ريحة البلد الإعلام الوطني… خط الدفاع الأول في معركة الوعي بقلم : د.سارة عبد العزيز

منذ اندلاع الحرب لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل كانت ولا تزال معركة وعي ومعركة سردية ومعركة على الحقيقة نفسها
وفي قلب هذه المعركة يقف الإعلام الوطني كخط الدفاع الأول
وحصن الوعي الجمعي، وضمير الوطن في زمن التشويش والتضليل
الإعلام في زمن الانكسار والاختبار
مع الساعات الأولى للحرب، سعت المليشيا إلى السيطرة على أدوات التأثير
فاحتلت الإذاعة والتلفزيون، وحاولت اختطاف الصوت الرسمي للدولة
بل ذهبت أبعد من ذلك حين أنشأت بثا إذاعيا خاصا بها، تسوق عبره الأكاذيب وتعيد تشكيل الوعي وفق أجندتها في محاولة يائسة لتزييف الواقع وخلخلة ثقة المواطن في مؤسساته الوطنية
لكن ورغم قسوة الضربة لم يسقط الإعلام الوطني
من تحت الرماد، ومن قلب الحصار، نهضت الإذاعة والتلفزيون، وانتقلت من الشمالية إلى بورتسودان لتعلن بوضوح أن الدولة قد تحاصر، لكنها لا تصمت وأن الصوت الوطني قد يجبر على الهجرة
لكنه لا يهزم
الإعلام المحلي صوت الناس وذاكرة المدن
لعب الإعلام المحلي دورا مفصليا في نقل معاناة المواطنين، وفي توثيق الجرائم والانتهاكات وفي إبقاء جذوة الحقيقة مشتعلة في القرى والمدن والأحياء
كان الإعلام المحلي هو الأقرب للناس والأصدق في التعبير عن أوجاعهم
والأقدر على فضح الرواية الزائفة التي تبثها غرف التضليل التابعة للمليشيات في منصات التواصل الاجتماعي
الإعلاميون الشرفاء… جنود بلا خوذات
في هذا الظرف الاستثنائي برزت أسماء لصحفيين وإعلاميين عملوا فرادى بلا مؤسسات بلا دعم وبلا حماية لكنهم امتلكوا ما هو اهم الضمير المهني والوطني
صحفيون وقفوا في وجه سيل الشائعات ودافعوا عن مؤسسات الدولة وعن المؤسسة العسكرية لا بدافع التطبيل بل انطلاقا من وعي عميق بخطورة انهيار الدولة وبأن سقوط الحقيقة أخطر من سقوط المباني
أدى احتجاب الصحف الورقية، بفعل الحرب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية إلى حضور مكثف ولافت للصحافة الإلكترونية
التي تحولت من خيار ثانوي إلى ضرورة وطنية
ومن مساحة موازية إلى منصة أساسية لنقل الخبر وصناعة الرأي العام
الصحافة الإلكترونية قادرة على تجاوز الحصار الجغرافي واللوجستي
ومخاطبة الداخل والخارج في آنٍ واحد حاملة هم الوطن، وناقلة لتطورات الميدان، ومعبرة عن نبض الشارع ومعاناة المواطنين
وشهدت الساحة الإعلامية نشاطا ملحوظا للصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية
سواء تلك التي كانت موجودة قبل الحرب، أو التي ظهرت مع اندلاعها وأسهمت جميعها بدرجات متفاوتة في سد الفراغ الإعلامي
ومواجهة سيل الشائعات، وتقديم محتوى وطني مسؤول رغم شح الإمكانيات وضيق الموارد
كما مثلت هذه المنصات نافذة مهمة للإعلاميين الذين واصلوا أداء رسالتهم المهنية
كل من موقعه
محافظين على الحد الأدنى من التدفق المعلوماتي
مؤكدين أن الصحافة لا ترتبط بالورق بقدر ما ترتبط بالرسالة والالتزام والوعي الوطني
لقد أثبتت الصحافة الإلكترونية، في هذه المرحلة الحرجة، أنها ليست بديلا موقتا فحسب
بل ركيزة أساسية في معركة الوعي وشريكا حقيقيا للإعلام الوطني في حماية الحقيقة والدفاع عن الدولة
ومساندة المجتمع في أحلك الظروف
السوشيال ميديا… سلاح خطير بلا ضوابط
تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب مفتوحة، تدير فيها المليشيات غرفا منظمة للتضليل، تبث الشائعات وتفبرك الصور وتستهدف الروح المعنوية للمواطن
وتضرب الثقة بين الشعب وجيشه ومؤسساته
وهنا لا يكفي الرد الخجول أو الموسمي
المطلوب ضغط إعلامي وطني منظم، دائم، وذكي
رد سريع ومدروس على الشائعات
كشف مصادر الأكاذيب
تقديم المعلومة الصحيحة بلغة بسيطة ومقنعة
بناء خطاب وطني عقلاني لا ينجر وراء الاستفزاز
التوعية الوطنية معركة طويلة النفس
التوعية ليست بيانا عابرا ولا منشورا وقتيا بل عملية مستمرة تبدأ من شرح ما يجري، ولماذا يجري ومن المستفيد من الكذب ومن الخاسر من انهيار الدولة
التوعية تعني أن نحصن المواطن ضد الشائعة
وأن نمنحه أدوات التفكير النقدي لا أن نكتفي بتكذيبه بعد أن ينتشر
إنصاف الإعلاميين شرط الانتصار
لا يمكن مطالبة الإعلاميين بالعمل بكل وهن صاف بينما يعيشون في ظروف قاسية
بلا استقرار، وبلا ضمانات، وبلا دعم نفسي أو مادي
الاهتمام بأوضاع الإعلاميين
ليس رفاهية
ولا مجاملة
بل ضرورة وطنية
إعلامي منهك، قلق على أسرته، ومطارد بلقمة العيش، لا يمكنه خوض معركة وعي طويلة ومعقدة
إنصاف الإعلاميين هو استثمار مباشر في أمن الوطن واستقراره
في ختام حديثي
في هذه الحرب تتغير موازين القوة على الأرض لكن الحقيقة إن خسرت مرة يصعب استعادتها
والإعلام الوطني بكل مستوياته وبكل شرفائه هو الأداة الأهم لحماية هذه الحقيقة
تحية لكل إعلامي صمد، ولكل قلم لم ينكسر ولكل صوت اختار الوطن رغم الخوف ورغم القهر ورغم العتمة
المعركة مستمرة… والوعي هو السلاح الأقوى
ولي الحديث بقية …….


