ريحة البلد.. الفاشر،، كيف تعود سيرتها الأولى.. بقلم : د. سارة عبد العزيز..

قبل السقوط
كانت الفاشر تمشي على جرح مفتوح
لكنها لا تنحني
الهواء مثقل بالأسئلة،
والوجوه تحفظ القلق في العيون
وتخبئ الأمل في الصدر.
الأمهات يعددن الخبز بحساب الصبر
والآباء يخفون خوفهم
كي لا يرتجف المستقبل في عيون أطفالهم
كانت المدينة تعرف أن الخطر قريب،
لكنها اختارت أن تعيش
لا أن تنتظر النهاية
لم تكن الفاشر غافلة،
كانت واعية حد الوجع،
تعرف أن الحرب لا تطرق الأبواب
بل تقتحم
ومع ذلك
ظلت الأبواب نصف مفتوحة
للجار
للغريب،
لمن يبحث عن ملاذ إنساني
في زمن ضاقت فيه القلوب قبل الطرقات
أما السقوط
كتب للفاشر أن تسقط
لكن لم تسقط كما سقطت المدن في نشرات الأخبار
سقوطها ليس راية تنزل
ولا مبنى يحرق
سقوط الفاشر هو لحظة
يُختبر فيها الضمير الوطني،
لحظة يسأل فيها السودان
هل ما زلت وطنا يتسع لأطرافه
أم مجرد مركز يخشى ظل نفسه؟
وحتى في فكرة السقوط
الفاشر لم تكن ضحية صامتة،
بل شاهدا موجعا
على عالم يرى
ولا يتحرك،
يسمع
ولا ينقذ،
ويؤجل العدالة
حتى تتعب الذاكرة.
كيف نعود؟
نعود حين نكف عن النظر إلى الفاشر
كخسارة مؤقتة
أو سطر في تقرير
نعود حين نفهم
أن العودة ليست دخول مدينة
بل استعادة معنى
نعود عندما يكون الإنسان
هو أول بند في أي خطة
وعندما يعاد الأمن
كحق
لا كمنة،
وعندما تحمى الأرواح
لا المصالح.
نعود حين تمسح دموع الأمهات
لا بالكلام
بل بالفعل،
وحين يسأل الناجون
ماذا تحتاجون؟
لا ماذا تريدون أن تسمعوا
وكيف نعيد سيرتها الأولى؟
نعيدها حين نزرع الحياة
حيث حاولوا زرع الخوف
حين تعود المدارس
وتعلو أصوات التلاميذ
أعلى من الرصاص،
وحين تفتح المستشفيات
قبل أن تفتح المنصات،
وحين تكون العدالة
حقيقية
لا مؤجلة
ولا انتقائية.
نعيد سيرة الفاشر
حين نترك لأهلها حق الحلم،
وحق الغضب،
وحق البقاء.
حين نؤمن أن دارفور
ليست جرح السودان فقط
بل قلبه الذي ظل ينبض
رغم كل هذا النزف.
الفاشر ستنهض،
لا لأن الألم انتهى،
بل لأن الكرامة
لم تمت.
ستنهض
بذاكرة أقوى من النسيان،
وبإرادة تعرف
أن الوطن لا يبني بالسلاح وحده
بل بالعدل،
وبالاعتراف،
وبإنسان يرى أخاه إنسانا
لا عبئا ولا هامشا.
وحين ينهض السودان من ليله الطويل
سيجد أن الفاشر
لم تكن تنتظر إنقاذا فقط،
بل كانت تنتظر
أن نكون
على قدر الوطن.
نصر من الله وفتح قريب
نصر الله قواتنا الباسلة صمام الأمان
بحبك يا وطني
… وللحديث بقية.


