فنجان الصباح أحمدع الوهاب يكتب عصام السيد ( الكتيابي ) نسخة نادرة منقحة ونفدت من الأسواق ..

في احدى مساءات كردفان الحزينة انطفأ قنديل كردفان اللامع ونجمها الثاقب وخبا ضياؤها الساطع.. ورحل ابن خالنا عصام الدين السيد محمد عبد القادر العاليابي أصلا ( الكتيابي) شهرة.. رحل مبكيا عليه من طيف واسع من أعيان الأبيض ونخبة مجتمع النهود وابناء كردفان ونهر النيل ( قباتي وشندي والعالياب) والخرطوم. وغطى الحزن عليه كل هذه الجغرافيا كأول فاصل مداري للحزن ومقياس رسم للوعة والأسى .. ذاع نبأ رحيله المر وانتشر وعم القرى والحضر.. وترملت بعده المروءات وتيتمت بغيابه جملة من المكارم الوسيمة والمآثر الجميلة والخصال الحسان..
ومن عمق اوجاع الحرب وزمان الغربة والارتحال.. اخبرنا في الشتات السوداني ابن عمته ورفيق دربه وصباه الباشمهندس علي جاد الله بنبأ رحيل الفتى عصام السيد.. فهربت فيه بآمالي إلى الكذب – بطريقة المتنبي-
طوى الجزيرة حتى جاءني
خبر هربت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي.
ترعرع الفتي عصام في عروس الرمال.. ونما نمو الفجر والفجر ساطع..
توفي والده طيب الذكر خالنا السيدح محمد عبد القادر رجل الاعمال الميسور الحال وابن تاجر الإبل بدرب الاربعين و
بعروس الرمال.. وترك عصام رضيعا فكفله عمه الحاج احمد البشرى صاحب كافتيريا زهرة افريقيا طيب الله ثراه.. فاضاف لصفات الفروسية والجود الموروثة من ابائه الميامين واكتسب من عمه احمد قوة الشخصية والشكيمة ومضاء العزيمة والجلد على تقلبات الدهر.. فكان سيان عند عصام إقبال الدهر او ادباره.. ويستوي عنده الترف او الشظف.. فقد كان المال في جيبه لا قلبه.. ولأجل ذلك كان كريما سخيا جوادا مبذولا للخير.. أخذ من عروس الرمال كل ذلك البهاء والسخاء ومن كردفان الغرة كرمها ورخائها. لا تراه إلا هاشا باشا لا يهمه المال إن كثر أو قل.. ولا تهزه المصائب ولا تزعزع ثباته الحوادث.
ومع ذلك كان نجم مجتمع وصاحب شبكة هائلة من العلاقات والصداقات.. مثلما كان رياضيا مطبوعا ولا غرو فقد كان والده هو من اطلق اسم الهلال على نادي الهلال العاصمي في حضور كوكبة من اعيان ذلك الزمان بمنزل حمدنا الله أحمد حمدنا الله بحي الشهداء بامدرمان في العام ١٩٣٠م.. مثلما كان والده صاحب ندوة أدبية بأمدرمان والأبيض يجتمع اليها أغلب شعراء الحقيبة..
ورث الراحل العزيز عصام من آبائه عشق التجارة، فكان نعم التاجر الأمين ..
وقد جمعت مقادير كبار بينه وبين الدكتور هاشم الدقير المدير العام لشركة نوبك العالمية للتنمية المحدودة بيت الخبرة و رائد الصمغ العربي صناعة وتجارة ودراسة اكاديمية ولا غرو فهاشم هو ابن حزام الصمغ.. وابن كردفان والمجلد وخور طقت الثانوية.. ونشأت بين الدكتور هاشم والمرحوم عصام صداقة كبيرة وتوثقت بينهما عرى أخوة لا انفصام لها.. وتوجا ذلك بمشروع تجاري ناجح ورابح في سوق الصمغ بمدينة النهود (فك الله اسرها) وصار الراحل عصام هو المدير الاقليمي لفرع شركة نوبك بالنهود واستطاعا تأسيس بورصة للمحصول بتوفيق من الله تعالى .. وشيدا المخازن الكبيرة و بسببهما افتتحت عدة مصارف و بنوك فروعا لها بالنهود. وعشق عصام النهود مدينته الثانية.. وتزوج منها مثلما عشق الدكتور هاشم الصمغ العربي فكانت اطروحته الوسيمة لنيل درجة الدكتوراة في أرقى جامعات اوربا عن الصمغ العربي والتي تعتبر مرجعا لا غنى عنه لكل باحث ودارس في علوم الصمغ العربي.. وبذلك فتح الدكتور هاشم الباب على مصراعيه لأبناء السودان وعبد لهم طريقا سالكا لتوطين علم نافع ووطد لهم دراسة اكاديمية ومعرفة منهجية بهذه السلعة الاستراتيجية..
وعلى حين غادر تجار كبار مدينة النهود حين استشعروا خطر المليشيا.. رفض المرحوم عصام في عناد ان يغادر المدينة بدون أن يحرز بضاعته ويوصلها لمأمن واجتهد في تأمينها لولا أن الأوباش كانوا قد أحكموا الخناق على المدينة ووضعوا نصب اعينهم هناقر الشركة ومخازنها العملاقة فنهبوها وجعلوها قاعا صفصفا .. ووصلت شحنات ضخمة من هذه البضاعة المسروقة إلى موانئ غرب افريقيا.. وكان اسم الراحل عصام على رأس قائمة شخصيات كانت مرشحة للتصفية.. وقد نجا بأعجوبة وظل لمدة تناهز الشهر في حماية و ضيافة فرسان الحمر حتى اوصلوه بعد عناء مأمنه ضعيفا مريضا منهوك القوى.. وظل يعاني من آثار تلك الرحلة الجبلية الصعبة المحفوفة بالموت من كل مكان.. حتى فارق الحياة راضيا مرضيا في مساء الثلاثاء الماضي الحزين. وخرجت الابيض عن بكرة ابيها تودع فتاها وتلقي عليه النظرة الأخيرة وتشيعه إلى مثواه الأخير ..
رحل عصام ولم تبق عين إلا جادت بدمعها السخين. ولم تبق روضة حسناء إلا اشتهت أنها القبر..
ويذكرنا رحيله المر بما كتبته تماضر شيخ الدين غداة رحيل صديقنا العزيز عبد العزيز العميري ( وداعا أيها الحزن الضحوك).
وبما كتبه صاحب ألوان يوم رحيل الصحفي البارز عبد المنعم قطبي( لقد كان قطبي نسخة وحيدة ومزيدة ونفدت من الاسواق)
وما كتبه عنه أستاذنا محمود أبو العزايم ( فقدت فلذة كبدي الصحفية )
وما سطره الراحل الأستاذ صلاح احمد ابراهيم في رثاء البروفيسور علي المك ( لقد شهيت لي الموت)..
وداعا عصام.. وفي ذمة الله نفسا سمحة سخية وروحا زكية وقلبا ابيضا ويدا ممدودة..
وسيرة عاطرة.. ستذكرها عروس الرمال طويلا طويلا طويلا ..
وان العين لتدمع وان القلب ليحزن ولا نقول إلا مايرضي الله تعالى..
وانا لفراقك يا أبا العباس لمحزونون..
خالص التعازي لاسرته ولنجله الاكبر العباس وام العباس واخوانه وكريمته سماح واخواتها.. ولشقيقة عصام الاستاذة آمنة السيد المصرفية الرائدة واخوته حاتم و فيصل وكمال واخواته ليلى ودكتورة سلمى ورحاب ونجلاء وهالة وهبة واسرهم بالسودان راجعون
القاهرة ١٥ نوفمبر ٢٠٢٥م


