د. عبدالرحيم حاج الامين يكتب العلاقة بين الشرطة السودانية والنيابة العامة قبل وبعد صدور قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م (1)

أولاً:- العلاقة قبل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م
قبل صدور قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، كانت العلاقة بين الشرطة والنيابة العامة تخضع لأحكام قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م، بالإضافة إلى المنشور رقم (1) الصادر عن النائب العام. في تلك المرحلة، اتسمت العلاقة بطابع التبعية الإجرائية المحدودة والرقابة الجزئية، حيث كانت النيابة العامة تمارس إشرافها الجنائي في نطاق جرائم محددة على سبيل الحصر، هي:- 1/جرائم القتل 2/ جرائم الموظف العام 3/ جرائم المال العام
وأي بلاغ يطلبه النائب العام تحديداً.
فيما عدا ذلك، كانت الشرطة تمارس سلطات واسعة على الدعوى الجنائية، شملت:- التحري وجمع الأدلة، القبض والتفتيش ،استجواب المشتبه بهم
إدارة البلاغ تحت إشراف السلطة القضائية. وتمثيل الاتهام.
وبذلك كانت الشرطة تسيطر عملياً على مجريات الدعوى الجنائية في غالب الجرائم، بينما اقتصر دور النيابة على الجرائم الثلاث المشار إليها وما يحدده النائب العام. ويمكن القول إن العلاقة في تلك المرحلة كانت أقرب إلى هيمنة عملية للشرطة مع إشراف قضائي.
*ثانياً:- العلاقة بعد صدور قانون* الإجراءات الجنائية لسنة 1991م
جاء قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ليعيد تنظيم العلاقة بين الشرطة والنيابة العامة بصورة أكثر وضوحاً، عبر إرساء تقسيم وظيفي محدد للاختصاصات.
1.اختصاصات الشرطة
تولي التحري تحت إشراف النيابة صاحبة الاختصاص الأصيل وجمع المعلومات،ضبط المتهمين،إعداد التحريات الأولية،رفع ملف الدعوى إلى النيابة،كما مُنحت الشرطة بعض الصلاحيات في تحريك الدعوى الجنائية في حالات محددة، لا سيما بموجب المواد (44) و(45) وبعض الجرائم المطلقة بصورة خلطت الأمر.
2.اختصاصات النيابة العامة
الإشراف على التحري ،مراقبة قانونية الإجراءات،توجيه الشرطة لاتخاذ إجراءات معينة،تقرير توجيه التهمة أو حفظ البلاغ،تمثيل الاتهام أمام المحكمة.
غير أن التداخل بين نصوص القانون الجنائي وقانون الإجراءات لسنة 1991م أحدث قدراً من الإرباك في تحديد الحدود الفاصلة بين سلطات الجهتين، خاصة فيما يتعلق بسلطة تحريك الدعوى والإشراف على التحري.
ثالثاً:- جا التحول الجوهري بموجب قانون النيابة العامة لسنة 2017م.
ليُحدث تحولاً مؤسسياً مهماً، حيث أكد مبدأ أن النيابة العامة هي صاحبة الولاية الكاملة على الدعوى الجنائية، باعتبار أن القانون الخاص يقيد العام. وفقا لهذا القانون يقيد الشرطة حتي في استخدام المواد 44,45 ولايعرف بجدول الجرائم المطلقة.
حيث نصت المادة (11) منه على اختصاصات واسعة للنيابة العامة، من أبرزها:-
1/ تمثيل الدولة والمجتمع في الادعاء العام.
2/ الإشراف على إجراءات ما قبل المحاكمة واتخاذ التحري الجنائي.
3/ الإشراف على سير الدعوى الجنائية وتولي التحقيق.
4/ النظر والتحري في الجرائم ذات الطبيعة الخاصة مثل:- الفسادالثراء الحرام والمشبوه، غسل الأموال ،تمويل الإرهاب
جرائم المخدرات،الاتجار بالبشر
الجرائم العابرة للحدود .
5/الإشراف القانوني على الأجهزة العدلية المساعدة.حماية المصلحة العامة والتصرف بموضوعية لصالح العدالة.
6/ تعزيز التعاون الدولي.
7/ إبداء الرأي في القوانين والاتفاقيات ذات الصلة.
8/ بسط سيادة حكم القانون وتحقيق العدالة الناجزة.
وبموجب هذا القانون، أصبحت النيابة العامة تمارس إشرافاً مباشراً وأقوى على الدعوي من مرحلة تحريك و التحري، وتملك سلطة إحالة القضية أو حفظها، وأضحت صاحبة الدور القيادي في إدارة الدعوى الجنائية، بينما تقوم الشرطة بالتحري الميداني تحت توجيه وإشراف النيابة.
*الفرق الجوهري بين المرحلتين*
قبل 1991م.
سيطرة عملية واسعة للشرطة على الدعوى الجنائية
إشراف محدود للنيابة في جرائم محددة.
علاقة أقرب إلى الاستقلال العملي للشرطة.
بعد 1991م (وتعززت بعد قانون 2017م)بتنظيم قانوني أوضح للاختصاصات.
إشراف مباشر وأقوى من النيابة على الدعوي الجنائية،تدخل أكبر في تفاصيل الإجراءات
انتقال العلاقة من طابع الهيمنة الشرطية إلى طابع القيادة القانونية للنيابة
الخلاصة!
يمكن القول إن العلاقة تطورت من نموذج كانت فيه الشرطة تمسك بزمام الدعوى الجنائية عملياً، إلى نموذج أصبحت فيه النيابة العامة صاحبة الولاية القيادية الكاملة، مع بقاء الشرطة كجهاز تنفيذي ميداني يعمل تحت إشرافها القانوني.
السؤال ماهي سلبيات وايجايئات هذه التطورات علي الدعوي الجنائية هذا ما سوف نتطرق إليه في المقال القادم.
د.عبدالرحيم حاج الأمين


