إيقاعُ الأنامِلِ عَقيدُ شُرطَةٍ: مُرتَضى العالَم يكتب الحقُّ أبلجُ، والباطلُ لَجلَجُ

حِكمةٌ عربيَّةٌ شهيرةٌ، ضارِبةٌ في عُمقِ التُّراثِ، تُنسبُ إلى أكثم بن صيفي، أحدِ حُكماءِ العربِ في الجاهليَّةِ، وساداتِهم فِكرًا ورأيًا، وشرفًا وبأسًا. وقد غَدَتْ هذه الكلمةُ السائرةُ مِضرَبَ مَثَلٍ في سُطوعِ الحقِّ وثَباتِهِ، وفي خُفوتِ الباطلِ وانكشافِهِ؛ إذِ الحقُّ نَيِّرٌ لا تَحجُبُهُ سَحابةٌ، راسخٌ لا تَزعزِعُهُ عاصِفَةٌ، والباطلُ مُتَلَجلِجٌ مُتردِّدٌ، لا يثبُتُ على حالٍ ولا يقومُ على ساقٍ.
ومن هذا المَعِينِ الصافي انطلقتْ مُبادرةُ رئاسةِ الشُّرطةِ بتكريمِ العَميدِ شُرطةٍ (م) لُطفِ اللهِ أحمدَ عفيفي؛ تقديرًا لجهودِهِ في مُناصرةِ قضايا الشُّرطةِ ببَنانِهِ وسِنانِهِ، عبرَ إطلالتِهِ الإعلاميَّةِ «الحقُّ أبلجُ»، التي عَزَّزَ من خلالها روحَ التَّعاوُنِ والتَّكاتُفِ بين مَنسوبي الشُّرطةِ، وأعلى رايةَ الكلمةِ الصادقةِ في زمنٍ تتكاثرُ فيهِ الظُّنونُ وتَتناسَلُ فيهِ التأويلات.
كانتْ ساعةُ التكريمِ لحظةً تَسامَتْ شَرَفًا، وتَفَوَّحَتْ عِرفًا، حتى لكأنَّ صفاءَها ماءٌ يُغسَلُ بهِ القَلبُ، ولُطفَها نَسيمٌ يُنعِشُ الرُّوحَ. حَمَلَتْ في طيَّاتِها معانيَ الوفاءِ لرجلٍ يَحمِلُ بينَ جَنَباتِهِ الصِّدقَ والأمانةَ، ويَتَعفَّفُ عنِ الغدرِ والخيانةِ، مُخلِصًا في انتمائِهِ لمؤسَّسةِ الشُّرطةِ العريقةِ، التي تَوارثَ رِجالُها، جيلًا بعدَ جيلٍ، مَكارمَ الأخلاقِ، ونُبلَ السَّجايا، وجميلَ القِيَمِ.
فمن شِيَمِ المروءَةِ، ونَبعِ الشَّهامةِ، المُتأصِّلَتَينِ في وجدانِ الشُّرطةِ فِطرةً واكتسابًا، أن يُبادَلَ الوفاءُ بالوفاءِ، وأن يُجزى أهلُ العطاءِ بالشُّكرِ والثَّناءِ. ولا يَتأتَّى ذلك إلَّا بإدراكِ دواعي التكريمِ وأسبابِهِ، وفقَ رؤيةِ رئاسةِ الشُّرطةِ، التي رأتْ في المُحتفى بهِ أهلًا لذلك التقديرِ، دونَ مُزايدةٍ أو ادِّعاءٍ. وليسَ لأحدٍ — كائنًا مَن كان — أن يخوضَ في هذا الأمرِ تلميحًا أو تجريحًا، طعنًا في المصداقيَّةِ أو تشكيكًا في الاستحقاقِ؛ فمِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تَركُهُ ما لا يعنيهِ، والكفُّ عن تتبُّعِ أحوالِ الناسِ والخوضِ في شؤونِهِم.
وقد جَرَتْ مراسمُ التكريمِ برعايةِ السَّيِّدِ مُديرِ عامِّ قُوَّاتِ الشُّرطةِ، الفريقِ أوَّلِ شُرطةٍ أمير عبدالمنعم فضل، في أجواءٍ من الأريحيَّةِ والتِّلقائيَّةِ والحفاوةِ الصادقةِ؛ بما يُؤكِّدُ أنَّ كِيانَ الشُّرطةِ ظلَّ متماسكًا، جامعًا لأبنائِهِ في الخدمةِ والمَعاشِ، تتكاملُ أدوارُهم تعاونًا وتنسيقًا، كجَناحَي طائرٍ لا يَبلُغُ وِكرَهُ إلَّا بهما، ولا يَستغني أحدُهما عنِ الآخرِ، إذِ المصيرُ واحدٌ، والطريقُ مُشتركٌ، والمسؤوليَّةُ مُتلازِمةٌ.
ولم تَخرُجْ هذه المُبادرةُ الكريمةُ — الحقَّةُ المُستحقَّةُ — عن الإطارِ المألوفِ، ولا عنِ الموروثِ المعروفِ في أدبِ المؤسَّسةِ الشُّرطيَّةِ وتقاليدِها الراسخةِ، حتى تُثارَ حولَها زوابعُ التأويلِ، أو يُكدَّرَ صفوُها بسعيٍ إلى تجريدِها من معانيها السَّاميةِ وقيمِها النَّبيلةِ. فما بالُ أقوامٍ تَضيقُ صُدورُهم بمشهدِ وفاءٍ، وتَشتاطُ نُفوسُهم غيظًا من لحظةِ تقديرٍ، فيَختلِقونَ استنتاجاتٍ تُخالِفُ واقعًا بيِّنًا، ويَنسِجونَ تفسيراتٍ لا صِلةَ لها بالحقيقةِ، ولا نَصيبَ لها من منطقٍ أو صوابٍ؟
وَخزُ الأنامِلِ
قالَ أميرُ الشُّعراءِ أحمد شوقي:
أَحَرامٌ على بَلابِلِهِ الدَّوحُ *** حَلالٌ للطَّيرِ مِن كُلِّ جِنسِ؟
وهو سؤالٌ يَتردَّدُ صداهُ في كلِّ زمانٍ؛ كيفَ يُضَيَّقُ على أبناءِ المؤسَّسةِ أن يُناصِروا قضاياها، ويُحرَموا من حقِّ الدِّفاعِ عنها، بينما يُستباحُ ذلك لغيرِهم من كلِّ طيفٍ وجنسٍ؟ إنَّ الوفاءَ ليسَ جريمةً، والدِّفاعَ عنِ الحقِّ ليسَ تُهمةً، والكلمةَ الصادقةَ — وإن وخزتْ — تبقى أنقى من صمتٍ يُزيِّنُ الباطلَ، أو حيادٍ يُساوي بينَ النُّورِ والظَّلامِ.

