أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب من يحبك لا يطلب منك ان تنحني
أميركا، بالرغم من أساطيلها البحرية وغواصاتها النووية وصواريخها العابرة للقارات وحاملات طائراتها، إلا أنها لم تكسب معركةً واحدةً في كل المعارك التي خاضتها. هربت من فيتنام، انهزمت في أفغانستان، سُخِلتْ في الصومال، اجبرتها المقاومةُ الشرسة في العراق على جدولةِ الانسحاب، إنكسر كبرياؤها في إيران. لماذا فشلت- و لازالت تفشل- في كل معاركِها مع ما تملكه من سلاحٍ وعتاد وقوات؟ لأنَّ العبرةَ ليست في السلاح، بل في الرجل الذي يقف خلف السلاح. النصرُ لا يتحقق بالتفوق التقني ولا بالتفوق المادي ولا بكثرة القوات، ولكن يتحقق بالإيمان بالقضية، والايمان بالله، مع أخذِ الأسباب. البنتاجون يستطيع أن يوفرَ كلَّ شيءٍ للمقاتل الأمريكي إلا الإرادةَ والايمان بالقضية وعقيدةَ القتال.
أما نحن، فلدينا قضية ولدينا عقيدة قتالية، فقط نريد من يذكرنا أننا نملك سلاحًا قويًا فتاكًا، وهذا يذكرني بقصة صاحب القوس: يُحكى أنَّ رجلاً كان يحمل قوسَه، وفي وسط المعركة أو أثناء مأزق تعرض له، نسيَ أنه يحمل هذا السلاح .صرخ فيه صديقٌ له قائلاً: “ارْمِ قوسك!” (بمعنى تخلّص منها لتخفيف الحمل عنك، أو استسلم).فردّ عليه الرجل قائلاً: “لقد ذكرتني أن معيَ قوسٌ، أيقظت هذه العبارةُ وعيَه، وأدركَ أن بيده أداةَ النجاةِ والدفاع، فرفع قوسَه وقاتل بدلاً عن الاستسلام. وهذا هو حالنا، ناسين أن معنا سلاحًا قويًا فتاكًا، هو سلاحُ (الدعاء)
ما امتلك إنسانٌ بتاريخ البشرية سلاحًا أقوى من الدعاء، فالذي أعطاكَ هذا السلاح هو خالقُ كلِّ الأسلحة والقوى، وهو- سبحانه- يعلمُ أن دعاءَك يغلبها جميعها، بشرط أن تدركَ أنَّ الدعاءَ ليس مجرد كلماتٍ ترددها، بل هو اتصالٌ مباشر بـ “القوة المطلقة” التي تُدير الكونَ مع الاخذ بالاسباب. قال عمر بنُ الخطاب، رضي الله عنه: نحن قومٌ أعزنا اللهُ بالإسلام، فمهما ابتغينا العزةَ في غيرِه أذلنا الله. نعم هذه حقيقة، امةُ الإسلام تستمدُ شجاعتَها من قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، آل عمران(173) أي عزة بعد هذا؟ أمةُ الإسلامِ تأخذُ بالأسبابِ، ولا يهمها النتائج لأنها تؤمن بقول تعالى: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) الروم 4، هذا يعنى أن الأمورَ تُدار من السماء، لا من البيت الأبيض ولا من البنتاغون ولا من الكنيست، كل هؤلاء لا يعنون شيئًا بالنسبة للمسلم، أي عزة بعد هذا؟ لدينا سلاحٌ من الجنة، وهو سلاح (لاحول ولا قوة إلا بالله) قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا حول ولاقوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة. قال ابنُ تيمية رحمه الله: ليُكثر العبد قول ” لاحول ولا قوة إلا بالله فإن بها يَحملُ الأثقال ، ويُكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال. والدلائل على ذلك كثيرة من القرآن والسنةِ يعلمها أعداءُ الإسلامِ اكثرَ مما يعيها المسلمون، لذلك لا يريدون أن تقومَ لهذا الدينِ قائمة ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [الصف: ٨-٩]
من يقرأ هاتين الآيتين ثم لا يَعظُم في قلبِه الرجاءُ واليقينُ بعلو الإسلام مهما مكر الماكرون وكاد الكائدون، فليراجع صدق إيمانه.
*سرُّ تفوقِ اميركا:*
سرُّ تفوقِك على غيرِك يكمنُ في معرفتِك لنقاطِ ضعف هذا ألغير، وفي نفس الوقت عليك إخفاءُ نقاطِ ضعفِك وإظهارُ نقاطِ قوتِك. هذا ما تفعله اميركا مع العالم، نقطةُ قوة اميركا هي الدولار فقط ولا غيره، أما غيرُ ذلك، فهي كلها نقاط ضعف التي تعمل دائمًا على التغطية عليها باستعراض قوتها العسكرية، و الاقتصادية، والسياسية. الواقع أن نقاطَ ضعفِها اكثرُ من نقاط قوتها. أميركا تكشف حقيقتَها العنصرية، وتقلقها الجريمة، من مخدرات وقتل، وتفكك أسري، وتهريبٍ عبر حدودها التي عجزت عن السيطرة عليها، أمريكا تخشى الحروبَ ولا تتخذ قرارَ حربٍ إلا من وراء جُدُر لما لاقته من هزائمَ وفشلٍ في حروبها السابقة، كما أنها تعلم ما سيعود عليها نتيجةَ الحروب من اضرارَ اقتصاديةٍ وبيئيةٍ وسياسية. اميركا نقطة ضعفها وقد قالت لها الصين (إنَّ الصين ليس لديها طلقة تانية… لو أطلقت الطلقة الأولى لن يرى ترامب التانية، إن الأولى تؤدي الغرض، فلا حاجةَ لثانية.) كلام واضح وصريح (الكتوف تلاحقت وتفوَّقت في صمت) الإشكالية أن اميركا غرزت في نفوسنا نقاطَ قوتِها واوهمتنا بأننا كلنا نقاط ضعف، لماذا نحن صدقنا واستسلمنا؟ لأننا ابتغينا العزة في غيرِ الإسلام. أميركا تخشى أن يأتيَ يومٌ يعرف فيه الناسُ حقيقتَها، تخشى ذلك لأنها رأت الدولَ التي عرفت نقاطَ ضعفِ أميركا أنها لا تهابها ولا تخضع لها وتعاملها الند بالند.
.يا أيها الأمريكان، لا نريدُ منكم مبادرةَ سلامٍ ولا كثيرَ كلامٍ، فاقد الشي لا يُعطيه. نحن من يصنعُ السلامَ، نحن ابناءُ امةٍ واحدة تُفرقنا السياسةُ وتجمعنا المناسبات، نهنئ بعضَنا في الافراحِ ونواسي بعضَنا في الأتراح، نتخاصم في المنابر ونتصافح في المقابر، في النهار نختلف على الرئيس وفي الليل نبشر معًا للعريس. هذه هي الشفرةُ التي فشلتم في قراءتها، فلا تحشروا انوفَكم في شئوننا بحجة حبكم للسلام (من يحبك لا يطلب منك أن تنحني) وإن أردتُم لنا السلامَ، فابعدوا عنا. هذا هو الواقع مكشوفًا أمامكم، فإنه لا يحتاج إلى مفكرٍ سياسي ولا محللٍ استراتيجي ولا خبيرٍ عسكري ولا مسئولٍ عن شئون جنوبِ شرقِ و شمالِ غربِ كوكبِ الأرض..
والله أعلى وأعلم..
30 يونيو 2026م


