أنين ألانامل د. الهادي خضر درمه يكتب الاستثمار في العقول: هل التدريب ترف أم ضرورة ؟

في عالم يتسم بالتسارع المذهل والتحولات الرقمية العميقة، لم يعد السؤال المطروح على طاولات المجالس بالمؤسسات والإدارات هو “كم سننفق على التدريب؟”، بل أصبح “ما هي تكلفة الجهل التي سندفعها إذا لم ندرب؟”. إن الاستثمار في رأس المال البشري اليوم ليس مجرد بند في ميزانية الموارد البشرية، بل هو المحرك الاستراتيجي الأول للبقاء والنمو في سوق لا يرحم المتقاعسين.
فأثر التدريب على نجاح المؤسسات تحكمه
لغة الأرقام وهي لا تكذب
تشير الدراسات الحديثة لعام 2025 إلى أن المؤسسات التي تتبنى برامج تدريبية شاملة ومنظمة تحقق عائداً على الاستثمار يفوق التوقعات؛ حيث تسجل هذه الشركات دخلاً لكل موظف أعلى بنسبة 218% مقارنة بالشركات التي تفتقر للتدريب الممنهج. إن التدريب الفعال لا يرفع الكفاءة التشغيلية فحسب، بل يعزز الولاء المؤسسي، ويقلل من معدلات دوران العمالة، ويخلق ثقافة الابتكار التي هي وقود التميز.
“إن تدريب الموظفين وتطويرهم هو الاستثمار الوحيد الذي لا يمكن للمنافسين سرقته، وهو الأصل الوحيد الذي تزداد قيمته بالاستخدام.”
السلبيات التي أقعدت التدريب سابقا السؤال لماذا فشلت المليارات؟
رغم الميزانيات الضخمة التي رُصدت للتدريب في العقود الماضية، إلا أن الكثير منها ذهب سدى. والسبب يعود لعدة معوقات تاريخية:
التدريب كـ “حدث” لا “عملية”: كان يُنظر للتدريب كدورة مدتها ثلاثة أيام تنتهي بانتهاء القاعة، دون متابعة أو تطبيق عملي.
فغياب المواءمة الاستراتيجية وتنفيذ برامج تدريبية معلبة لا تلبي الاحتياجات الفعلية للمؤسسة أو الفجوات المهارية للموظفين.
كذلك مقاومة التغيير القيادية فعدم إيمان بعض متخذي القرار بجدوى التدريب، واعتباره تكلفة يمكن الاستغناء عنها عند أول أزمة مالية.
أضف ضعف قياس الأثر والتركيز على عدد الساعات التدريبية بدلاً من قياس التغيير في السلوك والأداء الميداني.
الشرطة السودانية نموذج مضى في سماء التدريب ورفع القدرات وقدوة في الاستثمار التدريبي
ففي خضم التحديات، تبرز نماذج مشرقة تؤكد أن الاستثمار في التدريب ليس مجرد شعار، بل هو واقع ملموس يحقق نتائج مبهرة. الشرطة السودانية، على سبيل المثال، تُعد نموذجاً يحتذى به في هذا الصدد. فبفضل مؤسساتها التدريبية المتطورة، وحكمة قياداتها التي تدرك أهمية بناء القدرات البشرية، وتوفيرها المستمر لاحتياجات كافة الرتب وتنوع اختصاصاتهم، استطاعت أن تعزز من كفاءتها العملياتية وتماسكها المؤسسي. هذا النهج الشامل يضمن أن كل فرد، من أصغر رتبة إلى أعلاها، يمتلك المهارات والمعارف اللازمة لأداء مهامه بفعالية، مما ينعكس إيجاباً على الأمن والاستقرار في البلاد.
فبشريات العصر الجديد ثورة التعلم الذكي
فنحن اليوم أمام “بشريات” تقنية وإدارية تعيد صياغة مفهوم التعلم، الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يسمح بتصميم مسارات تعلم مخصصة لكل موظف بناءً على نقاط قوته وضعفه، مما يرفع كفاءة التعلم بنسبة 40%.
التعلم المصغر يعني تقديم المعرفة في جرعات مركزة وسريعة تتناسب مع إيقاع العمل الحديث.
اضافه للاعتمادات الرقمية التي تحفز الموظفين على التطوير المستمر من خلال مكافآت مهنية ملموسة.
إن كانت لنا من توصيات قوية ومحفزة لمتخذي القرار
إلى كل قائد يسعى لصناعة مستقبل مؤسسته، نقول
اجعل التعلم قيمة جوهرة، لا تجعل التدريب اختيارياً، بل اجعله جزءاً من نظام تقييم الأداء والترقي الوظيفي.
استثمر في “إعادة التأهيل في ظل اختفاء وظائف وظهور أخرى بسبب الذكاء الاصطناعي، فإن إعادة تأهيل فريقك الحالي أقل تكلفة بكثير من استقطاب مواهب جديدة.
تبنَّ التكنولوجيا التعليمية فالاستثمار في منصات التعلم الذكية التي توفر بيانات دقيقة حول تقدم الموظفين وأثر التدريب على الإنتاجية.
كن انت القدوة في التعلم القائد الذي لا يتعلم لا يمكنه قيادة فريق يتعلم. خصص وقتاً لتطوير مهاراتك القيادية والتقنية أمام فريقك.
إن المؤسسات التي ستسود في عام 2026 وما بعده هي تلك التي تحولت من “مؤسسات تعمل” إلى “مؤسسات تتعلم”. الاستثمار في التدريب هو الرهان الرابح الوحيد في سوق متقلب، وهو الجسر الذي سيعبر بمؤسستك من مرحلة البقاء إلى مرحلة السيادة.
نسأل التوفيق والسداد للجميع.
وإذا أمد الله في الاجال سنعود.


