أحمد عثمان جبريل يكتب الجنجويد .. يحلمون بغزو الشمال لسبي نسائها

الجنجويد تتهاوى عندهم كل المعاني والقيم وتضيع بين غبار البنادق، لتطفو عندهم إلى السطح كلمات تنضح بالعنف وتفضح جوهر الحرب.
لا شيء يُعرّي روح المليشيا مثل لغتها، فهي مرآتها الأولى، ولسانها الذي ينزلق من لاوعيها إلى الملأ.
❝ إذا فسدت اللغة فسد المعنى، وإذا فسد المعنى ضاع الإنسان.❞
— ابو حيان التوحيدي
1
انتشر في الأيام الماضية مقطع لمجنّدة من قوات الدعم السريع تحرّض رجالها على دخول الولاية الشمالية، لا لغاية عسكرية أو سياسية، بل «من أجل نسائها». تقولها وهي تبتسم بثقة جارحة: «حتى يلدن لكم أولاد فِراس مثلكم».. جملةٌ واحدة كانت كافية لتكشف أن الحرب لم تعد حربًا، بل غزوةٌ تتخفّى في ثوب النصر.
2
لم تكن الكلمات عابرة، بل عاريةً من الخجل، تنطق بلسان غريزة غارقة في الوهم.. إنّها لا تدعو إلى القتال، بل إلى السبي، ولا تبحث عن النصر، بل عن الولادة القسرية لجيل من “الفرسان” الذين يُراد لهم أن يُولدوا من رحم بنات الشمالية، من رحم الإكراه، لا من رحم الحياة.
3
في تلك اللحظة، تحوّلت الفروسية من رمز للشرف إلى شعار للهيمنة.. الفارس الذي كان يحمي المرأة صار يستبيحها، والسيف الذي كان يُشهر دفاعًا صار يُرفع إذلالًا.. هكذا تهاوى مفهوم البطولة إلى مجرد شهوة مغلّفة بخطاب النصر، وانهارت القيم التي كانت تُعلي من شأن المروءة والإنسان.
4
كلمة «فِراس» — وإن كانت في ظاهرها جمعًا مجازيًّا لـ«فارس» — استُخدمت هنا لتجميل القبح، لتمنح الغزو مظهر البطولة، ولتُشرعن جريمةً باسم الفخر.. إنها محاولة لإلباس الانتهاك ثوب المجد، واستدعاءٌ لروح الغزو القديمة في زمن كان يُفترض أن يتطهّر من عارها.
5
حين تتحوّل الحرب إلى مشروع لتكاثر العنف عبر الأرحام، فذلك يعني أن السلاح فقد قضيته، وأن الرجولة انحدرت إلى مستوى الغريزة الحيوانية.. لم يعُد الجسد الإنساني في نظرهم إلا ميدانًا لتصفية الأحقاد، أو أداةً لإعادة رسم الخريطة العرقية على حساب الكرامة والإنسان.
6
إنّها ليست حربًا على أرض أو سلطة، بل حرب على معنى الإنسانية ذاته.. فالتحريض على اغتصاب النساء هو اغتيال للذاكرة الجمعية، ومحاولةٌ لإذلال مجتمع كامل من خلال جسد نسائه.. إنّه العنف حين يلبس وجه الرجولة، ويستمدّ من القبيلة شرعيته، ومن الغريزة مبرّره.
7
ومع ذلك، لا يمكن لمثل هذا الخطاب أن يُمثّل السودان.. فالبلاد التي حملت نساؤها عبء التاريخ بكرامة وصبر، حينما وقفت جدة ذات النساء اللائي تريد هذه العاهرة سبي حفيداتها، وقفت جدتهن مهيرة بنت عبود تحرض الرجال على مقابلة المستعمر وجندلته في ارض المعركة.. فشتان مابين ذاك الخطاب وهذا.
أيتها الحالمة، نساء الشمال اللائي حملن هذا العب أنجبن رجالًا آمنوا بالشهامة والرجولة والمروءة لا بالسبي؛ لذا لا يمكن أن تُختزل في جماعة تقتات على الوهم وتُحارب بلسان الغريزة.. ما نراه اليوم هو سقوطٌ أخلاقيٌّ لمليشيا لا قضية سياسية لها بل فساد وانتهاك للإنسانية.
8
أيها الجنجويدة العاهرة: “الحلم بغزو الشمال “لسبي نسائه” ليس حلمًا بالنصر، بل كابوس يُعلن انتحار الفروسية، والفرسان الذين تحلمين بأن يلدن من نساء الشمال .
ما هذا النقص العرقي الذي يحلمون بإكمله من ذرية نسل الشماليين.. إنه سقوطٌ للضمير، واعترافٌ ضمنيٌّ بأنّ من يفقد إنسانيته لا يجد ما ينتصر عليه إلا بأحلام (خزعبلاوية).. ففي تلك اللحظة، تتحوّل البطولة إلى خرافة، والنصر إلى فضيحة معلنة.
9
يبدو ان خلاصنا بات قريبا طالما احلامهم سبي بنات الشمال .. نعم، وما يعني كذلك أن الخلاص سيبقى مرهونًا بقدرتنا على استعادة معنى الفروسية الأول:” الشجاعة التي تصون، لا التي تهين؛ القوة التي تحمي، لا التي تستبيح.. عندها فقط يمكن للسودان أن يغسل جراحه، وأن تنهض لغته من رماد الحرب طاهرةً كما وُلدت أول مرة، شاهدةً على أن النبل لا يُقتل ولو قُتل أصحابه..إنا لله ياخ ..الله غالب .


