين الشعوب اللاهية التي اكلت أجرها كله في الدنيا ولم تترك منه شيئاً وبيننا نحن اهل السودان من رعاة الإبل والبقر الذين لم نأكل من أجرنا شيئا

شعرت بأن الرياح قد ارسلت بشرا بين يدي رحمته

رأيتها بأم عيني وهي تقل السحاب الثقال وتسوقه سوقا إلى بلدنا السودان الذي كنا نظنه قد مات

رإيت الماء بدا ينزل قطرات قطرات حتى انفجر دفعات

رإيت الأرض الطيبة سلة غذاء العالم بدأت تخرج كل الثمرات

فأصبحت اردد آية انزلها خالق الأرض والسماوات

( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) الأعراف ٥٧

نعم نعم

فهاهو جيش العدو الذي جاءنا من فوقنا ومن أسفل منا حتى زاقت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر هاهو يندحر

وهاهو البعوض والذباب ينحسر وهاهي الحمى تبرد وتنكسر

وهاهو الصباح الجديد يطل منبهر

وهاهو الأمل يتحقق ويزدهر

صحيح العالم حولنا سبقنا ونحن في غفلة ولم نستقر ولكن بإذن الله سوف نلحق به ونقدم له ما فقده طول العمر

سوف نغمر الحضارة والمدنية بروح القرآن والذكر وسوف نمزج ماء المادية الاسن بروحانية الإسلام فتحلو كماء النهر

سوف نقدم للعالم الأمل على طبق من ذهب ولا نرجو بذاك أجر

ستذكرون ما اقول لكم

ممدوح حسن عبد الرحيم

زر الذهاب إلى الأعلى