أعمدة الرأي

ريحة البلد البرهان حين تصبح البساطة جسرا بين القيادة والشعب بقلم: د. سارة عبدالعزيز

 

في خضم الحرب التي يعيشها السودان لا تتشكل صورة القائد فقط من خلال القرارات السياسية أو العسكرية انما من خلال حضوره الإنساني وقربه من الناس وقدرته على مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية

وفي هذا السياق برز عبد الفتاح البرهان بصورة مختلفة في وجدان كثير من السودانيين حيث قدمه الواقع كما يراه البعض

كأب روحي يلامس هموم شعبه ببساطة وتواضع

لم يقتصر حضوره على المحافل الرسمية

انما امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في الشوارع في موائد رمضان

وسط ستات الشاي وفي الجلسات البسيطة مع أصحاب المقاهي يتناول كوب الشاي أو العصير من يد المواطنين دون تكلف

هذه المشاهد حملت رسالة واضحة لكل من يتولى مسؤولية عامة

أن النجاح لا يتحقق إلا بالقرب من الناس والشعب

وفهم احتياجاتهم ومعايشة واقعهم كما هو

الحاكم الناجح ليس معزولا عن شعبه

انما جزء منه يستمد شرعيته من قربه منهم ومحاسبتهم له

وقد انعكست هذه الصورة في تفاعل الشارع السوداني خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث تتكرر مشاهد تداول مقاطع للبرهان مصحوبة بأغنية الفنانة هاجر محمد حسن

أحييك لأنك توزع في حنك شايل هم بلادك وناسيهو همك

وهي كلمات وجدت صدى واسعا لما تحمله من معان تعبر عن تطلعات الناس لقائد يشعر بهم ويشاركهم همومهم

وفي مقابل هذه الصورة تبرز تجارب أخرى تكشف أن مفهوم القرب من الناس لا يزال غائبا لدى بعض المسؤولين ومن ذلك موقف عايشته بنفسي خلال مبادرة العودة الطوعية في سلطنة عمان .

في سياق الجهود المتعلقة بمبادرة العودة الطوعية للسودانيين

ففي تلك الفترة ومع تصاعد الحاجة إلى تنظيم جسر جوي أو تخفيض أسعار التذاكر عبر شركات الطيران تم إطلاق مناشدات إعلامية متعددة

ومن بين هذه الجهود

نشر خبر عبر إحدى المنصات الصحفية يفيد بأن السفير عصام متولي يدعم بشكل أساسي عملية العودة الطوعية وبموازاة ذلك تم إعداد مادة إعلامية مرفقة بمقطع من الأغنية الوطنية المشار إليها

*احيك لانك توزع ف حنك تشيل هم بلادك وناسيهو همك*

باعتبارها تعبيرا عن التقدير والدعم

غير أن رد الفعل جاء مختلفا ومفاجئا بالنسبة لي حيث أبدى السفير انزعاجه من استخدام بعض التعابير الشعبية الواردة في الأغنية

وهو ما شكل اندهاشي خاصة أن تلك اللغة تمثل في جوهرها خطابا قريبا من الناس ومعبرا عن وجدانهم

هذه الواقعة فتحت امامي بابا للتأمل في الفارق بين مسؤول يدرك لغة الشارع ويتفاعل معها وآخر قد يبتعد ولو دون قصد عن هذا النبض

وقد شكل هذا الموقف محطة تأمل شخصية عميقة بالنسبة لي إذ دفعني إلى مراجعة طريقة تعاملي مع المسؤولين الذين لم يسبق لي التعامل معهم

وجعلني أميل إلى قدر أكبر من الحذر والرسمية

فرغم أنني كنت أنظر إليه بعين التقدير وفي مقام الوالد بحكم السن إلا أن ما حدث أعاد ترتيب حساباتي وغير من أسلوبي نحو تعامل أكثر تحفظا واتزانا

ومن هنا يصبح القرب من الناس ليس مجرد حضور ميداني انما فهم حقيقي لثقافتهم ولغتهم وطريقة تعبيرهم

لقد تحول البرهان في نظر كثيرين إلى نموذج يحتذى في هذا الجانب

ليس لأنه بلا أخطاء، بل لأنه قدم مثالا عمليا على أن القيادة يمكن أن تكون بسيطة قريبة ومتصلة بالناس دون حواجز وهو ما جعله كما يرى البعض“مدرسة” في كيفية التعامل مع الشأن العام بروح إنسانية مفتوحة

وفي النهاية يبقى الدرس الأهم أن الشعوب لا تبحث فقط عن قرارات بل عن شعور

شعور بأن هناك من يسمعها ويراها ويعيش معها

وحين يتحقق ذلك يصبح القائد أقرب إلى الناس ويصبح الوطن أكثر قدرة على الصمود

زر الذهاب إلى الأعلى