نحو وعى جديد( ٢) القوة كأداة تختبر فيها النوايا على متواصل الخير والشر (القصص القرانى نموذجا) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

في قلب النص القرآني، تتجلى القصص كأداة بلاغية وتربوية، لا تُروى لمجرد الحكاية، بل لتُغرس في الوعي الإنساني مفاهيم كبرى تتجاوز الزمان والمكان.
ومن بين هذه المفاهيم، يبرز ثنائيٌّ بالغ الأهمية: *
– فائض القوة*
– و *تراكم القوة* ،
كمنظورين لفهم حركة التاريخ، وسلوك الأفراد والجماعات، ضمن شبكة متواصلة من الخير والشر،
– لا تنفصل فيها الأخلاق عن الفعل ولا القدرة عن الغاية.
*⚖️ بين اللحظة والمشروع يتشكل الفعل لأحداث تغير ما فى و عبر الزمن ومن هنا ياتى :
تراكم القوة :
– نتاج مسار طويل من البناء، التدرج، والتخطيط.
– التي تنمو بصبر، وتتغذى من التجربة، وتُصقل بالحكمة.
فائض القوة :
– لحظة الانفجار، حين تتجاوز القوة حدود الحاجة، فتتحول إلى طاقة فائضة قد تُستخدم في الخير أو تُهدر في الطغيان.
القصص القرآني لا يقدّم القوة كقيمة مطلقة، بل كأداة تُختبر بها النوايا، وتُقاس بها المآلات.
فالقوة في القرآن ليست محايدة، بل هي دائمًا على خط التوتر بين
– الخير والشر
– العدل والطغيان
– البناء والهدم.
*🧭 القوة بين القدرة والمسؤولية:
القرآن لا يفصل بين *القدرة* و *المسؤولية*
– فكلما زادت القوة، زادت تبعاتها الأخلاقية.
ومن هنا، فإن الخطاب القرآني يُظهر كيف يمكن أن تكون القوة نعمة أو نقمة، حسب موقعها من متواصل الخير والشر:
الخير :
– حين تُستخدم القوة في نصرة المظلوم، في بناء الحضارة، في ردّ العدوان، كما في قصص الأنبياء والملوك الصالحين.
الشر :
– حين تتحول القوة إلى طغيان، إلى استعلاء في الأرض، كما في قصص فرعون، وقارون، والنمرود.
🔥 من فائض القوة إلى الطغيان:
فرعون مثال صارخ على *فائض القوة غير المنضبط*.
– امتلك السلطة، المال، والهيمنة، لكنه لم يُراكمها لبناء مجتمع عادل، بل استخدمها في الاستعباد والقتل والتأليه الذاتي. قال: _”أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟”_.
لقد تحوّل فائض قوته إلى طغيان،
– فانفصل عن متواصل الخير،
– وسقط في هاوية الشر،
حتى جاء الحدث الفاصل: الغرق، كرمز لانهيار القوة حين تُفقد بوصلتها الأخلاقية.
*🛠️ من تراكم القوة إلى البناء :
يُقدّم القرآن *ذي القرنين* كنموذج للقوة المتراكمة والمنضبطة. لم يكن مجرد ملك قوي، بل كان قائدًا حكيمًا، يسير بين الناس، يسمع لهم، ويستثمر طاقاتهم. حين طلبوا منه بناء سدّ، لم يفرض سلطته، بل قال: _”آتوني زبر الحديد”_ ، فشاركهم العمل، ووجّه طاقتهم نحو البناء.
هنا، تتجلى القوة كطاقة جماعية، تُراكم عبر التعاون، وتُستخدم في الحماية لا في السيطرة. إنها قوة على خط الخير، تُبنى لا لتُبهر، بل لتخدم.
*🌌 القوة كخطاب رمزي :
القصص القرآني لا يقدّم القوة كمعطى مادي فقط، بل كرمز متعدد الأبعاد:
دراكيًا :
– القوة هي وعي الإنسان بقدرته على التغيير.
فلسفيًا :
– هي اختبار دائم للنية والغاية.
روحانيًا :
– هي أمانة، لا امتياز.
سياسيًا :
– هي مسؤولية تجاه الجماعة، لا وسيلة للهيمنة.
*✨ خاتمة:
نحو وعي قرآني بالقوة :
إن خطاب القصص القرآني لا يكتفي بسرد أحداث الماضي، بل يزرع فينا وعيًا مستقبليًا:
أن القوة، سواء كانت فائضة أو متراكمة، لا تُقاس فقط بمدى تأثيرها، بل بموقعها من متواصل الخير والشر.
فمن أراد أن :
– يبني، فليتعلّم من ذي القرنين.
– يتجنب السقوط، فليتأمل مصير فرعون.
وفي زمننا الذى تتكاثر فيه مظاهر القوة، نحتاج إلى هذا الوعي القرآني العميق، الذي لا يفصل بين
– القدرة والأخلاق،
– ولا بين الفعل والنية،
ليكون خطابنا في الحياة امتدادًا للخير، لا انزلاقًا في فائض الشر.


