مقالات الرأي

إِيقَاعُ الأَنَامِلِ العَقِيدُ شُرْطَة: مُرْتَضَى العَالِم الأُسْبُوعُ الَّذِي عَمَّ الرُّبُوعَ المُرُورُ… وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ

 

 

فِي كُلِّ عَامٍ، وَمَعَ إِطْلَالَةِ الفَتْرَةِ مِنَ الرَّابِعِ إِلَى العَاشِرِ مِنْ مَايُو، تَتَجَدَّدُ مَعَانِي الوَعْيِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ مَعَ احْتِفَالَاتِ أُسْبُوعِ المُرُورِ العَرَبِيِّ، ذَلِكَ الحَدَثُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ مُنَاسَبَةٍ تَقْوِيمِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ غَدَا مَوْسِمًا لِلتَّذْكِيرِ بِقِيمَةِ الإِنْسَانِ، وَقَدَاسَةِ الحَيَاةِ، وَضَرُورَةِ صَوْنِهَا مِنْ غَوَائِلِ التَّهَوُّرِ وَالاِسْتِعْجَالِ.

 

وَقَدْ جَاءَ شِعَارُ هَذَا العَامِ: «تَمَهَّلْ… نَحْنُ بِانْتِظَارِكَ»، شِعَارًا يَخْتَزِلُ فِي بَلَاغَتِهِ مَا تَعْجِزُ عَنْهُ خُطَبٌ طِوَالٌ وَمَوَاعِظُ مُسْتَفِيضَةٌ؛ فَهُوَ نِدَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ عُمْقِ الإِحْسَاسِ الإِنْسَانِيِّ، لَا مِنْ لُغَةِ القَانُونِ وَالعُقُوبَةِ. نِدَاءٌ يَسْتَنْفِرُ الضَّمِيرَ، وَيُحَرِّكُ فِي النَّفْسِ أَشْجَانَ المُنْتَظِرِينَ عَلَى ضِفَّةِ الشَّوْقِ وَالقَلَقِ.

 

فَمَا أَبْلَغَ هَذِهِ العِبَارَةَ وَهِيَ تُذَكِّرُ السَّائِقَ بِأَنَّ خَلْفَ كُلِّ رِحْلَةٍ وُجُوهًا تَتَرَقَّبُ، وَقُلُوبًا تَدْعُو، وَعُيُونًا تَنْتَظِرُ عَوْدَتَهُ سَالِمًا. وَكَأَنَّهَا صَوْتُ الأُمِّ، وَرَجَاءُ الزَّوْجَةِ، وَتَرَقُّبُ الأَبْنَاءِ، وَدُعَاءُ الأَحِبَّةِ.

 

وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ الخِطَابُ المُرُورِيُّ مُرَاهِنًا عَلَى وَعْيِ الإِنْسَانِ وَعَاطِفَتِهِ، لَا عَلَى مَخَافَةِ الغَرَامَةِ وَالعِقَابِ؛ فَالمَسْؤُولِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ تِلْكَ الَّتِي تَنْبُعُ مِنْ دَاخِلِ النَّفْسِ، لَا مِمَّا يُفْرَضُ عَلَيْهَا مِنْ خَارِجِهَا.

 

وَإِذَا كَانَتِ الحَيَاةُ قَائِمَةً عَلَى التَّضَادِّ، فَإِنَّ المَشْهَدَ المُرُورِيَّ يُقَدِّمُ أَبْهَى صُوَرِ هَذَا المَعْنَى؛ حَيْثُ يَصْدُقُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

«وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ».

 

فَسَوَادُ الأَسْفَلْتِ لَا يَكْتَمِلُ جَمَالُهُ إِلَّا بِبَيَاضِ الخُطُوطِ الَّتِي تَشُقُّهُ هَادِيَةً وَمُنَظِّمَةً، وَذَلِكَ التَّبَايُنُ البَصَرِيُّ لَيْسَ مَظْهَرًا جَمَالِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ وَظِيفِيَّةٌ تَصُونُ الأَرْوَاحَ، وَتُحَدِّدُ المَسَارَاتِ، وَتَحُولُ دُونَ الفَوْضَى وَالاِرْتِبَاكِ.

 

وَكَذَلِكَ هِيَ مَلَابِسُ رِجَالِ المُرُورِ، بِبَيَاضِهَا اللَّافِتِ، تَتَبَدَّى عَلَى خَلْفِيَّةِ الطُّرُقِ كَإِشَارَةِ أَمْنٍ وَاطْمِئْنَانٍ، فَتُلْفِتُ الأَنْظَارَ وَتُذَكِّرُ بِأَنَّ هُنَاكَ أَعْيُنًا سَاهِرَةً عَلَى سَلَامَةِ النَّاسِ.

 

وَلَيْسَ بَعِيدًا عَنْ هَذَا المَعْنَى ذَلِكَ التَّنَاغُمُ البَدِيعُ فِي أَلْوَانِ الإِشَارَاتِ الضَّوْئِيَّةِ: أَحْمَرُ يَأْمُرُ بِالتَّوَقُّفِ، وَأَصْفَرُ يَدْعُو لِلتَّرَقُّبِ، وَأَخْضَرُ يُؤْذِنُ بِالمُضِيِّ؛ فَكَأَنَّهَا لُغَةٌ كَوْنِيَّةٌ مُوَحَّدَةٌ، تُخَاطِبُ الجَمِيعَ دُونَ تَرْجُمَانٍ.

 

وَفِي خِضَمِّ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي فَرَضَتْهَا الظُّرُوفُ، أَثْبَتَتِ الإِدَارَةُ العَامَّةُ لِلْمُرُورِ قُدْرَةً لَافِتَةً عَلَى التَّجَاوُزِ وَالإِنْجَازِ؛ فَمَا أَصَابَ بَعْضَ مَرَافِقِهَا مِنْ خَرَابٍ لَمْ يَكُنْ نِهَايَةَ المَطَافِ، بَلْ كَانَ بَدَايَةً لِإِعَادَةِ الإِعْمَارِ عَلَى نَحْوٍ يَبْعَثُ عَلَى الإِعْجَابِ.

 

كَمَا أَنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ الرَّقْمَنَةِ وَتَطْوِيرِ الخِدْمَاتِ، عَبْرَ مِنَصَّاتٍ ذَكِيَّةٍ كَـسَالِم وَمِيثَاق، يُجَسِّدُ رُؤْيَةً حَدِيثَةً تَسْتَشْرِفُ المُسْتَقْبَلَ، وَتُقَدِّمُ الخِدْمَةَ لِلمُواطِنِ بِكِفَاءَةٍ وَيُسْرٍ، وَتَضْمَنُ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ حُقُوقَ المُتَعَامِلِينَ وَسَلَامَةَ الإِجْرَاءَاتِ.

 

وَإِذْ نُحَيِّي أُسْبُوعَ المُرُورِ العَرَبِيِّ، فَإِنَّنَا نُوَجِّهُ التَّحِيَّةَ لِرِجَالِ المُرُورِ كَافَّةً؛ مُدِيرًا وَضُبَّاطًا وَضُبَّاطَ صَفٍّ وَجُنُودًا، وَهُمْ يَقِفُونَ فِي الهَجِيرِ وَالقَيْظِ، وَفِي اللَّيْلِ وَالمَطَرِ، مُتَوَشِّحِينَ البَيَاضَ، مُتَسَلِّحِينَ بِالوَاجِبِ، سَاهِرِينَ عَلَى انْسِيَابِ الحَرَكَةِ، وَحِفْظِ الأَرْوَاحِ.

 

فَلَهُمُ التَّقْدِيرُ، وَلَهُمُ الاِمْتِنَانُ، وَلْتَبْقَ رِسَالَتُهُمْ مِشْعَلًا لِلسَّلَامَةِ وَالوَعْيِ فِي كُلِّ الطُّرُقِ وَالرُّبُوعِ.

زر الذهاب إلى الأعلى