كسر مقاديفيك يا زمن بقلم: ياسر زكي محمد يا زمن… توقف

لا ترفع يدك الآن. ليس قبل أن تسمع اعترافي الأخير.
امنحني ثلاث دقائق فقط… دقيقة أحكي فيها، ودقيقة تفهم فيها، ودقيقة تعرف فيها أنك لم تكن جلادي… بل كنت المنقذ الذي جاء على هيئة كابوس.
*كنتُ أعمى. *
أعمى بثقةٍ غبية. طرقتُ كل الأبواب، استشرتُ القريب والبعيد، وجمعتُ نصائح الأرض في كيسٍ مثقوب.
ثم… خلوتُ به. خلوة مذنبٍ بربه. رفعتُ كفيّ المرتجفتين وقلت: “يا رب… إن كان فيه خيري فيسره، وإن كان غير ذلك فاقطعه عني ولو كان قلبي متعلقاً به”.
وبعدها؟
بعدها جاءت الإشارات. كلها خضراء. كلها تقول: “تقدّم”.
فهمستُ لنفسي بجنون المنتصر: “هذا هو. الباب الذي لن يُغلق أبداً. القدر الذي اختارني”.
*ثم ظهر هو. *
ذلك الشيء الذي لم يكن شيئاً… بل كان كل شيء.
كان وطني الذي لا خريطة له، وملاذي الذي لا جدران له، وضحكتي التي لا سبب لها.
كان يترجم صمتي قبل أن أصمت، ويمسح دمعتي قبل أن تولد.
كنا طفلين هاربين من حسابات الكبار… لا نخطط، لا ندخر خوفاً لغد، لا نؤمن إلا بلحظة “الآن”.
نغني بلا حنجرة، نتراقص بلا أقدام، ونكتب مستقبلنا بالطباشير على حائط من سراب.
قضيتُ معه ما لم أقضه مع عمري كله. كانت البدايات… يا إلهي من البدايات. بدايات كانت تكتب في فلم وانا المخرج مثل كل الافلام …
جنة مصغّرة. كل فجر وعد، وكل ليل حكاية، وكل لحظة تقول: “النهايات السعيدة حتمية حتما ستكون … الكاتب لا يملك خياراً آخر”.
*لكن للحياة… قانونٌ لا يُقرأ إلا بعد أن تُجلد به.*
لها أنيابٌ لا تراها إلا حين تبتسم لك. لها خصالٌ لا تعرفها إلا حين تعيشها على جلدك.
*وفي اللحظة الفاصلة…*
اللحظة التي قلتُ فيها “خذني كلي، أنا لك، أنا جاهز”،
اللحظة التي ألقيتُ فيها درعي وسيفي وقلبي ووقفتُ عارياً تماماً أمام المجهول…
*انهار كل شيء.*
السؤال الذي مزقني: *ماذا انكسر بالضبط؟*
هل انكسر الوعد؟ أم انكسرت أنا؟ أم انكسر الزمن؟ أم الليالي التي شهدت؟ أم القدر الذي بصم؟ أم كلهم معاً؟
*صوتٌ واحد فقط…*
صوت المجداف الأول وهو يتشقق.
ثم الثاني… يئن.
ثم الثالث… يصرخ.
ثم… الصمت.
وجدتُ يديّ فارغتين، وقاربي مثقوب، وقلبي يغرق في محيط لا شاطئ له.
*تكسرت المقاديف يا زمن.*
وتكسر معها ذلك الطفل المغرور بداخلي… الطفل الذي ظن لسنوات أنه يستطيع أن يهزمك بضحكة، ويؤجل الموت بنكتة.
*وهنا… سقطت الأقنعة كلها.*
اكتشفتُ أني لم أكن القبطان أبداً. كنتُ مجرد راكبٍ مخدوع، ظن أن الدفة بيده لأن البحر كان هادئاً.
ظننتُ أني أملك الشمس فآمرها متى تشرق، وأملك الريح فأطلب منها متى تهدأ.
كنتُ ألعب بالقدر على طاولة القمار وأقول بضحكة سكران: “الأمر بيدي… والمستقبل أنا صانعه”.
*يا لها من كذبة…*
كذبة صدقتها أنا، وكدتُ أجعلك تصدقها أنت.
*وجدتُ نفسي عارياً…*
مجرداً من القوة، من الحيلة، من المنطق، من القدرة على تحريك إصبع.
صرختُ: “سأقاوم”. فاكتشفتُ أني كنتُ مشلولاً منذ البداية، وأن كل خطوة خطوتها كانت بقدمه هو… لا بقدمي.
*جلستُ في القاع.*
أتنفس ماءً مالحاً، وأبكي دماً ساخناً، وحولي عتمةٌ لا أول لها ولا آخر.
ظننتها النهاية.
*لكن في قلب العتمة… ولد النور.*
نورٌ لا يشبه شمساً ولا قمراً. نورٌ يخرج من الجرح نفسه.
نظرتُ في عين الفقد… فابتسمت لي. قالت: “شكراً لأنك تركتني أحررك”.
لمستُ جرح الحرمان… فإذا به يضمد نفسه. قال لي: “أنا لستُ سكيناً… أنا يد جرّاح”.
صرختُ في وجه الخذلان: “لماذا طعنتني؟”
فهمس: “لأني أحبك. الطريق الذي اخترته كان سماً بطيئاً يقتل روحك قطرة قطرة… وأنا اخترتُ لك الترياق. ترياقٌ مُر، لكنه سيحييك”.
*يا الله… ما أغبانا.*
كم ذرفنا دموعاً على أبوابٍ أغلقتها رحمتك، وكم حاربنا لنفتح قبوراً كانت ستدفننا أحياء.
*الفقد نعمة…* نعمة لا تعرف طعمها إلا حين تستيقظ من سُكر التعلق.
*الحرمان نعمة…* لأنه الدرس الوحيد الذي يعلمك كيف تستغني بالملك عن كل مماليك الأرض.
*الخذلان نعمة…* لأنه الصفعة التي توقظك وتدفعك رغماً عنك إلى الباب الوحيد الذي لا يملك أحد مفتاحه ليغلقه في وجهك.
*يا زمن… اسمعني جيداً.*
تعال اكسرني. اسحقني. اطحني حتى أصير تراباً، ثم انفخ فيّ من جديد.
اكسر مقاديفي كل فجر إن كان الثمن هو أن أبصر.
فأنا لم أعد أخاف الكسر… صرتُ أخاف أن أبقى سليماً وجاهلاً.
*لكن قبل أن تضرب ضربتك… خذ وصيتي.*
وصيةٌ كتبتها بدم القلب لا بحبر القلم:
*1. اختر بنفسك…* ولو أخطأت ألف مرة. اختر لتسقط، لتتألم، لتقوم، لتدرك أنك عبدٌ لا إله. أنك ترسم والله يقدّر.
*2. واستعن بربك…* في أول الطريق فلا تضل، وفي منتصف السقوط فلا تنكسر، وبعد النهوض فلا تتكبر. فهو الحبل المتين الذي إن تمسكتَ به، لن توحلك مستنقعات الدنيا كلها.
أنا الكاتب… أنا الذي ظن ليلةً أن القيامة قامت في صدره وحده.
ليلةٌ شربتُ فيها دمعي حتى ارتويت، وصرختُ حتى تمزق حلقي، ثم… سكت.
وحين سكتُّ، سمعتُ.
سمعتُ صوت الحقيقة لأول مرة.
كتبتُ… فنظرتُ… فتعلّمتُ… فتيقنتُ ثم كتبت من منظور اخر فكتبتالصمت جواد وكتبت حين اردت شيئأ. قم اخيرا تبقي ذكريات هي مقالاتي كتبتها في صمت تام
فتيقنتُ يقين الغريق الذي لمس الشاطئ بعد أن شرب الموت.
*والآن… انت في ملعبك .*
لا تفتش عني بين السطور؛ فما أخفيه أعمق مما أكتب، وما أكتبه ليس إلا صدىً لحكاياتٍ صنعها الزمن.
سأسألك سؤالاً واحداً، وإجابتك عليه ستكتب فصلك القادم:
*حين يرفع الزمن مجدافه فوق رأسك الآن… ماذا ستفعل؟*
هل ستنكمش باكياً على حطام قاربك، تلعن الماء والريح والقدر؟
أم ستضحك… وترفع عينيك للسماء، وتتذكر فجأة أنك لم تخلق لتجدف أصلاً…
أنك خلقت بأجنحة، وأن الكسر كان مجرد دعوة صريحة للطيران؟
القصة لم تكتب نهايتها بعد…
والحبر مازال في يدك.
والصفحة التالية… بيضاء، تنتظرك.
*فماذا ستكتب؟*


