محي الدين قمر الدين يكتب : ظاهرة “البنقالة” في الصحافة السودانية

شهدت الصحافة السودانية خلال السنوات الأخيرة تدهوراً مريعاً لم يعد خافياً على أحد، حتى أصبحت المهنة التي كانت يوماً منبراً للوعي والتنوير ساحة للفوضى والابتزاز وتصفية الحسابات. هناك سبب خطير ظل مسكوتاً عنه طويلاً، يتمثل في ظاهرة ما يعرف داخل الوسط الصحفي بـ”البنقالة”. وهذه الظاهرة تقوم على استغلال صحفيين شباب أو قليلي الخبرة عبر تشغيلهم برواتب هزيلة لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، بل إن بعض المؤسسات الإعلامية تمادت أكثر فصارت تستخدم صحفيين دون رواتب أو حوافز أصلاً، تحت شعارات زائفة مثل “اكتساب الخبرة” أو “التدريب”. وهكذا تحولت بعض الصحف والمنصات الإعلامية إلى ما يشبه معسكرات العمل المجاني، حيث يُستنزف الصحفي مادياً ونفسياً دون أي تقدير أو حماية مهنية. ومن الطبيعي أن تفرز هذه البيئة المختلة سلوكيات أكثر خطورة. فالصحفي الذي يُدفع إلى حافة الجوع والعجز لن يستطيع الصمود طويلاً أمام إغراء المال، خاصة في ظل غياب المؤسسات القوية والنقابات المهنية الرادعة. وهنا بدأت تتوسع ظاهرة نشر الأخبار مقابل المال، وتحولت بعض المنابر إلى أسواق مفتوحة للبيع والشراء، تُنشر فيها المواد وفقاً لحجم الدفع لا وفقاً لقيمة الحقيقة.ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت ممارسات أكثر انحداراً تمثلت في ابتزاز الأشخاص والمؤسسات، عبر التلويح بنشر معلومات أو أخبار مسيئة مقابل الحصول على مبالغ مالية. وبعض هؤلاء لا يمارس الصحافة أصلاً بمعناها المهني، بل يمارس دور “السمسار الإعلامي” الذي يقتات على الخوف والفضائح والمساومات، والاخطر من كل ذلك أن هذه الممارسات لم تجد الردع الكافي، لا من المؤسسات الإعلامية ولا من الجهات التنظيمية ولا حتى من بعض الأجسام المهنية التي اكتفت بالصمت أو المجاملة. فحين يغيب العقاب، تتحول التجاوزات إلى ثقافة، ويتحول الانحراف إلى أمر اعتيادي، وهذا ما حدث بالفعل. إذ انتشرت هذه الجماعات بشكل مخيف، وصار بعض المتطفلين يرون في الصحافة طريقاً سريعاً للكسب والابتزاز وليس رسالة ومسؤولية. إن الأزمة الحقيقية للصحافة السودانية ليست فقط في ضعف الإمكانيات أو تراجع التوزيع، بل في انهيار منظومة القيم المهنية والأخلاقية. فالمؤسسة التي لا تحترم الصحفي ولا توفر له حياة كريمة، تسهم بصورة مباشرة في صناعة الفساد الإعلامي. ومن الظلم تحميل الصحفي وحده مسؤولية الانهيار، بينما يُترك بلا راتب أو حماية أو تدريب ثم يُطلب منه أن يكون نموذجاً للنزاهة والاستقلالية. إن إصلاح الصحافة السودانية لن يتحقق بالشعارات ولا بالبيانات الإنشائية، وإنما يبدأ من إعادة الاعتبار للصحفي نفسه: أجور عادلة، بيئة مهنية محترمة، قوانين رادعة للابتزاز، ونقابات حقيقية تدافع عن المهنة لا عن المصالح الضيقة. أما استمرار سياسة “البنقالة” واستغلال المحتاجين، فلن ينتج إلا مزيداً من الانهيار، حتى تصبح الصحافة مجرد سوق للفوضى والارتزاق بعد أن كانت سلطة للرقابة وكشف الحقيقة.


