أعمدة الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب المصيبة

 

كلُ شيءٍ يولد صغيرًا ثم يكبر، إلا المصيبة، فهي تُولد كبيرةً، ثم تَصْغُر.

غافلٌ من لا يعرف أنَّ للدهر نوائبًا، جاهلٌ من يُريدُ للحياةِ أن تسيرَ كما يُريد هو، خاسرٌ من لا يصبر على المصائب. نعم للدهر نوائبٌ، وحوادثُه المفاجئة التي تنزل بالإنسان. فالدهرُ متقلبٌ بين رخاءٍ وشدةٍ، ودوامُ الحالِ من المحال.

على الإنسان أن يتوقعَ المصيبةَ في أي وقت وفي أي مكان، هذا ليس تشاؤمًا، لكنه من باب تقييم المخاطر والحرصِ على السلامة. هناك مقولةٌ شهيرة، تُنسب إلى جورج برنارد شو تقول: (المتفائلُ صنع الطائرةَ، والمتشائم صنع سترة النجاة) الأول يدفعنا للأمام والثاني يحمينا عند الحاجة كلاهما ضروري للمجتمع. نستفيد من ذلك ان نستعدَ للاسوأ اعني بالاسوأ ( المصيبة) مع الايمان بالأفضل ، اعني بالافضل ( ثمرة المصيبة)

حتى لا نتوه في المقدمات وننسى ماهي المصيبة؟ أقول: المصيبةُ هي كلُ مكروهٍ ينزل بالإنسان سواءً كان في نفسه، أو في أهله، أو ماله، أو دينه، كالمرض الذي يُصيبُك او يصيب ولدَك او زوجتَك أو أي عزيزٍ لديك فهذه مصيبة ولفراقُ مصيبة، كفراق الاهل والأحبة. والموت الذي يُفقدُك عزيزًا لديك: أمك، ابيك، زوجك، ولدك، أخاك أو صديقك. فقدان الممتلكات مصيبة، أن تفقد منزلك، سيارتك، مالك.و فقدان موقفك الإيجابي مصيبة، كثيرٌ من الناس عندما تقع عليهم مصيبة يفقدون موقفهم الإيجابي فيتغيَّر أسلوبُ حياتهم للأسوأ، ويشكلون طاقةً سالبة تؤثر على من حولهم وعلى من يتعاملون معهم، فاحرص ولا تُفرِّط في موقفِك الإيجابي، فإنه من أغلى ما تملك وقد يقودك إلى مصيبةِ الدين التي هي من المصائب الكبرى، لأن المصيبةَ في الدين أعظمُ المصائب. (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)

*كيف تحول المصائبَ إلى نعم؟*

ليست كلُ مصيبة شرًا محضًا، بل قد تكون خيراً خفيًا. تعاملُك الإيجابي مع المصيبة هو الذي يحوِّل المحنَ الى منح. تحويلُ المحنِ إلى منحٍ يتطلُبُ صبرًا، وإيمانًا ورؤيةً إيجابيةً، حيث تُولد المنحُ من رَحِم الشدائد. يمكن تحقيق ذلك عبر الأتي: حسنُ الظنِّ بالله، استثمار الإبتلاء في التقرب إلى الله، والتعلم من الأخطاء لتطوير الذات، مما يحوِّلُ الأزماتِ إلى فرصٍ للنمو والقوة والمنح الربانية. تقبَّل المحنةَ باعتبارها فرصةً للتحوُّل، تسليمُ مخاوفك من النتيجة إلى قوةٍ أعظمَ منك، إعتمد أفكارًا إيجابيةً حتى تُسْكتَ صوتَ عدمِ ثقتك في نفسك، إنخرط في المجتمعِ، وتواصل مع الآخرين للحصولِ على دعمهم، إحذف من تفكيرك (لماذا انا) فأنت لستَ وحدك، هناك الملايين من هم مثلُك والملايين من هم دونك، وأنت أفضلُ منهم بكثير. صدقني ولا تتعجب، إن قلتُ لك إنَّ بعضَهم ينظر إلى الوضع والحالة التي انت فيها حلم يتمنون الوصولَ إليه..

قلت لكم في فقرة كيف تحول المحن الى منح (عبارة استثمار الابتلاء في التقرب إلى الله) الآن أقول لكم كيف تستفيد من هذه المحنة؟

أولا: إنها تجعلك في معية الله ومحبته: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}

ثانيا: يُكفِّر اللهُ بها عنك الذنوب.

ثالثا: يرفع اللهُ بها درجاتِك في الجنة، بالهداية والرحمة: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ..

هل لديكم وقت، او هل حالتكم المِزاجية تسمح أن انقلَ لكم ستةَ طرقٍ شرعية للتعامل الصحيح مع المصيبة؟ إن لم تكن مستعدًا الآن، فسوف تجدها في كتب التراث الإسلامي الورقية والالكترونية، وإن كنت مستعد الآن فهي:

1– الصبر عند الصدمة الأولى: ضبط النفس وعدم الجزع فور وقوع الخبر، ففي الحديث “إنما الصبر عند الصدمة الأولى.

2- الاسترجاع والدعاء: قول: “إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها.

3-إحتساب الأجر: تذكر أنّ المصائبَ كفاراتٌ للذنوب ورافعةُ للمنزلة، حتى الشوكة يُشاكها المؤمن.

4- التوبة والاستغفار: الابتلاء قد يكون بسبب ذنب، فالرجوع إلى اللهِ والضراعة إليه بالدعاء يكشف البلاء.

5- عدم السَخَط والشكوى لغير الله: و قول(لو أني فعلت كذا لكان كذا) فذلك يفتح عمل الشيطان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

6– الأخذ بالأسباب والتعايش: البحث عن علاج للمشكلة، والاستعانة بالله، والتعايش مع ما لا يمكن تغييره.

*عدم المصيبة مصيبة*

، سوف احكي لكم روايةً، تدل على أن عدمَ المصيبة مصيبةٌ، رواية تُذكر في كتب السير وبعض كتب التفسير والزهد تقول الروايةُ: إن رجلًا من العرب عرض ابنتَه على النبي- صلى الله عليه وسلم- للزواج وأثنى على بنته بجمالها وعقلها، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم رفضها، لماذا!؟ لأن والدَها- أثناء مدحه لها- قال متباهياً: والله يا رسولَ الله ما صدعت قط، ولا اشتكت شيئاً قط (أي لم يصبها صداعٌ ولا مرض طوال حياتها) فلما سمع النبيُ- صلى الله عليه وسلم- ذلك، رفض الزواجَ منها وقال: لا حاجة لي بها. “،انتهى الحديث!! هل هناك مصيبةٌ أكبر من ان يرفضَها الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- فتُحرم من أن تكونَ إحدى أمهاتِ المؤمنين؟ رفضها الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- لأن عدمَ تعرُّضِها لأي نوعٍ من الألم أو المرض قد يكون إشارةً إلى قسوةِ القلب. هذا ما قاله العلماء، وقالوا يجوز- شرعًا- الدعاءُ بعدم وقوع المصيبة (طلب العافية) وهو من الأمور المستحبة والمشروعة، فقد كان النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من جهد البلاء وسوء القضاء، و جهدُ البلاء هو أشدُّ أنواعِ المصائب والمشقة العظيمة التي لا طاقة للمرء بها،… فلندعو بهذا الدعاء، والدعاء لا ينافي الرضا: الدعاء بطلب دفع البلاء لا يتعارض مع الرضا بالقضاء، فالمؤمن يسأل ربه العافية، فإذا وقعت المصيبة صبر مثلما بيَّن الله -جل وعلا- قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[البقرة:155-157]

خلاصةُ القول: إذا اصابتك مصيبةٌ، فاحمدِ اللهَ أنها لم تكن اكبرَ من ذلك، ثم ارضَ بها وإن لم تستطع، فاصْبِر و تعامل معها بمفهوم (إن لم يكن ما تُريد، فأرِد ما يكون) واستثمرها كفرصةٍ للعبادةِ، وتأكَّد أنها زائلةٌ وسوف تصبح مجرد ذكريات، فدوام الحال من المحال وأنك لستَ وحدك..

والله أعلى وأعلم..

31 مارس 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى