أعمدة الرأي

دكتور التجاني الطيب عبدالماجد الطيب.  يكتب.. الدكتور صلاح الدين الدعاك

 

في سيرة بعض الناس ما يشبه الضوء؛ لا يُرى في لحظةٍ واحدة، بل يتسلل بهدوءٍ إلى تفاصيل الحياة حتى يصبح جزءًا من المشهد العام، علامةً على العطاء، ودليلاً على أن الإنسانية لا تزال بخير. هكذا يبدو الدكتور صلاح الدين عبد الملك الدعاك؛ رجلٌ خرج من رحم البساطة في مدينة المجلد بغرب كردفان، ليصنع لنفسه مسارًا استثنائيًا يتقاطع فيه الطب مع الأدب، والعمل الإنساني مع الفكرة، والرحلة الشخصية مع الهم العام.

من هناك، حيث الأرض التي تُنبت الصبر قبل الزرع، تشكّلت ملامح البدايات. درس الطب بجامعة كردفان، لكنه لم يكتفِ بأن يكون طبيبًا بالمعنى التقليدي؛ بل خلق لنفسه مساحةً أوسع، مساحةً يلتقي فيها العقل بالقلب، والعلم بالحرف، فكان الطبيب الأديب، والإنسان الذي يرى في كل تجربة مادةً للكتابة، وفي كل معاناة دافعًا للفعل.

ثم امتدت خطاه خارج حدود الوطن، لا بحثًا عن مجدٍ شخصي، بل استجابةً لنداءٍ أعمق؛ نداء العمل الإنساني. عمل مع المنظمات الدولية، وطاف كثيرًا من بلاد الله، يحمل خبراته حيث الحاجة، ويعود محمّلًا بعلاقاتٍ إنسانية ثرية، صنعت منه جسرًا بين الشعوب، ونافذةً مفتوحة على تجارب العالم. لم يكن مجرد موظفٍ في تلك المنظمات، بل كان روحًا فاعلة، تُنجز بجدية، وتكسب الثقة دون ضجيج.

شيئًا فشيئًا، صار اسم الدكتور الدعاك يتقدم الصفوف، لا بالصوت العالي، بل بثقل التجربة وصدق الالتزام. أصبح شخصيةً عامة تحظى باحترامٍ واسع، وتُذكر حيث يُذكر العمل النبيل، حتى لُقّب عن جدارة بـ“سفير العمل الإنساني”، وهو لقبٌ لا يُمنح بقرار، بل يُكتسب عبر سنواتٍ من البذل.

وفي محطته الأخيرة، مع منظمة قطر الخيرية، حيث يرأس مكتبها الإقليمي في السودان، بدا حضوره أكثر وضوحًا في زمنٍ تتعاظم فيه الحاجة. امتد عطاؤه مع المؤسسة إلى كل بقاع السودان، خاصة في ظل المحنة الحالية، حيث تتكاثر الجراح، ويصبح الفعل الإنساني ضرورةً لا خيارًا. هناك، في قلب الأزمات، يظهر معدن الرجال، ويُقاس صدق الرسالة.

لكن، وسط هذا المشهد، يبرز سؤالٌ يستحق التأمل: ماذا لو لم يتوقف دور الدكتور صلاح الدين عبد الملك الدعاك عند حدود العمل الإنساني؟ ماذا لو توسع حضوره ليأخذ مكانه في صفوف الشخصيات التي يمكن أن تضطلع بمواقع دستورية؟ أليس في تجربته، التي جمعت بين العلم والعمل والعلاقات الدولية، ما يؤهله ليكون جزءًا من مشروع بناء الدولة؟

إن الدول، حين تبحث عن نهضتها، لا تحتاج فقط إلى السياسيين التقليديين، بل إلى نماذج من طرازٍ مختلف؛ نماذج تعرف الألم لأنها عايشته، وتفهم الإنسان لأنها خدمته، وتدرك العالم لأنها جابته. والدعاك، في هذا السياق، ليس مجرد اسم، بل فكرة قابلة لأن تتسع.

ربما لا تكون الإجابة قاطعة، لكن المؤكد أن السودان، في لحظاته الفاصلة، يحتاج إلى أمثال هؤلاء؛ رجالٍ لا يأتون من ضجيج السياسة، بل من صمت العمل، ولا يحملون وعودًا بقدر ما يحملون تجارب.

وهكذا تظل سيرة الدكتور صلاح الدين عبد الملك الدعاك مفتوحةً على احتمالاتٍ أكبر، مثل نهرٍ لم يبلغ مصبه بعد، لكنه يعرف جيدًا طريقه نحو البحر.

زر الذهاب إلى الأعلى