عزالدين ميرغني يكتب مغامرة الكتابة وفرادة التجربة وكتابة المسكوت عنه في رواية سناء جعفر ( حوش بنات العمدة )

صدرت هذه الرواية قبل سنوات خارج السودان ، لأسباب تتعلق بالمنع والمصادرة. وهي من الروايات الجيدة التي حرم منها القارئ السوداني داخل الوطن ، والتي تمثل نموذجا متفردا في مدرسة النقد النسائي. Feminist litreary criticism. بحيث أنها تناولت بجراة ومغامرة كتابية عالية كثير من القضايا الاجتماعية المسكوت عنها في السودان وفي غيره من المجتمعات العربية . وعتبة الرواية الأولى وهي العنوان( حوش بنات العمدة ) ، له دلالاته ورمزيته الواضحة ، حيث أن بناته متفردات( بنات عمد ) . وهو عنوان له نكهته النسائية أيضا . ويرمز أيضا للسلطة الأبويةpatriarchal المسيطرة ولا تزال في عقلية المجتمع السوداني. فالرواية ومغامرة الكتابة فيها ، هي كتابة أزمة مجتمعية واشكالياته المتعددة والمسكوت عنها خوفا ، خاصة من المرأة الكاتبة ، وهي هنا قد تعدت هذا الخوف بذكاء الوعي الأنثوي المسؤول والذي لا يستطيع الرجل الكاتب ان يصدق في الكتابة عنه . وهذا الوعي الأنثوي في هذه الرواية ، قد طرح عدة أسئلة لتجاوب عنه الرواية ، وهي أسئلة مفتوحة ليجاوب عنه قارئ النص أيضا، خاصة الجانب النسائي والذي حملته الكاتبة ببراعة فائقة بمسؤوليته عن الأخطاء التي تحدث من المرأة للمراة مثل الختان الفرعوني والذي لا دخل للرجل فيه . والزواج العرفي الذي هو من مسؤولية المرأة حيث لا يجبرها الرجل للموافقة عليه . وفي هذا تقول الناقدة المصرية ، ( سوسن ناجي ) ، في كتابها ( الوعي بالكتابة في الخطاب النسائي العربي المعاصر ) : ( تحاول الكاتبة العربية في هذه المرحلة ، صياغة الوعي صياغة جديدة. صياغة تقرن بين الوعي الفعلي ، والوعي الممكن، أو الكائن وما ينبغي أن يكون ، خاصة وقد ادركن، أن تحررهن لا يكون إلا بالتحرر ضمنا من منظورهن التقليدي الي العالم . وهذا في حد ذاته يستدعي منهن إلغاء الانقسام من داخل ذواتهن، وتحررهن من سجن الصورة التقليدية المرسومة للمرأة سلفا. وذلك بتبني صورة جديدة عن الذات ، تبعثها رؤية جديدة للعالم . لا تحاول نفي القديم ، وفي نفس الوقت لا ترحب به ، ايمانا بأن نفي القديم، ليس مواجهة ، وإنما تأكيد هذا القديم وطغيان ) . وقد فعلت هذه الرواية ذلك بحيث أكدت وجود القديم في مجتمعاتنا وهو المسكوت عنه وبشدة لغياب الوعي الكثيرين والذي تمثل في هذه الرواية في العنصرية الخفية التي ترفض الزواج من المختلف الآخر عرقيا ولونيا وقبليا. وهو قديم تشارك فيه المرأة الرجل بنفس الفكرة والعقيدة الاجتماعية الخطأ. رغم التعليم وانتشاره . فالحوش في الرواية هو مكان عنصري لا يقبل بالغريب المختلف إلا في الجيرة والمساكنة والتي لا دخل له بها .
وهذه الرواية والتي فجرت المسكوت عنه وخاصة في المجتمع الأمدرماني والذي كمدينة المفروض ان تكون مسربلة بالوعي، والتي حمل ساكنوها معهم من الريف بعض الأفكار المعارضة للتمدن والحضارة مثل الختان الفرعوني ، والعنصرية القبلية ، وتعويض الرجل باجبار الطرفين بزواجه من أرملة أخيه. ( زواج العوض ، بكسر العين) . وهو مأساة الكثير من ما حدث في هذه الرواية . بل كشفت الرواية بأن الهوس والتعصب الديني موجود حتى لدى المسيحيين في المجتمع الأمدرماني.
إن ما يميز هذه الرواية عن غيرها من الكتابة النسائية، وكتابة المسكوت عنه ، في أنها جعلت المرأة وشخصيتها في المقاعد الأمامية للأحداث. ولكل شخصية دورها في كشف المسكوت عنه فهي خادمة بإخلاص للمعنى والمضمون ، حتى القابلة التي قامت بالختان والاجهاض لإحدى بنات ود العمدة . بأجهزة بدائية وبموافقة نساء يعتبرن من الامدرمانيات. وحتى شخصيات ثانوية مثل النعمة وزوجها بخيت رقم قصر دورهم في الرواية ، ولكن مضمونه قوي بحيث كانوا يعتبرون انفسهم عبيدا ولهم سادة رغم إنتهاء الرق رسميا منذ عهد الاستعمار. فهذه الرواية ألغت شخصية البطولة المطلقة للشخصية، وجعل لمل شخصية دورها المهم الذي تؤديه. بل إن الكاتبة تستدعي هذا الدور وتستعيده أكثر من مرة foxing. بتقنية( إستكمال المعنى والدلالة ) . وهذا ما جعلها رواية أفعال حيث المقام اقوى من المقال . وذلك لأن الفعل نفسه يقوم بحكاية ذاته متربعا على عرش النص ، وهو يقوم بطرح عدة أسئلة خارجه حتى نغير ما بأنفسنا دون وعظية قولية وهذا من محامد هذه الرواية . وهذه الرواية جعلت هذه الأفعال تتسلسل في حكايات مستقلة رغم أن مصدرها واحد تصب في المعنى المراد إيصاله. ومكانها أيضا واحد وهو حوش ود العمدة الكبير. كانه يرمز للسودان كله . والكاتبة هنا وهو ما يحمد لها أيضا وكما تفعل بعض الكاتبات لم تنحاز للمرأة ضد الرجل وإنما أعطته حقه بدون تضخيم أو ابوة زائدة، وقد جعلت من ( حامد ود العمدة ) ، شخصية محترمة تتمثل فيها الرجولة والقيم السودانية النبيلة التي لم تغيرها المدينة ، ورغم ذلك لم تخفي عيوبه كبشر فكانت في قمة حياديتها( حيادية الكتابة ) . كأنما أرادت أن تقول ان أخطائه هي أخطاء الرجل في كل مجتمعاتنا. ( حامد في النهاية سمح لحفيدته أن تذهب لتواصل تعليمها وحيدة في أوربا البعيدة ) ، فهي شخصية قابلة للانفتاح على رياح التغيير .
صاغت الكاتبة ( سناء جعفر ) ، روايتها بالفصحى والعامية. ( الازدواج اللغوي) . الراوي العليم هو الذي يقوم بالسرد بالعربية الفصحى ، وهي لغة الكتابة عندها ، وقد كانت جميلة في وصفها وتداعياتها نيابة عن الشخصيات خاصة غير المتعلمة . وهي لغة تمتاز بالوصف المكاني الدقيق الرائع. وتجسد الشخصية ظاهرا وباطنا. اما الحوار الذي يدور بين الشخصيات في الحياة اليومية ، فقد كان يدور بالعامية الفصحى ، وهذه العامية تؤكد مقولة ( مدرسة النقد النسائي ) ، والتي تقول بأن كتابة المرأة لها لغتها المميزة الخاصة ، وهي تكتب الأزمة والاشكالية، والمغامرة الكتابية ، بلغة لها خصوصيتها خاصة في العامية السودانية، والتي توجد بها بعض المفردات والجمل التي لا يقولها الرجل شفاهة أو كتابة والتي وردت في لغة الحوار بين الشخصيات النسائية( البت مقصوفة الرقبة، فلانة المرمدة السجمانة، ووب عليها، الغبيانة المسخوتة، اللون البيجي، والبنبي، الخ ) . فاللغة هنا واعية بالشخصية وقادرة عن التعبير عنها حتى دواخلها الشخصية. ورغم أن لغتها الفصحى كانت جريئة في وصف المشاهد الجنسية حتى الشاذة منها ، وقد كانت مغامرة كتابة فعلا من الكاتبة ، لم تكن لغة مبتذلة بقصد الإثارة الرخيصة. والرواية في حواريتها بالعامية ، كانت تعبر عنها بلغة أصيلة وليست مصطنعة . فوعي الكاتبة بانوثتها والتجارب التي عاشتها ، جعلت تلك اللغة خط الدفاع الأول، عن القضايا المطروحة داخل النص . وهي قد جلت من الرواية مغامرة لغوية ومضمونية متفردة في تاريخ الرواية السودانية النسائية خصوصا وعموما . فلكل شخصية قولها الذي يناسب فعلها أو ما وقع عليها . فالشخصية ولأنها لا تعيش منفردة ، فلا بد أن تجد في الحوش من تفضفض معه وتحاوره حتى تجد حلا لمشكلتها التي تؤثر في الجميع .
من الناحية الشكلية والفنية ، فقد كانت مهمة الراوي العليم ، صعبة وهو يقوم برتق وردم الفجوات الزمنية خاصة ما حدث في الماضي وخارج ( الحوش ) . فلم يفلت منه حبل السرد وربطه بالمكان وشخصياته ، رغم ضيق المكان وتعدد شخصياته. فذاكرة الراوي كانت قوية ، وحكاياته مترابطة في تسلسل محكم. ورغم ضيق الحيز الزمنى، فكل هذه الحكايات كانت مستدعاة في حفل زواج إحدى حفيدات ود العمدة . وتقنية( المونتاج ) ، قد وظفتها الكاتبة جيدا ، وهي تقوم تقوم بتقطيع المشاهد في هذا الحيز الزمكاني الضيق ، حتى لا يصيب القارئ الملل. فلكل مشهد دلالته وله ما يكمله باستعادة الماضي flash back. ) فن استدعاء الماضي الذي يشتاق القارئ وينتظر معرفته . وهو انتقال سهل دون عقبة أو عترسة في اللغة .
أنها رواية تستحق القراءة وان يعاد طباعتها .
عزالدين ميرغني


