فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب قانون بيع الأموال المرهونة 1990م عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانونين (2)

تناولت المقالة الأولى إشكاليات قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م في السودان، مبرزةً التوتر بين الشكلية القانونية والعدالة الموضوعية، حيث أقرت المحكمة الدستورية دستورية القانون من جانب الشكل دون مراعاة المعايير الإسلامية والدولية المتعلقة بحماية المدين ومسئولية الدولة والمصارف، وهو ما يعكس هيمنة الأحكام الشكلية وتجسيد نموذج القاضي السياسي الذي يغلب الاعتبارات المؤسسية والسياسية على حماية الحقوق، في مقابل تراجع دور القاضي الحارس. ولم يقف هذا الطرح عند المستوى النظري، بل عززته المقالة بأمثلة عملية من القضاء السوداني، تمثلت في تجاهل أوامر وقف التنفيذ الصادرة عن المحكمة الدستورية، وتشكيل دوائر قضائية من قضاة بلا ولاية دستورية، الأمر الذي أفضى إلى ازدواجية في المعايير وإضعاف ثقة المتقاضين في العدالة. كما خلصت المقالة إلى أن القانون أفرز إخلالات جوهرية، تمثلت في تطبيقه بأثر رجعي، وتعارضه مع قوانين أخرى، وغياب الحماية الكافية للمدين، فضلًا عن صدوره بمرسوم استثنائي من سلطة أمر واقع في أعقاب انقلاب 30 يونيو 1989م، بما أسهم في ترسيخ انحياز القضاء إلى الشكلية على حساب جوهر العدالة، وأضعف مبدأ سيادة القانون، مؤكدةً المقالة في ذلك ضرورة الإصلاح التشريعي والقضائي لتحقيق التوازن بين الشكل والجوهر.
وفي سياق متصل، يكشف تحليل هذه الإشكاليات، كما عرضتها المقالة، عن بنية قانونية وقضائية مضطربة تأسست على توتر عميق بين الشكلية القانونية والعدالة الموضوعية، وهو توتر لم يظل حبيس التنظير، بل تجسد عمليًا في ممارسات قضائية أعادت تشكيل العلاقة بين القاضي والنص التشريعي، وبين الدولة والحقوق. فقد انتهت المحكمة الدستورية إلى إقرار دستورية القانون من زاوية شكلية صرفة، متجاوزةً بذلك المعايير الإسلامية والدولية ذات الصلة بحماية المدين، ومتغاضية عن مسئولية الدولة والمصارف في تحقيق التوازن العقدي، الأمر الذي يعكس انحيازًا واضحًا لنموذج (القاضي السياسي) الذي يُخضع العدالة لاعتبارات الاستقرار المؤسسي والسلطوي، على حساب نموذج (القاضي الحارس) الذي ينهض بوظيفة حماية الحقوق وصون التوازن القانوني.
لم يقف هذا الانحياز من المحكمة الدستورية عند حدود التكييف الدستوري لقانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م، بل امتد إلى مستوى الممارسة القضائية في عدد من القضايا التي تباينت فيها الأحكام أمام محاكم الاستئناف ودوائر المحكمة العليا في مرحلتي النقض والمراجعة، حيث برزت آراء مخالفة سعت إلى إرساء مبدأ القاضي الطبيعي وتأكيد ولاية القضاء على نزاعات بيع الأموال المرهونة، واعتبار أن خيار التحكيم المنصوص عليه في القانون ليس خيارًا آمرًا، بما يكفل للمدين المتعامل مع المصرف حق اللجوء إلى القضاء.
إلا أن اتجاهًا غالبًا في دوائر الاستئناف والمحكمة العليا قد انتهى إلى خلاف ذلك، إذ استقر على عدم اختصاص القضاء بنظر هذه المنازعات، وتغليب خيار التحكيم على نحو يُفضي عمليًا إلى تفويت هذا الخيار لمصلحة المصرف الدائن، بما يمنحه سلطة الانفراد باتخاذ قرار بيع المال المرهون وفقًا لتقديره، دون رقابة قضائية فعّالة على إجراءات البيع أو مدى مشروعيتها. وقد تأسس هذا الاتجاه من الرأي الغالب (رأي الأغلبية) على إضفاء الدسترة والمشروعية الدستورية على القانون استنادًا إلى حكم المحكمة الدستورية، الأمر الذي عزز من هيمنة التفسير الشكلي للنصوص على حساب ضمانات العدالة الموضوعية.
وفي هذا السياق، عرضت المقالة صورًا واضحة من التفكك المؤسسي، من بينها تجاهل أوامر وقف التنفيذ الصادرة عن المحكمة الدستورية، وتشكيل دوائر قضائية من قضاة يفتقرون إلى الولاية الدستورية، وهو ما أسهم في إنتاج حالة من ازدواجية المعايير القضائية وأضعف ثقة المتقاضين في النظام العدلي. ويُضاف إلى ذلك، ما شاب القانون ذاته من اختلالات بنيوية، تمثلت في تطبيقه بأثر رجعي على نزاعات قائمة، وتعارضه مع قوانين أخرى ذات صلة بالوفاء المدني للالتزام العقدي والتعاقدي والجزاء، فضلًا عن صدوره في سياق استثنائي عن سلطة أمر واقع تمثلت في انقلاب 30 يونيو 1989م العسكري الذي أصدر القانون، الأمر الذي ألقى بظلاله على مشروعيته في الإصدار الشكلي الاجرائي للقانون بمرسوم مؤقت، مما أثر في توجهات القضاء نحو تغليب الشكل على الجوهر، بما أفضى في مجموعه إلى إضعاف مبدأ سيادة القانون.
ويزداد الأمر تعقيدًا عند النظر إلى وضعية الشركات الكبرى والمستثمرين في السودان، الذين يشكلون ركائز أساسية في الاقتصاد الكلي والجزئي، خاصة في حالات الدولة المتقلبة الأوضاع أو غير المستقرة سياسيًا واقتصاديًا، إذ تصبح مراكزهم المالية وحمايتهم القانونية حساسة للغاية أمام أي إخلال قانون بمبادئ الوفاء والجزاء وحسن النية. فالقانون والقضاء، عند تطبيقهما القانون الحالي الساري المفعول على هذه الكيانات الاقتصادية الاستثمارية في السودان، لا يؤثران فقط على حقوق المدينين الصغار والشركات، بل يمتد تأثيرهما إلى الاستقرار الاقتصادي العام، ويحدد قدرة الشركات والمستثمرين على الاستمرار والبقاء في الدولة. وفي هذه الحالات، يصبح من الضروري مراعاة معايير معتبرة للشركات والمستثمرين، مثل ضمان العدالة في تنفيذ الالتزامات، والشفافية والعدالة الاجرائية، ومنع التعسف في استعمال الحقوق من جانب المصارف أو السلطة العامة، وإتخاذ أقصى ما يمكن من تدابير بما يضمن استمرار النشاط الاقتصادي وعدم فقدان الثقة في الأسواق، ويتيح بيئة مستقرة للاستثمار حتى في ظل التقلبات السياسية أو الاقتصادية.
وقبل الولوج إلى التحليل التفكيكي للقانون، يقتضي التأصيل بيان الإطار المفاهيمي الذي يحكم العدالة المدنية في مجال تنفيذ الالتزامات، وذلك من خلال ثلاثية مترابطة هي: الوفاء، وعدالة الجزاء، وحسن النية. هذه المبادئ لا تعمل في عُزلة ومنفردة، بل تُشكّل معًا بنية معيارية تضبط العلاقة بين الدائن/ المصرف والمدين/ المتعامل مع المصرف، وتحدد متى يكون تنفيذ الالتزام عادلًا، ومتى ينحرف إلى التعسف أو الاختلال. فالعدالة المدنية، في جوهرها، تقوم على تحقيق التوازن بين المراكز القانونية للأطراف، بحيث لا يتحول الحق إلى أداة هيمنة وسيطرة وتحكم، ولا يُفرغ الالتزام من مضمونه العادل. ومن ثم، فإن الوفاء بالالتزام يُعد نقطة الانطلاق، بينما يشكّل الجزاء آلية تصحيح عند التأكد من الإخلال، ويأتي مبدأ حسن النية كقاعدة حاكمة ومعيارية تضبط سلوك الأطراف والقاضي معًا لإثبات الإخلال بالوفاء، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والالتزامات العقدية، ومع مبادئ الشريعة الإسلامية التي تركز على العدل، وتحريم الغرر والظلم، وحفظ الحقوق المالية للطرفين.
وفي هذا السياق، يُعد الوفاء بالالتزام الأصل الطبيعي في القانون المدني، إذ يفترض أن يقوم المدين بتنفيذ ما التزم به تنفيذًا مطابقًا لمحل الالتزام، في الزمان والمكان المتفق عليهما، وبطريقة تحقق مصلحة الدائن دون إرهاق غير مبرر للمدين. إلا أن فكرة الوفاء لا تُفهم بوصفها مجرد إجراء مادي لإبراء الذمة، بل كعملية قانونية تقوم على تمكين المدين من التنفيذ الحقيقي والعادل، وهو ما يؤكده المعيار الدولي لحق المدين في حماية ممتلكاته وحقه في إجراءات عادلة ومنصفه، وكذلك ما ورد في الفقه الإسلامي في أحكام المعاملات المالية، التي تشدد على التيسير وعدم الإضرار بالمدين. لذلك، فإن القواعد المدنية تُحيط الوفاء بضمانات، مثل منح المهلة القضائية الكافيه بتقديرات القاضي، وإمكانية إعادة الجدولة، ومنع التعسف في استعمال الحق من جانب الدائن، بما يتوافق مع التوجيهات الدولية والشريعة الإسلامية في تحقيق العدالة والتوازن المالي، ويأخذ في الاعتبار الحاجة إلى حماية الشركات الكبرى والمستثمرين الراغبين في الاستمرار داخل الدولة.
أما عدالة الجزاء، فهي الوجه المقابل لفكرة الوفاء، وتظهر عند إخلال المدين بالتزامه. والجزاء في القانون المدني ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإعادة التوازن الذي اختل بسبب عدم التنفيذ. لذلك، يخضع الجزاء لجملة من القيود المعيارية، في مقدمتها مبدأ التناسب، بحيث لا يكون الجزاء أشد من الإخلال ذاته، ومبدأ المشروعية، الذي يقتضي أن يستند الجزاء إلى نص قانوني صحيح ومطبق تطبيقًا سليمًا، ومبدأ عدم الرجعية، الذي يمنع تطبيق القواعد الجديدة على مراكز قانونية سابقة، وهو ما يتوافق مع المبادئ الإسلامية التي تحظر الإضرار بالمدين أو استغلال حاجته، ومع المعايير الدولية التي تشدد على العدالة الإجرائية ومبدأ محاكمة عادلة ومنصفه. كما يتطلب الجزاء المدني احترام الضمانات الإجرائية، وعلى رأسها حق الدفاع، فلا يجوز بمقتضى العدالة الموضوعية أو الشريعة الإسلامية اتخاذ أي جزاء دون إتاحة الفرصة للطرف المتضرر للرد أو الاعتراض أمام قاضي طبيعي، مع مراعاة تأثير ذلك على استقرار الشركات الكبرى والمستثمرين في الاقتصاد الوطني.
ويأتي مبدأ حسن النية بوصفه القاعدة الحاكمة التي تتخلل مرحلتي الوفاء والجزاء معًا. فحسن النية في القانون المدني ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل مبدأ قانوني ملزم يفرض على الأطراف التصرف بصدق وأمانة، والامتناع عن الإضرار المتعمد بالطرف الآخر، سواء عند إبرام العقد أو تنفيذه أو حتى عند إنهائه. كما يمتد أثر هذا المبدأ إلى القاضي، فيلزمه بتفسير النصوص وتطبيقها بما يحقق العدالة لا بمجرد التمسك الحرفي بالشكل. ويترتب على ذلك، أن إساءة استعمال الحق، أو استغلال ضعف الطرف الآخر، أو إخفاء المعلومات الجوهرية، كلها صور لانتهاك حسن النية، تؤدي إلى اختلال العدالة العقدية، وهو ما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والالتزامات العقدية العادلة، وكذلك مع الفقه الإسلامي الذي يفرض الصدق والأمانة في المعاملات وحماية حقوق الأطراف، ويحرّم الغرر والظلم المالي، مع مراعاة تعقيدات دور الشركات الكبرى والمستثمرين وتأثرهم بتقلبات الأوضاع السياسية والاقتصادية غير المستقرة، بحيث يضمن القانون التوازن بين حماية الأطراف الضعيفة واستمرارية النشاط الاقتصادي الحيوي.
وعلى هذا الأساس، وعند إسقاط هذه الإشكاليات على معايير العدالة المدنية في القانون المدني، يتضح أن القانون أخلّ بمبدأ الوفاء حين حرم المدين من فرصة التنفيذ العادل أو إعادة جدولة الدين، فجعل الوفاء مجرد إجراء قسري يفرضه الدائن لا التزامًا متبادلاً قائمًا على العدالة. كما أخلّ بمبدأ الجزاء حين طُبّق بأثر رجعي على نزاعات قائمة، مخالفًا مبدأ عدم رجعية القوانين، وجعل الجزاء غير متناسب لأنه سمح للدائن/ المصرف ببيع أموال المدين/ المتعامل مع المصرف دون مراعاة ظروفه أو إعطائه فرصة للدفاع. أما حسن النية، فقد أُفرغ من مضمونه، إذ لم يمنح القانون المدين أي حماية في حالات الإعسار أو العجز، ولم يفرض على المصارف التزامًا بالشفافية أو مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية، أو المسؤولية الاجتماعية للمصرف، فضلًا عن مسئولية الدولة، مما حوّل العلاقة بين المصرف والمدين إلى علاقة استغلالية وغير متوازنة.
وبذلك، يظهر من خلال هذا الربط التحليلي للقانون، أن القانون والتطبيق القضائي انحازا إلى الشكلية والإجراءات على حساب جوهر العدالة المدنية، فأضعف مبدأ الوفاء بالالتزام، وحوّل الجزاء إلى أداة غير عادلة، وأفرغ حسن النية من محتواه الحقيقي. ويعكس هذا الانحياز نقدًا واضحًا للمحكمة الدستورية التي أقرّت دستورية القانون من منظور شكلي صرف، متجاوزةً الاعتبارات الموضوعية الجوهرية للعدالة وحقوق الأطراف، بما يبرز غياب التوازن بين حماية المصالح المؤسسية والحقوق الفردية. وهذا يبرر الدعوة إلى إصلاح تشريعي عاجل للقانون يعيد الاعتبار للمعايير الثلاثة المذكورة كركائز أساسية للعدالة المدنية، ويضمن اتساق القانون مع مبادئ العدالة الدستورية والموضوعية، بحيث يتحول القانون إلى أداة لتحقيق الإنصاف وليس مجرد وسيلة لتثبيت السلطة أو حماية المؤسسات.
،،،، ونواصل،،، وللحديث بقية.
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
الثالث من شهر شوال 1447 هجري
الموافق 23 مارس 2026م


