ريحة البلد د. سارة عبد العزيز تكتب فوضى النشر عندما تنتهك الحقيقة باسم الحرية✋

لم تأت التوجيهات الرسمية الأخيرة بشأن ضبط النشر والتعامل مع المعلومات من فراغ جاءت استجابة لواقع تجاوز فيه الخطأ حدوده
تحولت فيه بعض المنصات إلى ساحات مفتوحة للفوضى
لم يعد الأمر مجرد آراء متباينة انما ممارسات تمس كرامة الأفراد وتضر بسمعة المؤسسات
وتهدد الاستقرار المجتمعي في لحظة تتطلب أعلى درجات الوعي والانضباط
ما نشهده اليوم في بعض الفضاءات الرقمية لا يمكن وصفه بحرية التعبير
حرية التعبير حق أصيل لكنها لا تعني القفز فوق الحقائق أو انتهاك خصوصيات الناس أو إطلاق الاتهامات دون دليل
حين ينشر اسم شخص مقرونا بشبهة أو ادعاء غير مثبت
ويتم تداوله على نطاق واسع وكأنه حقيقة فإننا لا نكون أمام رأي انما أمام ضرر حقيقي قد يصعب تداركه
المقلق أن هذه الممارسات لا تقف عند حدود من يكتبها بل تمتد إلى من يعيد نشرها دون تحقق بضغطة زر يتحول المتلقي إلى طرف فاعل في نشر الإساءة فتتسع دائرة الضرر
ويصبح الخطأ الفردي أزمة جماعية
وهنا تكمن الخطورة الفوضى لا تنتشر وحدها
انما تجد من يغذيها دون وعي
إن ضبط النشر ليس تقييدا للحريات كما قد يصور البعض
هو حماية لها من الانزلاق إلى الفوضى
فالمجتمع الذي تنتهك فيه الخصوصيات وتشاع فيه الاتهامات بلا سند يفقد تدريجيا ثقته بنفسه وبمؤسساته والمسؤولية هنا مشتركة بين جهة تشرع وتنظم وفرد يدرك أن ما يكتبه أو يشاركه ليس مجرد كلمات عابرة
انما فعل قد تترتب عليه آثار قانونية وإنسانية
القانون في هذا السياق واضح
لا يحاسب على النوايا
يحاسب على الأفعال
ونشر المعلومات الشخصية أو ربطها باتهامات غير مثبتة لم يعد خطأً يمكن تجاوزه
أصبح سلوكا يعرض صاحبه للمساءلة خاصة حين يتكرر ويتخذ طابعا ممنهجا
ولم يعد الفضاء الرقمي خارج نطاق المحاسبة
انما أصبح امتدادا حقيقيا للحياة العامة
بما فيها من حقوق وواجبات
في المقابل يبقى النقد المسؤول القائم على المعلومة الدقيقة والطرح المتزن ركيزة أساسية في أي مجتمع صحي
الفرق واضح بين من يسعى لكشف الحقيقة ومن يوظف الشائعة لتحقيق انتشار أو تصفية حساب الأول يبن والثاني يهدم
لا مجال للفوضى تحت غطاء الحرية
ولا مكان للتشهير تحت ذريعة الرأي
الكلمة أمانة والنشر مسؤولية والوعي خط الدفاع الأول
ومن يتجاهل هذه الحقيقة الآن قد يواجهها لاحقا ولكن بثمن أكبر.


