مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (11)

 

الانقلابات الهجينة المدنية – العسكرية على الشرعية الدستورية (2)

 

تكشف التجربة الدستورية والسياسية في السودان، منذ الاستقلال في الأول من يناير 1956م، عن أزمة بنيوية ممتدة في تشكّل الدولة الوطنية وشرعيتها الدستورية. فقد نشأت الدولة السودانية الحديثة في إطار انتقال استعماري لم يكتمل فيه التأسيس الوطني الكامل، الأمر الذي أضفى عليها، منذ لحظة الميلاد، سمات الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج (Artificial / Externally-Imposed State) وقد انعكس ذلك في هشاشة العلاقة بين الشرعية القانونية والإرادة الوطنية، وفي عجز النُخب المدنية والعسكرية عن بناء عقد اجتماعي ودستوري مستقر يستوعب التعدد الإثني والثقافي والديني الذي يميز المجتمع السوداني.

وفي هذا السياق، تحولت الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية إلى أحد أبرز أنماط إعادة إنتاج السلطة في السودان. فلم يكن انقلاب 17 نوفمبر 1958م مجرد استيلاء عسكري تقليدي، بل جاء ثمرة تواطؤ مباشر بين القيادة السياسية المدنية، ممثلة في رئيس الوزراء اللواء/ عبد الله خليل، والمؤسسة العسكرية بقيادة الفريق إبراهيم عبود. وقد دشّن هذا التواطؤ سابقة دستورية وسياسية بالغة الخطورة، تمثلت في توظيف الجيش لحسم أزمات كان ينبغي أن تُعالج عبر الآليات الدستورية والمؤسسات السياسية. ولم يكن هذا التحول معزولًا عن السياق الوطني آنذاك؛ إذ ارتبط، في جانب مهم منه، بعجز الدولة الوطنية الوليدة عن احتواء تمرد توريت عام 1955م، وعن بلورة معالجة دستورية وسياسية مستدامة للمسألة الجنوبية ضمن إطار الدولة الناشئة.

ثم تكرر هذا النمط الانقلابي الهجين المدني-العسكري بصورة أكثر تركيبًا في انقلاب 25 مايو 1969م، الذي لم يكن فعلًا عسكريًا خالصًا، وإنما جاء نتيجة تحالف عضوي بين القوات المسلحة وقطاعات واسعة من النُخب اليسارية والقومية العربية. وقد نشأ هذا التحالف في ظل أزمة شرعية دستورية متفاقمة، تجلت بوضوح في واقعة حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان عام 1965م، ثم في تجاهل السلطتين التشريعية والتنفيذية لحكم المحكمة العليا – الدائرة الدستورية – الصادر عام 1966م، والقاضي بعدم دستورية القرار التشريعي. وهكذا، تلاقت أزمة الاندماج الوطني مع أزمة سيادة الدستور، ليتحول الانقلاب إلى أداة متكررة لإعادة تشكيل السلطة خارج الأطر الديمقراطية والدستورية.

وقد دخل هذا المسار مرحلة أكثر تعقيدًا خلال العقد الأخير من فترة الحكم المايوي (1969م–1985م)، حين بدأت الحركة الإسلامية في الانتقال من موقع المعارضة إلى قلب مؤسسات الدولة. وقد شكّل فشل الغزو الليبي للسودان عام 1976م نقطة انعطاف مفصلية؛ إذ أدرك الرئيس جعفر نميري أن التحالفات التقليدية التي اعتمد عليها النظام المايوي في مراحله السابقة، سواء مع بعض القيادات الطائفية المرتبطة ببيتي الأنصار والختمية، أو مع قطاعات من النُخب السياسية التقليدية وأذرعها الحزبية، وعلى رأسها حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، لم تعد كافية لضمان استقرار النظام أو تحصينه في مواجهة التحديات الداخلية والضغوط الإقليمية. ومن ثم، اتجه الرئيس جعفر النميري إلى إعادة هندسة قاعدته السياسية، عبر استيعاب قوى جديدة أكثر تنظيمًا وانضباطًا، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية بقيادة الدكتور/ حسن عبد الله الترابي، التي كانت قد شهدت توسعًا ملحوظًا منذ ثورة 21 أكتوبر 1964م، واستفادت من مناخ الانفتاح السياسي الذي أعقبها في إعادة بناء تنظيمها السياسي الإسلاموي، وتوسيع قواعدها داخل الجامعات والنقابات والخدمة المدنية والقوات النظامية. وقد أتاح لها ذلك تطوير بنية تنظيمية حديثة، وإنتاج نُخبة متعلمة ذات تكوين قانوني وإداري وسياسي رفيع، فضلاً عن اكتساب قدرة متزايدة على التغلغل المنهجي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، الأمر الذي جعلها، بحلول أواخر سبعينيات القرن العشرين، من أكثر القوى السياسية السودانية تنظيمًا واستعدادًا للتمدد داخل أجهزة السلطة.

وجاءت المصالحة الوطنية عام 1977م لتوفر الإطار السياسي لهذا التحول. فلم تكن مجرد تسوية بين السلطة والمعارضة، بل مثلت بداية إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، وفتحت المجال أمام صعود تدريجي ومنظم للتيار الإسلامي. وقد اتخذ هذا الصعود مسارين متوازيين ومتكاملين: أولهما، دخول الإسلاميين إلى مؤسسات السلطة السياسية والتنفيذية؛ وثانيهما، تعاظم نفوذ النُخبة القانونية والإدارية الإسلامية داخل الجهاز البيروقراطي والقضائي، ولا سيما في وزارة العدل وديوان النائب العام والمؤسسات التشريعية.

وفي هذا الإطار، برز الدكتور/ حسن عبد الله الترابي بوصفه أحد أهم مهندسي هذا التحول، حين تولى منصبي النائب العام ثم وزير العدل. ومن خلال هذين الموقعين، أسهم بصورة مباشرة في إعادة توجيه السياسة التشريعية للدولة، ومنح التيار الإسلامي قدرة غير مسبوقة على التأثير في البنية القانونية والمؤسسية. وهكذا، انتقلت الحركة الإسلامية من مرحلة الدعوة والتنظيم إلى مرحلة إعادة صياغة الدولة من الداخل.

وفي ذات السياق، تزامن مع ذلك صعود نُخبة قانونية إسلامية، معظم أفرادها من خريجي كليات القانون في السودان ومصر، ممن تأثروا بالمدرسة اللاتينية – القارية-الأوروبية وبفكرة تقنين الشريعة الإسلامية. ولم يقتصر دور هذه النُخبة على المشاركة في النقاش الفقهي أو القانوني، بل قادت مشروعًا واسعًا لتعريب القوانين السودانية، ونقلها من اللغة الإنجليزية إلى العربية، مع إعادة صياغة كثير من نصوصها في ضوء مفاهيم الفقه الإسلامي ومبادئه. ولم يكن التعريب، في هذا السياق، مجرد ترجمة لغوية، بل كان مشروعًا لإعادة بناء المرجعية القانونية ذاتها، وتحويل النظام القانوني السوداني من إرث أنجلوسكسوني مختلط إلى نظام أقرب إلى التقنينات العربية ذات المرجعية الإسلامية. وقد بلغ هذا المسار ذروته مع صدور قوانين 08 سبتمبر 1983م، ثم قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م. فبهذين التشريعين، انتقل الحضور الإسلامي من مجرد نفوذ داخل مؤسسات الدولة إلى إعادة تعريف الدولة قانونيًا وأيديولوجيًا. فلم يعُد القانون مجرد أداة لتنظيم العلاقات الاجتماعية، بل أصبح وسيلة لإعادة تشكيل هوية الدولة ومصادر مشروعيتها.

وتكشف هذه المرحلة الممتدة (1964م–1989م)، أن صعود الإسلاميين إلى مواقع التأثير داخل الدولة السودانية لم يكن نتيجة انقلاب مفاجئ أو قطيعة سياسية حادة، بل حصيلة مسار تراكمي طويل من التموقع التدريجي داخل مؤسسات الدولة، خاصة خلال الحقبة المايوية (1969م–1985م). فقد وفّرت المصالحة الوطنية عام 1977م غطاءً سياسيًا مهمًا لإعادة إدماج قوى إسلامية داخل بنية النظام المايوي 1969م، بما أتاح لها الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع الشراكة المؤثرة داخل أجهزة الدولة.

وفي هذا السياق، اضطلعت وزارة العدل وديوان النائب العام والمؤسسات التشريعية، بدور محوري في إعادة تشكيل المجال القانوني للدولة، بما جعل من التشريع أداة مركزية في إعادة تنظيم علاقة السلطة بالمجتمع، وإعادة تعريف حدود الشرعية داخل البنية الدستورية القائمة، حيث برزت نُخب قانونية – بيروقراطية ذات تكوين أكاديمي وقانوني رفيع، انخرطت في عملية إعادة صياغة المنظومة التشريعية، ولا سيما عبر مشروع تعريب القوانين وإعادة مواءمتها مع مرجعيات الفقه الإسلامي. ولم يكن هذا التحول معزولًا عن الفاعلين السياسيين في المعارضة الإسلامية، وفي مقدمتهم قيادات الحركة الإسلامية داخل حزب الجبهة القومية الإسلامية، الذين مثّلوا أحد أبرز تيارات الضغط والتأثير في المجال التشريعي خلال تلك الفترة.

ويُعدّ علي عثمان محمد طه أحد أبرز الفاعلين ضمن هذه النُخبة القانونية–السياسية الصاعدة؛ إذ ينتمي إلى جيل من المحامين والقضاة والكوادر القانونية التي تشكّلت داخل بيئة أكاديمية حديثة، ثم انتقلت إلى الفضاء السياسي عبر العمل التنظيمي داخل الحركة الإسلامية. وقد جمع في مساره بين التكوين القانوني والممارسة السياسية، ما أتاح له ولأمثاله من الكوادر الوسيطة لعب دور وسيط بين المجالين القانوني والسياسي، سواء داخل مؤسسات الدولة أو في فضاءات المعارضة المنظمة.

ومن ثم، فإن هذه العملية التراكمية 1977م – 1989م تبيّن أن ترجمة المشروع الإسلامي إلى نصوص وتشريعات وسياسات عامة لم تكن نتاج لحظة سلطوية مفاجئة، بل ثمرة تفاعل طويل بين نُخب سياسية صاعدة، وبيروقراطية قانونية داخل الدولة، ومسار تدريجي لإعادة تشكيل الشرعية الدستورية من داخل مؤسساتها نفسها، وهو ما مهّد لاحقًا لإعادة إنتاج المشروع الإسلامي بصورة أكثر مركزية بعد 1989م.

وعليه، يمثل المسار الممتد من أواخر الحكم المايوي إلى الديمقراطية الثالثة في السودان (1977م – 1989م) مرحلة مفصلية في تطور أزمة الدولة والشرعية الدستورية، حيث تداخلت التحولات القانونية مع الصراع السياسي والأيديولوجي حول هوية الدولة، وحدود المرجعية التشريعية، وطبيعة النظام الدستوري المنشود.

ففي أعقاب المصالحة الوطنية عام 1977م، بدأ التيار الإسلامي بالانتقال من موقع المعارضة – التي تشكّلت ضمن بيئة سياسية معقدة ارتبطت بتحالفات الجبهة الوطنية في الخارج ومحاولة 1976م المسلحة بدعم إقليمي من ليبيا – إلى موقع التأثير داخل بنية الدولة. وقد مثلت تلك المحاولة المسلحة لحظة تجميع لعدد من قوى المعارضة التقليدية، غير أن الحركة الإسلامية لم تكن فيها القوة المنظمة القائدة، بقدر ما كانت تيارًا سياسيًا موازياً في طور إعادة التشكل، قبل أن يعيد تموضعه لاحقًا داخل الداخل السياسي السوداني.

وقد ارتبطت الجبهة الوطنية آنذاك بتنسيق سياسي واسع ضم حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادات مثل الشريف حسين الهندي، إضافة إلى حضور إقليمي ليبي وفرّ بيئة تنظيمية ولوجستية لعدد من قيادات المعارضة. وفي هذا السياق، بدأت الحركة الإسلامية، بقيادة الدكتور/ حسن عبد الله الترابي، في إعادة بناء تنظيمها وتطوير أدواتها الفكرية والسياسية، بعد مرحلة من الضغط والملاحقة من النظام المايوي، لتنتقل تدريجيًا من فضاء المعارضة إلى فضاء الفعل المؤسسي داخل الدولة.

وقد ضمّت الحركة الإسلامية في تلك المرحلة نخبة صاعدة من الكوادر التنظيمية والقانونية، من أبرزها علي عثمان محمد طه، الذي بدأ نشاطه في العمل الطلابي والنقابي قبل أن يلتحق بالمجال القانوني كمحامٍ، ليجسّد نموذج (النخبة القانونية–السياسية الوسيطة) التي ستلعب لاحقًا دورًا محورياً في الربط بين المشروع الفكري الإسلامي والبنية التشريعية للدولة. كما برز كل من الدكتور/ علي الحاج محمد، وإبراهيم السنوسي، والتيجاني عبد القادر حمزة (إلى جانب آخرين من الكوادر القانونية والفكرية) ضمن هذه النُخبة التي ساهمت لاحقًا في التأسيس لمشروع الأسلمة التشريعية. وقد نشط هؤلاء داخل الدوائر التنظيمية الفاعلة، إلى جانب عدد من الكوادر التي أسهمت في بناء البنية الحركية والتنظيمية للحركة الإسلامية خلال تلك المرحلة. ومع فشل الغزو الليبي للسودان عام 1976م، أدرك نظام نميري محدودية الاعتماد على التحالفات التقليدية مع النُخب الطائفية والسياسية المرتبطة ببيوت الأنصار والختمية وأذرعها الحزبية (حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي)، فاتجه إلى إعادة هندسة قاعدته السياسية عبر استيعاب قوى جديدة أكثر تنظيمًا وانضباطًا. وقد مثّلت الحركة الإسلامية بقيادة الدكتور/ عبدالله حسن الترابي أحد أبرز هذه القوى، إلى جانب النُخبة القانونية – البيروقراطية التي بدأت تتغلغل داخل مؤسسات الدولة، لا سيما وزارة العدل وديوان النائب العام والمؤسسات التشريعية.

ومن ثم، فإن هذا التداخل بين إعادة تموضع الإسلاميين من المعارضة إلى الداخل، وبين إعادة تشكيل النظام لتحالفاته السياسية، أسّس لمرحلة جديدة من تاريخ الدولة السودانية، انتقل فيها الفعل السياسي من صيغته التعددية التقليدية إلى بنية أكثر تعقيدًا تقوم على الاختراق المؤسسي وإعادة إنتاج الشرعية من داخل أجهزة الدولة نفسها، وهو ما مهد لاحقًا لتكريس نفوذ الحركة الإسلامية وصولًا إلى انقلاب 30 يونيو 1989م.

وفي هذا الإطار، لم يكن صعود الإسلاميين حدثًا مفاجئًا أو خارجيًا، بل مسارًا تراكميًا تشكّل داخل مؤسسات النظام المايوي نفسه. فقد تولى الدتور/ عبدالله حسن الترابي مواقع قانونية وسياسية مؤثرة، وأسهم في إعادة توجيه السياسة التشريعية، بالتوازي مع مشروع أوسع لتعريب القوانين وإعادة صياغتها في ضوء مرجعيات الفقه الإسلامي، مستندًا إلى نُخبة قانونية متعلمة ذات تكوين مزدوج بين الإرث الأنجلوسكسوني والمدرسة اللاتينية–القارية.

وقد بلغت هذه التحولات ذروتها مع صدور قوانين 08 سبتمبر 1983م، التي أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والقانون على أساس مرجعية دينية أحادية، الأمر الذي أدى إلى تقويض اتفاقية أديس أبابا 1972م، وإعادة إنتاج الحرب الأهلية في الجنوب. وفي السياق ذاته، برز انشقاق العقيد جون قرنق في يونيو 1983م بوصفه نقطة تحول استراتيجية، إذ لم يكن مجرد تمرد عسكري، بل مؤشرًا على اختلال عميق في بنية الدولة الأمنية والعسكرية لسلطة 25 مايو 1969م، وإعلانًا عن ولادة مشروع سياسي – عسكري جديد تمثل في الحركة الشعبية لتحرير السودان، أعاد تعريف الصراع الداخلي في السودان من نزاع إقليمي إلى أزمة بنيوية في مفهوم الدولة السودانية ذاتها.

وبالتوازي مع ذلك، برزت ظاهرة النُخب السودانية العابرة للحدود (Diaspora Elite)، التي لعبت دورًا متزايد الأهمية في التأثير على الفضاء السياسي والاقتصادي، وعلى نحوٍ أقل انتظامًا في المجال الإعلامي والخطابي العام. فقد أسهمت هذه النُخب، خاصة من حملة الجنسيات المزدوجة والمقيمين في أوروبا وأمريكا الشمالية، في إعادة إنتاج الخطاب السياسي السوداني من الخارج عبر وسائل الإعلام العابرة للحدود، والمنصات الصحفية، وشبكات التواصل غير الرسمية، ومراكز البحث والدراسات، بما أضاف بُعدًا جديدًا للصراع الداخلي، يتمثل في تدويل السرديات السياسية وإعادة صياغة تمثلات الأزمة السودانية من خارج المجال الوطني المباشر. فرغم ما توفره هذه الظاهرة من فُرص في مجالات المعرفة، وتعبئة الموارد، والاستثمار، والدبلوماسية غير الرسمية، فإنها تطرح في المقابل إشكاليات معقدة تتصل بالأمن الوطني، ومفهوم الولاء السياسي في سياق الدولة، وإدارة التعدد الهوياتي في بيئة تعاني أصلًا من هشاشة الاندماج الوطني وضعف الهوية الجامعة، وتداخل مستويات الانتماء بين الداخل والخارج.

وفي إطار مسارات تآكل بنية الشرعية ومشروع البناء الوطني في السودان خلال الفترة (1969م–1989م)، برز ملف الشريعة الإسلامية بوصفه محور الصراع الدستوري والسياسي خلال الديمقراطية الثالثة (1985م–1989م). فقد تمسكت الجبهة القومية الإسلامية بمشروع تشريعي ذي مرجعية إسلامية شاملة، في مقابل اتجاه قوى سياسية رئيسية، وعلى رأسها الحزب الاتحادي الديمقراطي وقطاعات واسعة من حزب الأمة، نحو مقاربة قانونية مدنية تستوعب التعدد الديني والثقافي والاجتماعي للمجتمع السوداني، وتؤسس لشرعية دستورية أكثر اتساقًا مع الطبيعة المركبة للدولة الوطنية.

وقد تجسد هذا الاتجاه التوافقي في اتفاق الميرغني – قرنق، الموقع في أديس أبابا في نوفمبر 1988م، والذي مثّل محاولة جادة لإعادة تأسيس الشرعية الوطنية عبر مسار دستوري شامل، نصّ على تجميد قوانين 08 سبتمبر 1983م، ووقف الحرب الأهلية في جنوب السودان، والدعوة إلى مؤتمر دستوري جامع يعيد صياغة الدولة على أسس توافقية. إلا أن هذا المسار واجه معارضة حادة من الجبهة القومية الإسلامية، كما اصطدم بتعثر آليات التنفيذ وتفاقم الانقسامات داخل الائتلاف الحاكم، الأمر الذي أدى إلى شلل متزايد في أداء النظام البرلماني 1985م – 1989م وعجزه عن إنتاج تسوية وطنية مستقرة.

ومع اتساع دائرة الاستقطاب السياسي، وتفاقم المخاوف من انهيار النظام الديمقراطي، برزت داخل النُخبة السياسية والاجتماعية دعوات لاحتواء الأزمة عبر تدخل المؤسسة العسكرية بوصفها، في نظر بعض الفاعلين، الضامن الأخير لوحدة الدولة واستقرارها. وفي هذا السياق، انعقد الاجتماع الشهير بين رئيس الوزراء الصادق المهدي والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، الفريق أول مهندس بحري فتحي أحمد علي، في فبراير 1989م، حيث طرحت القيادة العسكرية مذكرة الجيش المعروفة، التي عبّرت عن قلق المؤسسة العسكرية من حالة التدهور السياسي والعسكري خاصة في إقليم جنوب السودان وقتها، وطالبت بتشكيل حكومة قومية قادرة على إدارة الحرب والأزمة الوطنية.

وقد تطورت تلك الضغوط لاحقًا إلى ما هو أبعد من مجرد مذكرة سياسية؛ إذ تشير الوقائع التاريخية والشهادات القضائية اللاحقة إلى أن قيادة القوات المسلحة كانت قد حسمت أمرها، وشرعت فعليًا في الترتيب للاستيلاء على السلطة صبيحة الأول من يوليو 1989م، بعد أن وصلت إلى قناعة بأن النظام البرلماني 1985م – 1989م فقد قدرته على إدارة الدولة والحرب في إقليم جنوب السودان. إلا أن هذا التحرك سبقته الجبهة القومية الإسلامية، التي نفذت انقلابها في الثلاثين من يونيو 1989م، مستفيدة من تنظيمها المحكم واختراقها المبكر لبعض الوحدات العسكرية. وقد أضفى هذا السبق الانقلابي الهجين بُعدًا إضافيًا على انقلاب 30 يونيو؛ إذ لم يكن مجرد استيلاء عسكري تقليدي، بل كان أيضًا عملية استباقية هدفت إلى قطع الطريق أمام انقلاب عسكري قومي كان يجري الإعداد له داخل المؤسسة العسكرية نفسها. ومن ثم، تداخلت في تلك اللحظة الحاسمة إرادتان انقلابيتان: إرادة الجيش الساعي إلى فرض تسوية سلطوية، وإرادة الجبهة القومية الإسلامية الساعية إلى احتكار السلطة وتوظيفها لصالح مشروعها الأيديولوجي.

وفي هذا السياق، اكتسبت الشهادات اللاحقة أهمية خاصة، ومن بينها ما ورد في الدعوى الإدارية (3) لسنة 2013م مضموم الدعوى الادارية رقم (4) المقامة من اللواء شرطة (حقوقي) دكتور/ عزالدين عبد المحمود سليمان واللواء شرطة (حقوقي) دكتور الطيب عبدالجليل حسين محمود/ ضد/ رئيس الجمهورية ووزير الداخلية، حيث ورد إفادات في الدعوى الادارية (3) أدلى بها الدكتور/ إدريس عبد الله البنا، نائب رئيس مجلس رأس الدولة خلال الديمقراطية الثالثة 1985م – 1989م، بشهادة تناولت الملابسات السياسية والعسكرية التي سبقت انقلاب 30 يونيو 1989م، وما كشفت عنه تلك الشهادة من علم دوائر الدولة بوجود ترتيبات انقلابية وشيكة داخل القوات المسلحة – ونترك لتلك الوقائع من الشهادة تفاصيلها لاحقاً.

ومن ثم، فإن انقلاب 30 يونيو 1989م لم يكن وليد لحظة طارئة أو مجرد استجابة لأزمة حكومية عابرة، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من تآكل الشرعية الدستورية، وفشل التسويات الوطنية، وعجز النظام البرلماني عن إدارة صراعاته السياسية التوافقية والتوازونية الداخلية. وهكذا أعاد السودان إنتاج نمطه التاريخي المتكرر للإنقلابات الهجينة، حيث يتداخل العسكري مع المدني، ويتقاطع السياسي مع الأيديولوجي، في لحظة تتراجع فيها قدرة المؤسسات الدستورية على حماية النظام الديمقراطي من الانهيار.

وفي موازاة ذلك، تقدمت الحكومة الائتلافية، بدعم من الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة، بمشروعات إصلاحية ذات طابع مدني، استهدفت إعادة تنظيم النظام القانوني، خصوصًا في المجال الجنائي (القوانين الجنائية)، بما يحقق التوازن بين المرجعية الثقافية الإسلامية ومتطلبات الدولة التعددية. في المقابل، طرحت الجبهة القومية الإسلامية مشروعات تشريعية بديلة ذات طابع إسلامي أكثر صرامة، إلا أن هذه المبادرات ظلت محل خلاف سياسي واسع دون أن تكتسب إجماعًا برلمانيًا.

وفي هذا السياق، يكتسب التحليل الإجرائي للنظام الجنائي أهمية مضاعفة عن تآكل بنية الشرعية، خاصة في ظل القوانين الجنائية لسنة 1991م وما ارتبط بها من إعادة هيكلة شاملة لمنظومة العدالة الجنائية في السودان. فقد جاء التشريع الجنائي لقوانين 1991م في سياق سياسي اتسم بسيطرة مشروع الحركة الإسلامية على مفاصل أجهزة الدولة، وسعيه إلى بسط نفوذه على مختلف مفاصل إدارة الدولة، بما في ذلك المؤسسات العدلية والتنفيذية، في إطار إعادة صياغة الدولة وفق رؤية أيديولوجية وقانونية متكاملة.

وقد تمثّل أحد أبرز تجليات هذا التحول في تعزيز موقع النيابة العامة داخل البنية الإجرائية، بما جعلها تتمتع بسلطات واسعة في مرحلة التحري والاتهام، مع قدرة مؤثرة على توجيه مسار الدعوى الجنائية، سواء من خلال تحريكها أو الاستمرار فيها أو إنهائها في بعض الحالات الإجرائية. هذا التمركز في سلطة الادعاء، في ظل ارتباطات مؤسسية وسياسية وثيقة داخل أجهزة الدولة، أفضى إلى إعادة توزيع غير متوازن لوظائف العدالة الجنائية، بحيث تداخلت حدود السلطة التنفيذية مع المجال القضائي في مستويات متعددة.

وتتجلى خطورة هذا التداخل بصورة أوضح في القضايا التي تكون فيها الدولة أو أجهزتها طرفًا مباشرًا في الدعوى، كما في ملفات الفساد الإداري والمالي أو انتهاكات حقوق الإنسان، حيث تصبح النيابة العامة في موقع مزدوج: فهي من جهة تمثل سلطة الاتهام، ومن جهة أخرى تتحرك داخل بنية مؤسسية تتأثر بتوازنات السلطة السياسية ذاتها. هذا الوضع يُضعف عمليًا مبدأ استقلال القضاء (Judicial Independence)، ويؤثر على حياد إجراءات التقاضي، ويحدّ من فعالية الرقابة القضائية المستقلة.

ومن ثم، فإن القوانين الجنائية لسنة 1991م لم يكن مجرد تطور تقني في بنية التشريع الجنائي، بل مثّل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تنظيم الدولة وأجهزتها القانونية والإدارية، بما يتيح توسيع نفوذ السلطة السياسية داخل مفاصل العدالة. وقد ترتب على ذلك، إعادة تعريف العلاقة بين النيابة العامة والقضاء، بحيث لم تعد النيابة العامة محصورة في إطار الفصل الوظيفي التقليدي، بل أصبحت أنموذج تتداخل فيه وظائف الاتهام والإشراف على الدعوى الجنائية العمومية ضمن منظومة واحدة، الأمر الذي أثار إشكالات بنيوية تتصل بضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة Fair Trial) / Fair and Impartial Trial) ومبدأ تكافؤ وسائل الدفاع والاتهام (Equality of Arms).

وعليه، فإن فهم هذا التحول لا ينفصل عن السياق السياسي العام الذي رافق صعود الإسلاميين إلى السلطة عام 1989م، حيث تداخل المشروع الأيديولوجي مع إعادة تشكيل البنية القانونية للدولة، بما جعل العدالة الجنائية جزءًا من هندسة السلطة، لا مجرد إطار محايد للفصل في الخصومات.

ومن هذا المنطلق، فإن منح النيابة العامة سلطة وقف الدعوى الجنائية أو شطبها دون إشراف قضائي مباشر، أو دون صدور حكم قضائي نهائي فاصل في موضوعها، يُعد امتدادًا عمليًا لتوسع سلطتها في نطاق الدعوى العمومية الجنائية. فبهذا التوسع، لا تظل النيابة محصورة في دورها الأصيل بوصفها سلطة اتهام، وإنما تمتد آثار قراراتها إلى صميم العملية القضائية ذاتها، بحيث تصبح قادرة على إنهاء الدعوى أو تعطيلها في مراحلها الأولية أو الوسيطة، بل وحتى أثناء سير المحاكمة، من خلال طلب سحب ملف الدعوى من أمام المحكمة أو القاضي المختص.

ويكشف هذا الوضع عن إشكالية بنيوية في تصميم النظام الإجرائي، تتمثل في تداخل الحدود الفاصلة بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم. فالأصل في النظم العدلية الحديثة أن يظل الفصل النهائي في الخصومة الجنائية اختصاصًا حصريًا للقضاء، باعتباره الضامن للحياد والاستقلال، بينما يقتصر دور النيابة العامة على تحريك الدعوى ومباشرة الاتهام وتمثيل المصلحة العامة أمام المحكمة.

وبالانتقال إلى النظم القانونية المقارنة، يتضح أن هذا التوسع في صلاحيات النيابة العامة يظهر بجلاء في النماذج المتأثرة بالنظام اللاتيني–الفرنسي التقليدي، ولا سيما قبل إصلاحات قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي لعام 1804م، حيث كانت النيابة تجمع بين الإشراف على التحقيق ومباشرة الاتهام، مع سلطة مؤثرة في استمرار الدعوى أو إنهائها وفق اعتبارات قانونية أو تقديرية. غير أن هذا النموذج، متى غابت عنه الرقابة القضائية الفعالة، يفضي إلى إضعاف ضمانات استقلال القضاء (Judicial Independence)، ويؤثر مباشرة في مبدأ المحاكمة العادلة والمنصفة (Fair and Impartial Trial)، ولا سيما من حيث توازن مراكز الخصومة الجنائية وتكافؤ وسائل الدفاع والاتهام.

وبذلك، فإن الصراع السياسي حول طبيعة النظام القانوني السوداني،

زر الذهاب إلى الأعلى