إيقاعُ الأنامل عقيدُ شرطة: مرتضى العالِم حصائدُ الألسنة بين السيئةِ والحسنةِ

قَديمًا قيل: (رَحِمَ اللهُ امرأً عَرَفَ حدَّه فوقفَ عنده)، فمَن تَدخَّل فيما لا يعنيه سَمِع ما لا يُرضيه. فليس من الحكمةِ في شيءٍ أن يُنصِّبَ الإنسانُ نفسَه حاكمًا لتقييم أفعالِ الغير وتبخيسِهم أشياءَهم، والمرءُ في ذلك أحوجُ ما يكونُ إلى الاشتغالِ بنفسِه لتقويمِ ما بها من عِوَج؛ (فكلُّ الإنسانِ عيبٌ، وللنّاسِ ألسنٌ وأعين)، والعينُ بعينِها، والسِّنُّ بسِنِّها، والبادي أَطغى وأظلم.
طالعتُ بكلِّ أسفٍ وخيبةِ أملٍ مقالًا لا مضمونَ له غيرُ الافتراءِ والتكهُّنِ باستباقِ الأحداث، كأنما كاتِبُه عرّافٌ أو قارئُ كفٍّ وفنجان، مُدَّعيًا التنبؤَ بمستقبلٍ يشملُ حدوثَ تغييراتٍ في قيادةِ الشرطة، وذهب المقالُ أبعدَ من ذلك بتحديدِ الأسماءِ والدواعي والأسباب، متخذًا من ذلك مكسبًا إعلاميًّا وسبقًا صحفيًّا، أثار به الحفيظةَ وحرَّك موجاتِ الغضبِ والاستهجان، استنكارًا لهذه الخطوةِ التي جانبت الحكمةَ والصواب.
ولا أريدُ أن أزيدَ على ما ورد في المقال من اختلاقٍ بفريةٍ وبهتانٍ، زعمًا وتوهُّمًا بعدم تسجيلِ إنجازاتٍ بارزةٍ للسيدِ مديرِ عامِّ قواتِ الشرطة منذ تولِّيه المنصب. فأيُّ صخبٍ ونَصَبٍ هذا؟ وأيُّ تخبُّطٍ وتلبُّطٍ هذا؟ وأيُّ افتراءٍ واهتراءٍ هذا؟ فبأيِّ منطقٍ وبأيِّ حقٍّ يُصرِّحُ ويدَّعي ذلك مُطلِقًا على عواهنِه، من غيرِ تثبُّتٍ وتريُّثٍ، ودونَ التفكيرِ في صِحَّته وخطئِه؟!
فالتقييمُ الذي نعرفُ ونُقِرُّ به هو الذي أتى بالمديرِ العامِّ لقواتِ الشرطة، الفريقِ أول شرطة (حقوقي) أمير عبد المنعم فضل، لتولِّي هذا المنصب عن استحقاقٍ وجدارةٍ، وباقتدارٍ وصدارة. وهو التقييمُ الذي مارس به هذه الصلاحيات، وما يزالُ على ذلك قائمًا بالبذلِ والعطاءِ والمكابدةِ والمرابطةِ والشقاء، وهو التقييمُ الذي تحقَّقت به العديدُ من الإنجازات على كافةِ الأصعدةِ والمستوياتِ الأمنيةِ والخدميةِ والمجتمعية.
فالسيدُ مديرُ عامِّ قواتِ الشرطة يكفيه من الشرفِ والإعلامِ أنه تقلَّد هذا المنصب وبلادُنا تمرُّ بظرفٍ استثنائيٍّ لم تشهدْ له مثيلًا من قبل، أوشك أن ينزلقَ بها إلى هاويةٍ لا قرارَ لها، ولا فرارَ من شدَّةِ عتمِها وظلمتِها، ولا خيارَ إلا مقاومتُها بالغلظةِ والحكمة. فكانت قواتُ الشرطة، تحت قيادتِها الرشيدة على مستوى الوزارة ورئاسةِ قواتِ الشرطة، عند الوعدِ وفي الموعد؛ تقدَّمت صفوفَ القتال، فمضى منها من مضى من الشهداءِ، وأُصيب من أُصيب، وأُسِر من أُسِر، ولم يثنِها ذلك عن الاضطلاعِ بواجباتها في حفظِ الأمنِ والاستقرار، وتقديمِ خدماتِها للمواطنين.
ومديرُ عامِّ قواتِ الشرطة يكفيه من الشرفِ والإعلامِ أنه كان على رأسِ شرطةِ ولايةِ الخرطوم – وما أدراك ما هي – أيامَ العُسرةِ والمَسغبةِ والشِّدة؛ لم يُغادرِ الولايةَ حتى تاريخِ تكليفِه مديرًا عامًا لقواتِ الشرطة، ظلَّ ممسكًا بزمامِ الأمر، قابضًا على الجمر، عندما حَمِيَ الوطيسُ، ووَطِئ الفطيس، وطفحَ الكيلُ، وانهَدَّت الحِيَل، وبلغَ السيلُ الزُّبى، وانعدم القوتُ، وخَرِبَت البيوت، بسيطرةِ المتمرِّدين على جميعِ محلياتِها عدا محليةِ كرري. فبينما كان المتمرِّدون – عليهم اللعنة – يعيثون فيها الخرابَ والدمار، وينشرون الفسادَ عبثًا بوحدةِ الوطنِ وأمنِ المواطن، وقتما بلغتِ القلوبُ الحناجر، ونُهِبَت المنازلُ والمتاجر، وعزَّ نصيرُ المستجير؛ عندها كان مديرُ شرطةِ ولايةِ الخرطوم، بمعاونةِ أركانِ حربِه، يصولُ ويجول، حاملًا همَّ الوطن، مُشيعًا للطمأنينة، باعثًا للأمل، متفقِّدًا للقوات لسدِّ الثغرات وإقالةِ العثرات في صفوفِ القتالِ الأمامية، داعمًا لهم ومحرِّضًا لهم على القتالِ والثبات. ويشهدُ بذلك القاصي والداني، والمادحُ والقادح، ولا يتخلَّفُ عنهم إلا من به عَمَهٌ وصَمَمٌ وبُكْمٌ، لا يستبينُ من أمرِه هُدًى ولا هداية.
ومديرُ عامِّ قواتِ الشرطة يكفيه من الشرفِ والإعلامِ أن ما تشهده البلادُ، بالمركزِ والولايات، من استتبابٍ للأمن، وبسطٍ للطمأنينة، والمحافظةِ على الهوية، واستعادةِ كافةِ الخدماتِ الشرطيةِ للمواطنين، إنما تحقَّق على عهده وبعرقِ مثابرتِه وجهدِه. وهذه الإنجازاتُ لم تكن للتباهي ولا للتماهي، وإنما هي من صميمِ واجباتِ الشرطة ومهامِّها التي تضطلعُ بها من غيرِ مَنٍّ ولا أذى، ولا تبتغي وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا؛ فحسبُها من ذلك قولُ المصطفى ﷺ:
(عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشيةِ الله، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيلِ الله).


