أعمدة الرأي

السلوكية السياسية بين الأنا والأنا الأعلى (قراءة في منطق الاستجابة والاندفاع) بقلم كابتن محمد حسن الطاهر

 

في قلب السلوك السياسي، تتصارع قوى داخلية وخارجية، تتفاعل وفق نماذج دقيقة من التحفيز والاستجابة، بين

– ما يريده “الأنا”

– وما يفرضه “الأنا الأعلى”.

 

وبين هذين القطبين، تتشكل القرارات، وتُبنى التحالفات، وتُخاض المعارك السياسية، وفق منطق سلوكي يمكن تفكيكه عبر أدوات علم النفس السلوكي ومنهجية التشغيل السياسي.

 

*🔁 التحفيز والاستجابة من الفرد إلى الدولة*

 

في السلوكية الكلاسيكية، يُنظر إلى السلوك على أنه نتيجة مباشرة

– لتحفيز خارجي ( عالمى أو أقليمى )

– واستجابة داخلية.

 

في السياسة، هذا النموذج يتجلى حين تواجه الدولة أو القائد تحديًا خارجيًا (stimulus)، فيبادر برد فعل (response) قد يكون دبلوماسيًا، عسكريًا، أو إعلاميًا.

 

لكن هذا النموذج لا يقتصر على ردود الأفعال، بل يتطور إلى ما يُعرف بـ *challenge and response* ،

– حيث يصبح التحدي محفزًا لإعادة تشكيل الهوية السياسية،

كما حدث في لحظات تاريخية مثل سقوط جدار برلين أو الربيع العربي، حيث لم تكن الاستجابة مجرد رد فعل، بل إعادة صياغة كاملة للذات السياسية.

 

*🧠 بين الغريزة والحساب*

 

القوس الانعكاسي (reflexive arc) في السياسة هو تلك اللحظة التي تسبق القرار، حين

– يتفاعل الإدراك مع الغريزة،

– ويُعاد توجيه السلوك بناءً على تجربة سابقة أو توقع مستقبلي.

هنا، يظهر الصراع بين

– “الأنا” الذي يسعى إلى المكاسب المباشرة،

– و”الأنا الأعلى” الذي يطالب بالانضباط الأخلاقي أو الالتزام بالمصلحة العامة.

في هذا السياق، يصبح *الدافع بين الغريزة والحافز* (drive between instinct and incentive) هو المحرك الحقيقي للسلوك السياسي وهنا بالضبط تتولد الأسئلة التالية

– هل يتصرف القائد بدافع البقاء؟ أم بدافع تحقيق رؤية؟

– وهل الحافز هو شعبية آنية أم إرث تاريخي؟

 

*⚙️ السلوك التشغيلي من رد الفعل إلى بناء النمط*

 

السلوكية الحديثة تقدم مفهوم *operant behavior* ، حيث لا يكون السلوك مجرد استجابة، بل يُشكَّل ويُعزز عبر النتائج.

 

في السياسة، هذا يعني

– أن القرارات تُبنى على أساس ما يُكافأ وما يُعاقب عليه.

 

فالقائد الذي

– يُكافأ شعبيًا على خطاب تصعيدي، سيكرر هذا السلوك

– يعاقب انتخابيًا على التردد، سيتجنب الحياد مستقبلاً.

 

هنا، يظهر *المنطق السياسي* (logic) و *أسلوب التشغيل* (modus operandi) كأدوات لفهم كيف تُدار الحملات، وتُبنى التحالفات، وتُصاغ السياسات. فكل حزب أو تيار محلى أو أقليمى يمتلك نمطًا تشغيليًا خاصًا، يتفاعل مع البيئة السياسية وفق معادلة سلوكية دقيقة.

 

*🧩 من الغريزة إلى الضمير السياسي*

 

ختاما أن السلوك السياسي ليس مجرد تفاعل ميكانيكي، بل هو صراع داخلي بين

– “الأنا” الذي يسعى إلى السيطرة،

– و “الأنا الأعلى” الذي يطالب بالعدالة والاتزان.

 

هذا الصراع يُدار عبر منظومة من التحفيزات، والاستجابات، والدوافع، التي تشكل ما يمكن تسميته بـ “الهوية السلوكية السياسية”.

 

– فهل يمكن للسياسي أن يتجاوز ردود الفعل الغريزية ليصوغ نمطًا تشغيليًا أخلاقيًا؟

– وهل يمكن للأنظمة أن تُكافئ السلوك النزيه بنفس قوة مكافأتها للبراعة الخطابية؟

تلك هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح في زمن تتسارع فيه الاستجابات، وتُختبر فيه القيم الأخلاقية محليا واقليميا وعالميا تحت ضغط اللحظة.

 

من هنا جاء هذا المقال كدعوة لفهم السلوك السياسي، بل لتفكيك آلياته، وإعادة بناء منطق التشغيل السياسي على أساس من الوعي، والانضباط، والتفكير النقدي.

بين الأنا والأنا الأعلى، تُكتب السياسات، وتُرسم مصائر الشعوب وتحدد اخلاقيات الساسة والسياسة

زر الذهاب إلى الأعلى