أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب الحياةُ معادلاتٌ وانماطُ وأبعاد
الطعامُ الذي تأكله في بيئتك إذا طبختَه في مكانٍ آخر، غير بيئتك وبنفس المواد وبنفس الطريقة وبنفس المقادير، يفقدُ طعمَه ونكهتَه، فلماذا تغيرت النتيجة؟
تَغيرَّت النتيجةُ لأنك فقدتَ شيئًا مهمًا جدًا، وهو حسُّ المكان، فحسُّ المكان هو العلاقةُ العاطفيةُ والنفسيةُ بين الإنسان وبيئته المكانية، التي تُشكِّل هويتَه، وفقدك لهذا المكان، يُفقدُك معانٍ وذكريات- وبالطبع- يُفقدُك ذوقَك. لكن هناك أشياءٌ لا نعرفُ لها تفسيرًا، مثلًا
الزيتُ المغلي، لو صببنا عليه بيضًا سائلًا، يتصلبُ البيض، ونفس هذا الزيت المغلي، لو وضعنا عليه زبدةً صلبةً تذوب، فما الذي تغير؟ مهما كان لأهل الفيزياء والكيماء تفسيرٌ، ستظل علامةُ الاستفهام قائمةً
نحن في المناطق الباردة لا نحب السحب، لأنها تحجبُ الشمسَ عنّا، وفي المناطق الحارة نحب السحبَ لأنها تحجبُ الشمسَ عنا ، نفس السحب والعمل الذي تقوم به ونفس الشمس ونفس البشر، ولكن تغيَّرت النتيجةُ، سر هذه المعادلة اللطيفة لأننا غيرنا (الزمكان) والزمكان هي نظرية العم أينشتاين، التي يقول فيها: المكان هو الثلاثة أبعاد التي نتحرك فيها (الطول، العرض والارتفاع) والزمان هو البعدُ الرابع الذي يمر بشكل مستمر في كل لحظة. العم أينشتاين يجمعُ بين أبعادِ المكان الثلاثة ويعتبر الزمان (بُعد) رابع يجمعه مع المكان في نسيجٍ متصلٍ رباعيِّ الأبعاد، ويقول إنَّ الزمنَ ثابتٌ، ونحنُ الذين نتحركُ ونمر عليه. وضرب أينشتاين مثلًا في ذلك بسائق الدراجة ينظر تحته يرى الأرضَ تتحرك، لكن في الواقع هي ثابتةٌ، بينما الدراجة هي التي تتحرك.. أسقطتُ هذه النظرية على القرآن الكريم والسنة النبوية، لأجد لها مدلولًا شرعيًا، وبالفعل وجدتُه في الآية رقم 88 من سورة النمل، قال الله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) هذه الجبالُ الراسياتُ تمرُ، مرَّ السَحابِ، إذًا هي تتحرك، إذًا أينشتاين نظريته صحيحة.. لكن لم تكتمل فرحتي بهذا الاكتشاف الفريد، لأن المفسرين قالوا إنَّ مرورَ الجبالِ مرَ السحاب، يكون يومَ القيامة ..إنتهى التفسير وانتهت محاولاتي في الاجتهاد في التفسير لأنني غيرُ مؤهلٍ ذلك، فعلم التفسير يحتاج إلى معرفةِ عدة علوم، مثل اللغة والصرف والنحو والقراءات، و أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، والتقديم والتأخير والحلال والحرام وغير ذلك، وان كان التفسير محصور على المفسرين، فان هناك (بُعد) ثالث متاح لكل مسلم وهو التدبر بل هو مأمور به وواجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، وليس حكراً على العلماء فقط، ويُطالب به كل إنسان حسب قدرته ومعرفته ، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29] هذا هو الإسلام وسماحته حصر التفسير واتاح التدبر، حرم الله الربا واحل البيع حرم الزنا واحل النكاح، وحرم الحرير واحل الديباج، وحرم الخمر واحل النبيذ. لكل شي ابعاد والنظر للأشياء من ابعاد مختلفة يجعل الحكم عليها مكتملا ومنصفا، ولكننا نتجاهل ذلك حتى في علاقاتنا الشخصية، نحن نحكمُ على الآخرين من بعدٍ معين، ونتجاهلُ الابعادَ الأخرى. في مقولة منسوبةٍ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه
احبب حبيبَك هونًا ما، عسى أن يكونَ بغيضَك يومًا ما… وابغض بغيضَك هونًا ما، عسى أن يكونَ حبيبَك يوما ما. فسيأتي يومٌ ترى في حبيبِك( بُعْدًا) سلبيًا كان غائبا عنك، وكذلك من كنتَ تبغضُه، سيأتي يومٌ ترى فيه (بُعْدًا)إيجابيًا لم تكن تراه فيه من قبل والناس انماط
دعني أهمسُ لك بسرٍ: (للناس حدودٌ في التضامن مع الغير) حتى ظلك يتخلى عنك في الأماكنِ المظلمة. لا شك أنَّ هناك استثناءات، توجد علاقاتٌ وصداقاتٌ تدوم، وبعضُها يُتوارث.
الحمدُلله الذي جعل لنا استثناءات، فقد سمعتُه يقول: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) إنه سلطانُ العلم، ولولا هذا الاستثناء، لما أقلعت طائرةٌ ولا حلَّق طائرٌ ولا أُطلقَ صاروخٌ، أقصد صاروخًا للأعمال السلمية، وحتى لا أخرج عن النص، استودعكم الله.
واللهُ أعلى وأعلم.
21 أبريل 2026م


