فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب تشريع إنهاء الخدمة في القوات النظامية وعدالة التشريع وأثرهما على العدالة الموضوعية والعدالة الاجرائية والعدالة القضائية والعدالة الادارية لانهاء خدمة القوات النظامية (1)

التشريع وضمانات معايير عدالة التشريع لإنهاء الخدمة في القوات النظامية
———————-
قضية ضباط الشرطة المحالين للتقاعد في عام 2020م، تمثل نموذجًا واقعيًا كاشفًا لجملة من الإشكاليات والاختلالات والفراغات البنيوية العميقة في المنظومة التشريعية والتنظيمية التي تحكم أجهزة القوات النظامية في السودان – الجيش، والشرطة، وجهاز المخابرات العامة. فقد عكست القضية خللاً متشابكًا يمتد من مرحلة بناء وإصدار التشريعات إلى تطبيقها العملي، بما في ذلك عدالة التشريع ذاته، والعدالة الإدارية، والعدالة الموضوعية، والعدالة الإجرائية، وصولًا إلى العدالة القضائية والدستورية. وللمهتمين والمختصين الإنتيليجنسيا Intelligentsia، تبرز أهمية القضية بوصفها مدخلًا بحثيًا وتحليليًا لفهم العلاقة الجدلية بين تشريعات النصوص القانونية، وممارسات العدالة داخل مؤسسات الدولة النظامية. وما تكشفه التشريعات والممارسات العملية من فجوات في الضمانات المؤسسية للأمن الوظيفي لمنسوبي أجهزة القوات النظامية، وتوازن السلطة بين أجهزة مؤسسات الدولة، واحترام مبدأ سيادة القانون من اجهزة الدولة الثلاثة بما في ذلك إجتهادات محاكم السلطة القضائية والمحكمة الدستورية. كما تتيح أبعاد القضية وأُخريات مرادفة لها في القضاء الدستوري والقضاء الاداري، مجالًا للمقارنة مع التجارب الإقليمية والدولية، من حيث بنية التشريع، ومقومات عدالته، ومدى انعكاسها على تحقيق العدالة بمختلف مستوياتها في النظم القانونية المعاصرة.
(أولًا) التشريع وعدالة التشريع:
———————-
التشريع، هو الأداة التنظيمية لسلوك الأفراد والعلاقات داخل المجتمع. أما عدالة التشريع، فهي روحه التي تمنحه شرعية وفاعلية. فلا يكفي أن يكون التشريع صحيحاً من حيث الشكل أو الإجراء، بل يجب أن يكون عادلًا في جوهره، متسقًا مع مبادئ الحقوق الطبيعية، ومعايير العدالة الموضوعية والإجرائية، بحيث يحقّق التوازن بين السلطة والحرية، وبين الدولة والمواطن، وبين النص وروح القانون.
والتشريع من زاوية الفلسفة وفكر القانون الوضعي، التشريع هو نتاج تفاعل بين الإرادة السياسية والعقل القانوني والضمير الأخلاقي الحي للمجتمع. وأما عدالة التشريع، فهي تمثل الغاية النهائية التي يسعى القانون لتحقيقها، إذ لا قيمة لقانونٍ يخلو من العدالة. فالقانون غير العادل ليس قانونًا بالمعنى الحقيقي، لأنه فقد روحه وهي العدالة. والتشريع هو الذي يُعبّر عن نظام معياري يكتسب شرعيته من الدستور، بينما العدالة تمثل معيارًا أسمى من النصوص الوضعية، فإذا تعارض القانون مع العدالة تعيّن تغليب العدالة. وأما التشريع في الاسلام من منظور فكر القانون الإسلامي، فعدالة التشريع تقوم على مقاصد الشريعة الخمسة (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، التي تُعدّ إطارًا قيميًا يضمن أن يظل التشريع في خدمة الإنسان لا العكس.
والتشريع في الدولة الحديثة، لا تُقاس الشرعية بعدد القوانين الصادرة، بل بمدى عدالتها وإنصافها للإنسان. أي أن الكمّ التشريعي – عدد القوانين – ليس معيارًا للشرعية الحقيقية للدولة أو للنظام السياسي، وإنما النوع التشريعي – عدالة القوانين وجودتها ومضمونها الإنساني والمؤسسي – هو الذي يُكسب النظام شرعيته السياسية والأخلاقية.
وعليه، قياس الشرعية الحقيقية للدولة وللنظام السياسي، لا تتحقق بمجرد سنّ وتشريع عدد كبير من القوانين، ولا بقياس نشاط البرلمان أو كثرة اللوائح والأنظمة، بل تُقاس بمضمون تلك القوانين وعدالتها وإنصافها للإنسان. وأن التشريع يجب أن يُوجَّه نحو ترسيخ الثقة المؤسسية، وتحقيق توازن دائم بين السلطة والحق. بحيث يصبح التشريع، أداةً لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وضمان العدالة بمستوياتها كافة – الموضوعية، والإجرائية، والقضائية، والإدارية.
(ثانياً) بنية تشريعات القوانين المنظمة للأجهزة النظامية في السودان:
———————-
تشريعات القوانين المنظمة لأجهزة القوات النظامية في السودان – ونماذجها – النصوص التشريعية في قانون شرطة السودان 2008م تعديل 2017م ولائحة شروط خدمة وترقي الضباط 2005م، 2018م. وتشريع قانون القوات المسلحة 2007م بتعديلاته 2013م، 2019م، ولائحة شروط خدمة وترقي ضباط القوات المسلحة 2007م. وتشريع قانون جهاز الأمن الوطني 2010م وتعديلاته قانون المخابرات العامة 2024م، ولائحة شروط خدمة وترقي الضباط (إن وجد). ومع الوضع في الاعتبار، مبدأ مشروعية القوانين واللوائح، بالنشر في الجريده الرسمية (الغازيتا) المقرر وفق قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م، والتنويه هنا، لعدم نشر اللوائح التنفيذية المصاحبة للقوانين الموضوعية.
هذه التشريعات – كقوانين موضوعية تبعية ومكملة للدستور بوصفها صادرة من السلطة التشريعية، ولوائح تنفيذية تبعية ومكملة للقانون الموضوعي بوصفها صادرة من أجهزة السلطة التنفيذية – يشوبها ويعتريها اشكاليات واختلالات وفراغات تشريعية عدلية عميقة غير منصفة، لا تحقق غاية وأهداف الأمن والأمان الوظيفي لمنسوبي اجهزة القوات النظامية بإنهاء الخدمة لمن لم يبلغ سن التقاعد بالمعاش. لإفتقار تلك التشريعات لأبسط معايير قواعد العدالة التشريعية، لإنهاء الخدمة بقرارات ادارية راتبية سنوية وبشكل جماعي، دونما أسباب موضوعية، وبإجراءات إدراية شكلية تعسفية. ومؤداه، تهديد وتعريض أمن وسلامة الدولة والمجتمع، لإهدارها طاقات وقدرات عقل صناعة الأمن في السودان – صناعة الأمن – بشقيه الأمن العسكري وحماية أمن الدولة من المهددات الخارجية والداخلية.
فمن واقع الممارسة العملية والتحليلية لتشريعات قوانين القوات النظامية، نظراً فيها من خلال قضايا عديده، أمام القضاء الاداري في السلطة القضائية، وأمام القضاء الدستوري في المحكمة الدستورية. الواقع التشريعي لهذه القوانين من زاوية التشريع وعدالة التشريع، والتطبيق العملي القضائي. ومن زاوية تحليل الأحكام القضائية والدستورية، يكشف أن تشريعات القوانين صدرت تحت مؤثرات سياسية وأمنية طاغية، وموجهة سياسياً دون إعتبار لأمانة التشريع بمراعاة قيم الاخلاق السياسية الواعية، ودون مراعاة لإعتبارات الضمير الوطني الحي تجاه الدولة ومجتمع الدولة في حق العدالة والمقاضاة العادلة المنصفة لمنسوبي القوات النظامية. ويغلب فيها – أي التشريعات – بشكل مطلق، طابع طغيان المؤثرات السياسية على جوانب ضمانات معايير العدالة التشريعية. فالمختصين بالتشريع والمشرعين في السلطة التشريعية، وشركاء التشريع في السلطة التنفيذية جهة صاحبة التشريع بنسبة 100% بمبادرات تشريعية في الهيئة التشريعية، لم يراعوا ضمانات الأمن الوظيفي لمنسوبي أجهزة القوات النظامية، وكما لم يراعوا أبعاد تشريع القوانين واللوائح التبعبة لها، بمدى تأثيرها على سلامة واستقرار أمن الدولة وحماية المجتمع والمواطن.
ومثالٌ قياسيٌّ يوضّح أبعاد تشريعات القوات النظامية ومدى أثرها على أمن الدولة وسلامة استقرارها وحماية المجتمع والمواطن، يتمثل في التدابير التشريعية الخاصة بإجازة قانون قوات الدعم السريع 2017م، الذي جاء لتقنين وضع قوات الدعم السريع كقوةٍ شبه عسكرية كانت قد أُنشئت فعلياً منذ عام 2013م وإدماجها في جهاز المخابرات العامة (جهاز الأمن الوطني) كقوة نظامية شبه عسكرية للقيام بمهام عسكرية وأمنية مزدوجه، ليتم إدماج قوات الدعم السريع فيما بعد كقوة اسناد مساندة للقوات المسلحة. ورغم الاعتراضات الصريحة والمباشرة التي صدرت من قيادات عسكرية وأمنية، ومن مختصين وخبراء في الشأن العسكري والأمني، جاء الأمر بتمرير القانون وإجازته، بتوجيه مباشر من رأس الدولة، وبإيعاز من فئة محدودة من أصحاب المصلحة المؤثرين الفاعلين الـ An actor/ بصفتهم فاعلين سياسيين Political actor أو أصحاب مصلحة فاعلين key stakeholders تتأثر مصالحهم أو يتأثروا بنتائج القرار التشريعي أو السياسة العامة أو القرار الإداري الذي يُتخذ لتنفيذ أهداف الدولة أو المؤسسة – تمرير تشريع قانون الدعم السريع – دون أن يكونوا بالضرورة جزءًا من عملية صنع القرار التشريعي. فهي فئة ممن يشكّلوا ما يشبه السلطة السياسية الرابعة داخل النظام السياسي الحاكم، من داخل وخارج المجلس التشريعي بغرفتيه مجلس الولايات والمجلس الوطني الانتقالي. وبتحليل دواعي الحاجة الضرورية والملحّة لتشريع قانون قوات الدعم السريع 2017م، يتبيّن أن الغرض الأساسي من التشريع، لم يكن مهنياً أو مؤسسياً بحتاً، بل ارتكز على أهدافٍ سياسيةٍ بحتة، تمثلت في حماية النظام السياسي الحاكم، وتحصين سلطته من خلال توظيف العمليات العسكرية وشبه العسكرية التي كانت جارية وقتئذ في إقليم دارفور وولاية جنوب كردفان، خدمة لأجندة سياسية بحته، تحت ذريعة القضاء على الحركات المسلحة والتمرد.
ومثالٌ آخر لذلك، ما حدث لاحقاً من إدماج قوات الدعم السريع في الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، كقوةٍ موازيةٍ ومرادفةٍ للقوات المسلحة، رغم الإرادة الثورية العارمة التي تبلورت في شعارات ثورة ديسمبر 2018م – أبريل 2019م، بمطالبتها حل وتفكيك قوات الدعم السريع، وتقديم ضمانات لإبعاد العسكريين عن الحكم، وابقائهم في الثكنات (العسكر للثكنات والجنجويد ينحل). وقد جاء إدماج قوات الدعم السريع في الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية 2019م بعد أحداث فضّ اعتصام القيادة العامة، نتيجة ضغوطٍ سياسيةٍ داخليةٍ وخارجية، بتاثيرات من بعض الكتل المدنية في قوى الحرية، ومن جانب أطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ، مارست دور الميسرين المسهلين والوسطاء، تحت غطاء زريعة أن دمج قوات الدعم السريع شرطٌ ضروريٌّ لإتمام الاتفاق السياسي وتأسيس حكومةٍ مدنيةٍ انتقاليةٍ. وبمقتضاه، تم توقيع الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية من ممثلي الأطراف السودانية وبحضور شهودٍ وضامنين خارجيين من واجهات افريقية وأوروبية وأمريكية وعربية، لتُفرض بموجبها صيغة إدماج قوات الدعم السريع كشريكٍ في السلطة والحكم، في إطار عقدٍ سياسيٍّ ودستوريٍّ انتقاليٍّ – يمكن وصفه بأنه عقد اجتماعي مُمنَح / ممنوح للسودانيين – بين أطراف المجلس العسكري الانتقالي الفاعل السياسي Political actor والمكوناتٍ المدنيةٍ من قوى الحرية والتغيير والتغيير – التي أعطت نفسها شرعية الفاعل السياسي Political actor والفاعل المؤثر key stakeholders. وبموجب تدابير الاتفاق السياسي وتشريع الوثيقة الدستورية 2019م، تكونت مؤسسات الحكم الانتقالي المختلط الهجين بين المدنيين والعسكريين في مجلسي السيادة والوزراء.
والنتيجة، بدءاً وختاماً، هو ما آلت إليه أوضاع السودان منذ 15 أبريل 2023م، كنتيجةٍ مباشرةٍ لغياب وفقدان مرئيات ثقافة الأخلاق السياسية الواعية المدركه لجوانب الحاجة الضرورية والملحة لتشريع القوانين مؤسسياً في السودان، ولعدمية الضمير الوطني الحي تجاه الدولة السودانية والمجتمع والمواطن – أي انعدام الإدراك المؤسسي العميق لضرورات التشريع الرشيد ومقتضياته الوطنية، لفقدان حس الضمير الوطني الحي في كيفية التعامل مع مسئولية التشريع، كركيزةٍ لبناء الدولة وحماية المجتمع والمواطن.
(ثالثاٌ) واقع معاييرالعدالة التشريعية في قوانين القوات النظامية:
———————-
من التحليل التشريعي لقوانين خدمة القوات النظامية والاحكام الدستورية والقضائية في العديد من الطعون الادارية والدستورية، واقع الصياغة التشريعية للقوانين في مجملها صياغة تشريعية فضفاضة، يغلب عليها العمومية والغموض والهلامية، وتفتقر المعايير الموضوعية الدقيقة التي تضمن عدالة التطبيق بما يضمن الأمن والأمان الوظيفي لمنسوبي أجهزة القوات النظامية. فالنصوص التشريعية تمنح جهة الادارة سلطات تقديرية واسعة يمارسها رأس القيادات الإدارية والعسكرية والأمنية دون ضوابط اشتراطية وإجرائية شكلية واضحة، مما يهدر ويضعف ويفرغ معنى مبدأ المشروعية القانونية الحمائية لشغل الوظيفة العامة في القوات النظامية، ويتيح المجال لاختلال التوازن بين السلطة الممنوحة تشريعاً لرأس وقيادات أجهزة القوات النظامية في وزارتي الدفاع والداخلية من جهة – بحسب الاختصاص – وإحداث اخلال تعسفي لميزان الانضباط العسكري المؤسسي تجاه سلطات رأس وقيادات أجهزة القوات النظامية، وإهدار حقوق منسوبي أجهزة القوات النظامية من جهة أخرى.
فقد جاءت الصياغة التشريعية لهذه القوانين فضفاضة وهلامية، يشوبها الغموض والعمومية في تحديد أسباب إنهاء الخدمة أو الإحالة للتقاعد للمعاش. فهي – أي تشريع القوانين واللوائح – لا تضع ولا تحدد معايير موضوعية اشتراطية أو شكلية مقبولة عدالة وكعرف إدراي مستقر. ومثال له، النص التشريعي الوارد في قانون القوات المسلحة وقانون شرطة السودان، بإنهاء الخدمة لقضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة وفق ما تحدده اللوائح. والنص التشريعي الوارد في قانون شرطة السودان، بإنهاء الخدمة بناء على لجنة ثلاثية يشكلها المدير العام، بممارسة تدابير إدارية واسعة دون تقييد، بأن تؤدي اللجنة الثلاثية أعمالها من خلال مجلس تحقيق قانوني، تؤخذ فيه أقوال الأطراف والشهود – أي لا مجلس تقصي حقائق لجمع استدلالات ومعلومات وبيانات. وواقع عملي لأعمال اللجنة الثلاثية، أنها تعتمد على تقرير أو تقارير ادارية وأمنية، لا سماع فيها للضابط المعني في حق المواجهة بالتقرير الاداري، ولا فيها حق إتاحة الدفاع للضابط المعني. وبمقتضاه، تُحال أعمال اللجنة الثلاثية لسلطة التشكيل، لتصدر التوصية من المدير العام لوزير الداخلية بإنهاء خدمة الضابط بقرار إداري يصدره رأس الدولة. ومثيلها في القوات المسلحة، يتواجه الضابط بإجراءات مجلس تحقيق تقصي حقائق يشكلة رئيس هيئة الأركان، وتقارير إدارية من القائد المباشر معتمدة التقارير عن الضابط المعني من سلطة أعلى، وبمقتضاه، تصدر التوصيات لإنهاء خدمة الضباط، على الرغم من أن قانون القوات المسلحة الساري المفعول، ينص على أن مجلس التحقيق القانوني من سماعات ومواجهة وحق دفاع، لا يشكل يكون بينه ودليل إثبات في مواجهة الضابط.
بل أن اللوائح التتفيذية كتشريعات فرعية تنفيذية للقانون الموضوعي التي تصدرها جهة الادارة في وزارتي الدفاع والداخلية – بحسب الاختصاص – كلائحة شروط خدمة وترقي ضباط الشرطة 2005م، 2018م، ولائحة شروط خدمة وترقي ضباط القوات المسلحة 2007م، ومع ملاحظة النصوص التشريعية في لائحة شروط خدمة وترقي ضباط القوات المسلحة، الأفضل نسبياً من رصيفتها، لائحة شروط خدمة و ترقي ضباط الشرطة. إلا أنه من التطبيق العملي في مرحلة التدابير الادارية الاستباقية لاصدار القرار الاداري، هذه اللوائح تُحيل السلطة في إنهاء الخدمة إلى تقدير إداري مطلق لرأس وقيادات أجهزة القوات النظامية في وزارتي الدفاع والداخلية، دون إلزام قانوني بإتباع الإجراءات السليمة العادلة أو التسبيب للقرار الاداري من حيث الواقع والقانون، ما يجعل النص التشريعي نفسه في اللوائح التنفيذية للقانون، قاصراً وعاجزاً عن تحقيق مقتضيات عدالة التشريع.
وبناءً على التدابير التنفيذية الإجرائية والشكلية من سلسلة الأعمال التحضيرية الاستباقية للقرار الاداري، تصدر قرارات إنهاء الخدمة بالتوصية من وزير الدفاع أو وزير الداخلية – كلٌّ بحسب اختصاصه – لإنهاء خدمة الضباط في القوات المسلحة أو في قوات الشرطة. وعلى الرغم من الدفوع الموضوعية والقانونية التي أُثيرت في مواجهة تلك التدابير التنفيذية والقضائية، سواء في مراحل العدالة الإدارية أو العدالة القضائية أو العدالة الدستورية، فإن القرارات الإدارية تصدر من جهة الإدارة بوصف القرارات ذات قوة تشريعية، استنادًا إلى أحكام القوانين الموضوعية لأجهزة القوات النظامية وقانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م وقانون الإثبات لسنة 1994م. كما تصدر الأحكام القضائية بدورها باعتبارها تشريعاً احتياطياً مفسراً للقانون، وفق ما استقر عليه فقه القانون والدستور، وبموجب قانون القضاء الاداري 2005م تعديل 2017م وقانون الإجراءات المدنية 1983م تعديل 2018م وقانون السلطة القضائية 1986م تعديل 2005م وقانون الإثبات لسنة 1994م. أما المحكمة الدستورية، فتُصدر أحكامها استنادًا إلى أحكام الدستور – الوثيقة الدستورية 2019م – ووفق قانون المحكمة الدستورية 2005م، بوصفها جهةً ذات سلطة تشريعية قضائية تُحاكم النصوص والتشريعات ذاتها. إلا أن الممارسة الواقعية من التدابير القضائية والدستورية، أظهرت أن كثيراً من القرارات التنفيذية والأحكام القضائية والدستورية، تصدر دون إعتبار كافٍ لما تثيره الدفوع الموضوعية والقانونية من مسائل جوهرية حاسمة، ودون إستحضار كافٍ لمقتضيات العلم والمعرفة والعدالة التي تُشكّل جوهر الفعل القضائي والفعل الإداري الرشيد.
(رابعاً) تطبيق تشريع خدمة القوات النظامية بين العدالة الموضوعية والإجرائية:
———————-
في التطبيق العملي لأحكام قوانين خدمة أجهزة القوات النظامية، تظهر بوضوح الفجوة بين النص التشريعي والعدالة الموضوعية والإجرائية. فالإجراءات المتبعة لإحالة الضباط للتقاعد بالمعاش قبل بلوغ سن المعاش، لا تستند إلى معايير تقييم موضوعية مثل جودة الأداء، أو جدارة استحقاق الأقدمية في الترقيات، أو الاستناد للتقارير الإدارية الروتينية من لجان مراجعة مستقلة، بل تتم الاحالة للتقاعد في المعاش بناءً على قرارات إدارية عليا غير مبررة وغير مسببة تسبيب كافِ. وكما لا يُمنح الضباط حق الدفاع أو الاطلاع على مبررات التقارير الادارية المتخذة في مواجهتهم، ما يشكل انتهاكاً مباشراً صارخاً لمبدأي حق السماع والمواجهة والضمان الإجرائي للعدالة، وهما من الحقوق الإدارية المستقرة في الفقه والقضاء المقارن.
وتتجلى معايير مدى عدالة التطبيق للتشريع، أن يكون التشريع نفسه عادلاً في جوانبة الموضوعي والاجرائي، بضمانات المشروعية الموضوعية والاجرائية، بالنص التشريعي الدقيق لأسباب إنهاء الخدمة بناء على قضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة وفق لما تحدده اللوائح من شروط ومعايير موضوعية. وأن يمنح الضابط في اللجنة الثلاثة التي يشكلها المدير العام، ضمانات حق المواجهة والدفاع. وأن لايكون مجلس تقصي الحقائق أو مجلس التحقيق القانوني لأي منهم بينة ودليل إثبات لجهة إصدار التوصية للوزير رأس القيادة العليا في الوزارة. إلا أن غياب المعايير الموضوعية الاشتراطية والشكلية في لوائح خدمة وترقي ضباط الشرطة 2005م، 2018م على سبيل المثال، هو ما يتيح سلطة تقديرية واسعة وغير مقيدة لسلطة إنهاء الخدمة.
وفي هذا السياق، العدالة التشريعية والعرف المهني المستقر للخدمة في القوات النظامية، تقضي بوضع معايير موضوعية شرطية وشكلية اجرائية بالنص عليها في اللوائح. وعلى سبيل المثال، لائحة شروط خدمة وترقي ضباط الشرطة، المستقرئ للهيكل البنيوي للائحة، النص التشريعي الوارد في قانون شرطة السودان في عبارة قضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة، ورد ضمن سياقات شروط الترقي من رتبة لأخرى، ولم ترد العبارة ضمن مواد أحكام إنهاء الخدمة للتقاعد بالمعاش الوارد في الهيكل البنائي للائحة (إنهاء الخدمة والاحالة للتقاعد في المعاش)، والتي بدورها لم تتضمن أي معايير لشروط إنهاء الخدمة بسبب قضاء أقصى المده المقررة في الرتبة، ولا معايير محددة اللجنة الثلاثية التي يشكلها المدير العام ولسلطة تشكيل اللجنة الثلاثية. وتوضيحاً، على سبيل المثال، واقع العرف المهني والاداري من الاستمارات الإدارية التقييمية لآداء الضباط، شروط إنهاء الخدمة لقضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة، يكون بالاستناد إلى التقارير الروتينية المًعدة والمكتوبة التقييمية لمستوى آداء الضابط من وقت لآخر، بشرط مواجهة الضابط بتلك التقارير بالتوقيع أو الاعتراض عليها، وفي حالة إعتراض الضابط على تلك التقارير، هنا فقط يمكن أن يُحال الضابط للجنة إدارية ثلاثية مستقلة يشكلها المدير العام، للتقرير عن مستوى آداء الضابط. أو إذا تم تخطي الضابط في الترقية لأكثر من مرتين، بسبب ضعف الآداء لرتبة العقيد فأعلى، وإجرائياً تقييم الآداء يكون بناء على تقرير دوري يعده الضابط نفسه عن نفسه، وعلى أن يخضع التقرير لتقديرات الادارة العليا. أو إنهاء الخدمة لعدم اجتياز الضابط من رتبة مقدم فما دون، لمرتين درجات الامتحانات المقررة للترقي لكل رتبة. أو لإحالة الضابط للإستيداع بمرتب كامل، لطول فترة علاج الضابط من المرض، بناء على توصية من لجنة ادارية ثلاثية مستقلة يشكلها المدير العام، يكون من عضويتها طبيب، للتقرير عن حالة الضابط المريض المستمر تحت العلاج لأكثر من عامين. أو إحالة الضابط للاستيداع بنصف مرتب ومرة واحده لمدة عام، لتمكين الضابط من إجتياز إمتحانات الترقي. فغياب مثل هذه الضمانات المعيارية الاشتراطية والشكلية الاجرائية، يشكل خرقاً لمبدأي العدالة الموضوعية والعدالة الإجرائية في آن واحد، ويفتح الباب واسعاً لإنتهاك الحقوق الوظيفية دون سند قانوني سليم.
وعموماً، التدابير التنفيذية والتدابير القضائية في قضايا إنهاء خدمة الضباط دون بلوغ سن التقاعد بالمعاس، كشفت اختلالات بنيوية متراكمة في منظومة التشريع والتطبيق داخل مؤسسات القوات النظامية في السودان، حيث غابت عدالة التشريع، وضعفت المشروعية الإدارية، وتباينت الأحكام القضائية والدستورية، مما أنتج واقعاً من العدالة الناقصة المشوهة لفقدانها أركانها العدلية. ومن ثم، فإن تحقيق العدالة بمفهومها الشامل – العدالة التشريعية والإدارية والموضوعية والإجرائية والقضائية والدستورية – يقتضي إصلاحًا تشريعيًا ومؤسسيًا شاملًا يضمن التوازن بين سلطة الدولة تجاه منسوبي القوات النظامية، وتأكيد تعزيز ضمانات حماية حقوق منتسبيها، بمعايير العدالة في إطار سيادة القانون ومبادئ الحكم الرشيد. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
31 اكتوبر 2025م


