بيان اعتذار هزيل للحجاج بعد خراب سواكن كتب .. عبد اللطيف السيدح

يبدو أن المجلس الأعلى للحج والعمرة لم يجد ما يقدمه للحجاج بعد انتهاء موسم المعاناة سوى بيان اعتذار متأخر، أشبه بمن يجس شاة بعد ذبحها ليعرف مقدار شحمها، أو بمن يوزع المظلات بعد مرور موجة الحر.
فالبيان الذي أصدره مكتب حجاج السودان بمكة المكرمة نيابة عن مجلسه، فبدلا من أن يجيب عن السؤال الجوهري من المسؤول عن هذه الكارثة؟ انشغل بسرد تفاصيل اللجان والاجتماعات والدفاع عن البواخر،وتأهيلها والعقود الصارمة التي وقعت معها، وكله في الهواء وكلام ساكت، ليستدر به عطف الحجاج الذين افترشوا الأرصفة وتكدسوا في ميناء عثمان دقنة ينتظرون محاضرة في الإجراءات الإدارية لا حلا لمعاناتهم.
إن الحقيقة التي لا يستطيع البيان إخفاءها أن المجلس ألقى بآلاف الحجاج في قبضة نواقل بحرية ثبت عمليا عجزها عن الوفاء بالتزاماتها. بواخر ظل الناس يتوجسون منها قبل الإبحار، فإذا بها تؤكد كل المخاوف وتضيف إليها فصولا جديدة من التأخير والفوضى والارتباك.
ويعترف البيان، من حيث لا يريد، بأن الباخرة البديلة لم تستطع نقل أمتعة الحجاج، وأن عشرات الحاويات ظلت عالقة، وأن الحجاج تركوا ينتظرون أياما طويلة بين الأمل والإحباط. فإذا كانت هذه هي البواخر (المؤهلة) فكيف تكون حال غير المؤهلة؟
ثم إن الحديث عن عدم وجود خيارات في النقل البحري لا يعفي أحدا من المسؤولية. وهو حديث مردود عليهم لأن الخيارات كانت موجودة أيام توقيع الاتفاقيات لكن تم استبعاد البواخر المؤهلة التي نجحت العام الماضي نجاحا منقطع النظير في عودتي الذهاب والإياب بحجاجها لكنها أبعدت هذا الموسم بمؤمرات مفضوحة.
إن واجب الإدارة الناجحة أن تبحث عن الحلول قبل وقوع الأزمة لا أن تبرر الفشل بعد وقوعه. أما أن تتحول الدولة كلها إلى رهينة لعطل باخرة واحدة، فذلك يكشف هشاشة التخطيط وضعف البدائل أكثر مما يكشف سوء حظ أو ظرفا طارئا.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن المجلس الأعلى للحج والعمرة أصبح جسدا إداريا مترهلا، يكثر من البيانات ويقل فيه الإنجاز. فالحجاج لا يقيسون النجاح بعدد الاجتماعات ولا بأسماء اللجان، وإنما يقيسونه بسلامة الرحلة وكرامة الإنسان وحفظ حقوقه وأمتعته.
أما الاعتذار الذي ورد في ختام البيان، فهو اعتذار لا يغير شيئا من الواقع المرير الذي يعيشه الحجاج . فالمعاناة وقعت، والأيام ضاعت، والأذى النفسي بلغ مداه، ولا يزال السؤال معلقا في عنق كل مسؤول شارك في هذا الملف:
من الذي اختار هذه النواقل؟ ومن الذي وقع العقود؟ ومن الذي سيحاسب بعد أن تحولت رحلة العودة من بيت الله الحرام إلى رحلة شاقة من الانتظار والضياع؟
إن أقل ما يستحقه حجاج السودان ليس بيانا جديدا، بل تحقيقا شفافا ومحاسبة حقيقية، حتى لا يتكرر المشهد نفسه في موسم قادم، وتعود ريما إلى عادتها القديمة، ويجد الحجاج أنفسهم مرة أخرى أسرى لبواخر مهترئة هزمت المؤسسات قبل أن تهزم البحر.


